صفحات سوريةميشال شماس

مسؤولية النظام العربي الرسمي في مواجهة التطرف الديني

null
ميشال شماس
كنت أتمنى أن يبدأ عام 2011 بالسعادة والخير وبمستقبل أفضل لأهلنا وأشقائنا في البلدان العربية، إلا أن الدقائق الأولى من العام الجديد ذهبت بتمنياتنا وأمنياتنا أدراج الرياح بعد أن صبغتها دماء الضحايا البريئة التي سًفكت وأهرقت أمام كنيسة القديسين بمدنية الإسكندرية في جمهورية مصر العربية لتلتحق بدماء ضحايا كنيسة سيدة النجاة في العراق، وبضحايا العنف الطائفي الذي استهدف المسلمين أيضاً في غير بلد عربي.
لن أقول كما قال البعض :”أن الخطة المبرمجة في “تفريغ الشرق الأوسط من المسيحيين” قد دخلت مرحلة جديدة بعيد الهجوم الإرهابي الجبان في استهداف كنيسة القديسين في الإسكندرية المصرية ليلة عيد رأس السنة” ولن أدعو كما دعا الرئيس المصري حسني مبارك :” أبناء مصر – أقباطا ومسلمين – أن يكونوا متراصين وان يقفوا صفاً واحداً في مواجهة قوى الإرهاب والمتربصين بأمن الوطن واستقراره ووحدة أبنائه”.
فالأمر بات بتطلب أكثر من ذلك بكثير .. بات يتطلب تداخلاً جراحياً سريعاً في منظومة القوانين والتربية والتعليم على قاعدة مبدأ المساواة يدعمها نظام قضائي مستقل، لأن الحالة أصبحت في غالبية بلداننا العربية على درجة كبيرة من الخطورة، بعد أن بات مصيرنا ووجودنا معلقاً على كف عفريت النزاعات والتوترات الطائفية والدينية والفساد والتهميش وعدم الاعتراف بالإنسان الأخر.
فالنظام العربي الرسمي منذ الاستقلال وحتى يومنا عجز عن تطوير بنية المجتمع العربي القائمة على التخلف والتمييز الديني والعرقي التي أرسى دعائمها الاستعمار العثماني ومن بعده الاستعمار الأوروبي، تلك البنية التي ما زالت تتحكم بمجتمعاتنا العربية وتفتك بها.. على الرغم من بعض المحاولات الخجولة هنا وهناك لتطوير تلك البنية على أسس غير دينية، إلا أنها في النهاية لم تستطع الخروج عن مفهوم القبلية والعشيرة والطائفة والدين،والنتيجة كانت استمرار عجز النظام العربي الرسمي وحتى الشعبي وفشله من الانتقال بالدولة في المجتمعات العربية من دولة تتنازعها الإثنيات العرقية والطائفية والدينية إلى دولة المؤسسات والقانون، دولة تعامل مواطنيها على قدم المساواة بغض النظر عن السياسة والدين والجنس واللون والعرق.
فعلى الرغم من أهمية دعوات التوحد لرص الصفوف بين المسلمين والمسحيين في البلدان العربية التي نسمعها من هنا وهناك، فإنها لن تردع إسرائيل عن المضي في صب المزيد من الزيت على نار الفتنة الطائفية، كما لن تردع القوى الخارجية الأخرى الطامعة في تخريب مجتمعاتنا، ولن تردع أيضاً ضعاف النفوس في الداخل ممن وضعوا أنفسهم في خدمة القوى المعادية لنا..
إن الحل الوحيد القادر على منع حدوث مثل تلك التفجيرات التي تستهدف أبنائنا لاسيما المسيحيين منهم، القادر أيضاً على سد الثغرات والنوافذ التي يستغلها العدو الإسرائيلي والقوى الداعمة له لتخريب مجتمعاتنا، هو في تحقيق الدولة المدنية، دولة تنظر بسواسية إلى أبنائها، وتعاملهم كمواطنين دون تهميش أو إقصاء على قاعدة مبدأ المواطنة بصرف النظر عن الدين واللون والعرق والجنس والسياسة.
وإن تحقيق ذلك لن يتم بلمسة سحرية أو بقرار يصدر من فوق، بل يحتاج إلى وقت طويل، إلا أن المهم هو أن نبدأ بالخطوة الأولى من خلال هزم التطرف في عقولنا وفي ممارساتنا الفكرية وسلوكنا اليومي وإبعاد الدين عن السياسة، لقطع الطريق على المزايدين من أصحاب الحكم وتلك الجماعات والحركات التي تتستر بالدين كخطوة أولى لابد منها على طريق بناء الدولة المدنية الحديثة.
– كلنا شركاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى