صفحات العالم

السودان يودّع بَعْضَه

خيري منصور
من بين اليافطات العديدة التي رفعت في مظاهرات جنوب السودان الاستباقية لاستفتاء الانفصال ثلاث يافطات يستحق التوقف عندها، وهي بمجملها وداعية وإن كانت إحداها قد طالبت بطلاق بائن بينونة كبرى عندما وضعت رقم ثلاثة بجوار كلمة طلاق .
السودان إذن يودع السودان، لكن من خلال أساليب تخفي الأعظم المترتب على هذه الخطوة الفاصلة، وداعاً أم درمان ووداعاً للخرطوم، وأخيراً وداعاً للسودان هي الدخان الذي حجب الأفق، وليس مهماً ما يحدث الآن في السودان لأن الأهم هو هذه الوصفة التي تستكمل عناصرها خلال هذا الأسبوع الحاسم . فالانفصال يتقدم بذرائع يجب ألا تكون عابرة، ومنها، لا تأمل في العمل إن لم تكن عربياً أو مسلماً .
ومن يراقبون أحداث السودان يغلّبون كالعادة ما هو سياسي ومباشر على أي شيء آخر، لكن تفكيك العبارات المكتوبة على اليافطات قد يذهب بنا إلى ما هو أبعد من نبأ تتناقله الوكالات، لأن هناك من يرون في الانفصال الكيّ بالنار، وهو حسب التقاليد الطبية الشعبية آخر الدواء .
ما نخشاه هو أن تتحول المطالبة بالكيّ إلى حريق شامل لا ينجو منه بلد عربي، ما دامت العلاجات الأخرى لم تفلح، وقد لا يخطر ببال سوداني جنوبي يودع الخرطوم أنه يودع السودان أيضاً، ما دام لكل سودانه الآن في زحام صراع إثني طال كبته، وتفاقم حتى انفجر على هذا النحو .
إنه وداع بلا دموع، وهذا أقسى ما فيه، لأن معنى ذلك هو عدم ترقب اللقاء ثانية، فاللحظة رغم تاريخيتها وثقلها السياسي لا تخلو من بعد وجداني، لأن هناك من يحتفلون بذكرى وحدتهم في هذا العالم مقابل من يحتفلون ببدء الانفصال تمهيداً لاحتفالات قادمة بذكراه .
لنعترف بدءاً بأن العربي الجريح التواق إلى الوحدة بسبب ما عاناه ويعانيه من صداع الافتراق وصدوعه لديه حساسية مفرطة من كلمة انفصال، منذ جربها في نهاية الخمسينات من القرن الماضي بين دمشق والقاهرة، ثم تعاقبت مرارات الفشل، فإذا كانت الأسباب المعلنة لانفصال جنوب السودان عن شماله صحيحة بأن معنى ذلك أن كل أسباب تماثلها أو تقترب منها في أي قطر عربي آخر سوف تنتهي أيضاً بالانفصال، خصوصاً بعد أن شهد العالم العربي حرباً من طراز جديد بين الطوائف والهويات الفرعية، وبدت حربه هذه أقرب إلى تصفية حسابات مع المكبوت التاريخي . وما يضاعف من شعورنا بالقلق هو أن موضوعة الانفصال أصبحت في عالمنا العربي متداولة ومألوفة ولا تثير استنكاراً أو ردود أفعال عاطفية وقومية، كما كان الحال قبل عقود . والمثير أيضاً في هذا الاستفتاء أنه تحقق قبل موعده لكن بطريقة أخرى، فقد بدأ حتى المعترضون عليه يتعاملون معه كأمر واقع بحيث ستكون نتائجه ميدانياً مجرد تحصيل حاصل .
إن ما جرى لإنسان هذه المنطقة المنكوبة هو أشد خطورة مما يبدو للعين المجردة، بحيث لم تعد لتلك الثقافة الوحدوية التي سادت في خمسينات القرن الماضي جذوتها أو حتى جاذبيتها .
وما يجري في السودان ليس السابقة الوحيدة، لكن الجديد فيه هو هذا الوداع الشامت رغم أن الطلاق السياسي لا يقع بين جارين أو غريبين، إذ لا بد له أن يكون مسبوقاً بزواج، وإن كان طلاق البشر هو أبغض الحلال عند الله، فكيف يصبح الطلاق السياسي من أحب وأبهى اللحظات لدى من كانوا ذات سودان واحد خاصرتين، وذراعين؟
ما نخشاه من متوالية الوداع هذه أن تتكرر بدءاً من السودان من شرقه إلى غربه ثم تنتقل العدوى إلى سواه .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى