صفحات ثقافية

الفيلم الكردي «القدر الأسود»…بصرية رائعة بإمكانات بدائية

null


أديب حسن محمد

من يعرف الظروف التي يتم فيها الإبداع الكردي في منطقة الجزيرة السورية يتغاضى ربما عن الكثير من العثرات والثغرات التي يعاني منها العمل، فمجرد محاولة الإبداع في هذه الظروف يعد تحدياً كبيراً، فما بالك إذا كان الموضوع يتعلّق بالسينما، ذلك الفن الذي يستلزم ميزانيات ضخمة قد تصل إلى أرقام فلكية في بعض الأفلام العالمية.

ماذا يعني أن يتجشم طبيب أسنان كردي هو د.شمدين شمدين عناء كتابة السيناريو والحوار مقتطعاً من وقت عيادته، هل يحلم بعلاء الأسواني وعمارة يعقوبيان؟؟ ربما لو توفر الشرط الإنتاجي، والمناخ الإبداعي المساعد، لكانت الصورة متقاربة، ولكن أن تصور فيلماً بشكل شبه سري في أمكنة مفتوحة، وبكاميرتي فيديو عاديتين، وأن يخرجه مخرج مسرحي هاوٍ هو الأستاذ أنور محمد الذي لم يدرس فن الإخراج السينمائي قط… فتلك مغامرة كبيرة، ساعدت على خوضها الحماسة الكبيرة لكادر العمل، بدءاً من المخرج وانتهاءً بأصغر الممثلين الأطفال، بحيث لا يستطيع المشاهد أن يخفي إعجابه ببعض المشاهد المؤثرة المشغولة بحرفنة لجهة التصوير والإضاءة والمؤثرات الصوتية، رغم الإمكانات شبه البدائية، مثل مشهد محاورة المرأة للشيخ في المقبرة، ومشهد انتحار المرأة حرقاً في نهاية الفيلم.

كاميرا تشريحية

يعتبر فيلم «القدر الأسود qedra resh» تشريحاً لمأساة الشرق المليئة بالظلم والقسوة وخاصة تجاه المرأة، وصرخة احتجاج على انتحار المرأة، وعلى الظلم الممارس ضدها، والفيلم من جهة أخرى صرخة في وجه الفقر والتخلف، من خلال معالجته مسألة الشرف، فكم من امرأة تفقد حياتها قتلا على يد زوجها، أو أخيها، أو أبيها، دون أية محاسبة من القانون، لأن القانون الشرقي مازال يعتبر غسل العار حقاً وليس جريمة، وفي البيئة الكردية تذهب بعض الدراسات إلى القول بأنه في كل 24 ساعة تفقد امرأة في كردستان حياتها بداعي غسل العار، لكن الملاحظ عند الأكراد هو تفضيل الانتحار حرقا على بقية الطرق، وهذا ما عالجه الفيلم، ربما يعود ذلك إلى الموروث التاريخي الكردي الذي يعتبر النار مقدسة، والحرق نوعاً من التضحية بالذات في سبيل القيم، والمثل العليا، حيث إن التراث الكردي مليء بقصص من هذا النوع.

يتحدث الفيلم عن الظلم الذي تتعرض له المرأة الشرقية بشكل عام، والكردية بشكل خاص على يد زوجها، نتيجة التقاليد والأعراف الاجتماعية المتوارثة، فكما هو معلوم يفضل الناس في منطقتنا المواليد الذكور على الإناث ويعتبرون عدم إنجاب المرأة للذكور عارا ونقصا لديها، ويلجأ الأزواج في هذه الحالة إلى الزواج بأخرى للحصول على الذكر المطلوب، وضمن هذا الإطار تدور أحداث الفيلم.

طقس ذر الرماد

(خجي) المرأة الكردية المكافحة من أجل بناتها الصغار، والتي تزوجت (برو) عن حب، لم يحالفها الحظ والقدر في إنجاب الأولاد الذكور، فكانت كل خلفتها بناتا، حيث أنجبت أربع بنات في غضون عشر سنوات من الزواج، لم تترك خجي شيخاً، أو طبيباً إلا وقصدته من أجل أن تسعد زوجها برو وتنجب له (بروسك) ليكنّى عندها أبا بروسك، إلا أن برو ظل يكنى أبا شاها( ابنته الكبرى)، وتظل حسرة إنجاب الابن تتغلغل في صدره وصدر زوجته، ومن أجل أن ينسى همه الكبير كما كان يصوره له جيرانه، كان يقضي الليالي الطويلة في الخمارات والمقاهي مع صديقه (قادو جان)، وحين يعود إلى البيت كان يضرب زوجته ويسمعها أبشع الألفاظ، فيما أهل الحارة يلحون على برو بفكرة الزواج، كان يرد عليهم بأنه لا توجد امرأة ترضى به لكونه فقيرا معدما، عاطلاً عن العمل، وتلجأ المسكينة خجي إلى شيخ يطلب منها أن تحصل على بضع شعرات من رأس زوجها، وتأخذ هذه الشعرات ليلا إلى القبور وتحرق الشعرات، وتقوم ولثلاث ليال متواصلة بذر الرماد على رأسها، وهناك بين القبور سيظهر شيخ كبير يعلمها طريقة تنقذ فيها أسرتها وزوجها من الزواج بأخرى، تنفذ خجي الخطة وتذهب إلى المقبرة حيث تلتقي بالشيخ الذي يعلمها وصايا ونصائح ليعود زوجها إلى منزله، وأثناء تواجد خجي بين القبور، يقوم قادو صديق برو الذي اشترته أيضا منجي (وهي ثرية عانس كانت تحب برو قبل زواجه) بالنقود بدفع برو إلى الشك بزوجته، ويساعده في ذلك صبي القهوة سعدو حيث يعايرون برو بشرفه ويقولون له إن زوجتك تخونك وإن عليك مراقبتها، لا يصدق برو ما يسمعه إلا أن كل الجالسين المشتركين في المؤامرة المحاكة من قبل منجي يؤكدون له ذلك، يهرع برو إلى البيت فلا يجد زوجته.

مشهد ثنائي

مع مراقبة حجي لزوجته يكتشف أنها تذهب إلى القبور، وهناك من بعيد يسمع همسا كأنه عناق بين رجل وامرأة، فيسرع إلى خجي، ويضربها بشكل عنيف، ويجرها من شعرها إلى البيت أمام الناس، ثم يربطها في المنزل وسط صياح البنات وبكائهن، ويقول إنه سيقتلها ولكن قبل أن يقتلها سيتزوج عليها ليحرق قلبها، يذهب بروالى منجي خاتون لإتمام الزواج، وهنا يبدع المخرج في التنقل بين المشهدين المتواجهين/النقيضين: عرس برو حيث الأهازيج وحلقات الدبكة، ومشهد خجي، وهي تحاول الانتحار بالتمدد على سكة القطار أولاً، ثم عندما تعدل عن هذه الطريقة، تأخذ ابنتها الرضيعة، وتتجه إلى الحمام حيث تصب الكاز على جسدها وتشعل النار فيها وفي ابنتها الرضيعة، بينما زوجها برو مازال يكمل طقوس زفافه من منجي، ولعل هذا المشهد القائم على المقابلة أو التوازي، من أنجح المشاهد في الفيلم، وأقصد ثنائية الفرح والحزن، البداية والنهاية، وقد أحسن المخرج بالفعل خلق مشهد مؤثر تدمع فيه العين.

الثلاثاء, 12 فبراير 2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى