صفحات ثقافية

من ‘صيف يوناني’ إلى ‘ترسلين سكيناً أرسل خنجراً’ إصداره الجديد صالح دياب يتلصص على نفسه ويكتب شعر الحركة

null
ناظم السيد
في ‘ترسلين سكيناً أرسل خنجراً’ يتابع صالح دياب مناخات ‘صيف يوناني’ من ناحية كتابة يوميات شعرية تؤرشف حركة الشاعر ضجراً ومتألماً بين الحانات والشوراع والحدائق العامة ومنازل الصديقات والأصدقاء والقطارات وضفاف الأنهر، مراقباً سفناً محمّلة بالبضائع والأسى، ناظراً إلى طيور وغيوم، متحسّساً الهواء والرياح والمطر، محتكاً بأشجار وجدران، حاملاً على كتفيه امرأة هي الأخرى لديها يوميات جعلها مادة شعرية: ‘عابراً/ صفَّ الأيام الطويل/ كوجوه مودلياني/ أمرُّ بالظهيرة/ حيث الأسف يسطع/ مثل زيتونة’ (‘صيف يوناني’، ص 12)، أو ‘بلا طائل/ منذ الأحد الماضي/ أصرف نظراتي/ على كلس الحائط والأحلام/ أرفع يدي/ ليهتدي الباب والوقت/ إلى الخشب/ عيناي/ تجرّدان العتمة/ بينما القمر/ خلفي/ يولد في النافذة’ (‘صيف يوناني’، ص 89)، أو ‘بوسعي/ أن أتمشى على الكورنيش/ وأتنفس من ذكريات نائية/ كأرملة/ أن أستلقي على الظهيرة/ وأترك وحشتي/ تتأمل الأسماك/ كالأولاد’ (‘صيف يوناني’، ص 94)، أو ‘من الأسفل/ النهار ينظر إلي/ بعيون الغرقى’ (‘صيف يوناني’، ص 54). هذه الشعرية المستمدة من حركة الشاعر اليومية ملمح يتكرر في قصائد صالح دياب سواء كما بدا في ‘صيف يوناني’ أم في ‘ترسلين سكيناً أرسل خنجراً’. هنا أيضاً ثمة رواح ومجيء، مشي متواصل، نظرات بلا انقطاع، نظرات كناية عن صمت، عن إبدال اللسان بالعين. أظن- استطراداً- أن الصمت من علامات المنفى، من دلائل العيش في بلاد بعيدة (فرنسا) حيث الشاعر يذرع أمكنة برفقة نفسه الضجرة: ‘هذا الصباح أيضاً لست متأكداً مني/ ألقي نظرة على عودتي/ المتروكة في السقيفة/ وأصعد إلى المترو/ مزاجي غائم والصمت يغرق/ بكامل حمولته في عيني/ برفقة أفكاري ألفُّ وأدور/ في الشوارع الضيقة لـ ‘سان جرمان دو بريه’/ وأستريح قليلاً عند ‘السين’/ صافناً في السفن النهرية/ تسحب الحسرات الطويلة للعشاق/ تؤلمني الأشجار/ التي تدفن نظراتها/ طيلة الوقت تحت الأوراق/ يؤلمني النهار/ الذي يندفع بمشقة/ كي ينام عند المساء/ … النسيم الخفيف/ الذي يهب الآن/ هو أفكارك الخفيفة،/ زخة المطر/ التي تسقط بلطف عليَّ/ هي يدك التي رفعتها/ قبل أن تختفي في الحشد،/ يدك التي تربّت على كتفي/ على ألف كلب يعودون أدراجهم/ عند المساء خفيضي الأذنين’ (ص 88).
جاسوس الجسد
في قصائد صالح دياب رصد للجسد الذي يستيقظ وينام وينظر ويجوع ويبرد ويأكل ويمشي ويتعب ويمارس الجنس ويشرب الكحول. هذا الرصد المتواصل يضفي على قصيدته حركة لدرجة يمكن أن نسمّي هذا النوع من الشعر بـ ‘شعر الحركة’. إنه شعر ينمو من الحراك، من الانتقال من وضعية إلى أخرى، من تقليب أوجه الجسد (الجسد بوصفه ذاتاً أيضاً وليس مادة فحسب). إن شعرية تناقض السكون، تتأتى من الوضعيات المتعددة التي يبتكرها الجسد ثم يورثها للمخيلة.
هذه الحركة التي لا تهدأ في شعر صالح دياب تكشف جانباً آخر لهذه الشعرية. ثمة توحّد وراء حركات الجسد من مشي وجنس وسكر. ممارسات الشاعر في قصيدته تبدو ممارسات رجل وحيد. رجل يبحث عن رفقة في أشياء غير بشرية كالأكل والشراب وتأمل السفن والتجول في الشوارع والساحات والمتاحف وملاحقة الطيور والأشجار والغيوم: ‘لا أعرف كيف أتصرّف/ أمام الغيمة التي تعبر فوقي/ ولا ماذا أقول للمطر/ الذي سقط فجأة عليَّ/ هذ الصباح/ في الفيرندا، أتأمل المارة/ وأنفخ دخان السيجارة في الهواء/ منصتاً إلى الوقت/ الذي يمر./ إنني هنا، في القطار/ الذي لمحته في نظراتك/ لا أنزل أبداً’ (ص 91).
إذاً، شعر صالح دياب- كما أشرت- يقوم في جزء منه على رصد الحياة اليومية للجسد/ الذات. ثمة توثيق للأفعال والأحاسيس والأفكار. الشاعر هنا يغدو مراقبَ نفسه، جاسوساً على حياته. إنها شعرية التلصص.
لكن التلصص هذه المرة يتحوّل إلى الأنا، إلى الداخل. لا يتلصص الشاعر على الآخرين بل على مشاعره تجاه الآخرين، لا يتلصص على الطبيعة بل على تفاعله مع الطبيعة وعناصرها، لا يتلصص على الشوارع والمقاهي والحانات بل على حركته في هذه الأمكنة ونظرته إليها.
يقوم صالح دياب كل صباح من النوم ليبدأ ‘وظيفة’ المراقبة هذه. إنه يسجّل الشوق والألم، التسكع والخدر، الهجران والنبيذ، الكائنات والجماد، الضجر والحنان. هذه المراقبة تسفر في النهاية عن شعر مضارع. ليس في شعر دياب حنين (بخلاف الشعر المهجري)، ليس فيه ماضٍ، ليس فيه بلاد متروكة أو نساء مهجورات. إنه شعر يقوم على التقاط اللحظة وطريقة التفاعل معها. شعر أعمى من الخلف وأعمى من الأمام، لكنه يبصر جيداً الآن. لهذا تتخذ الأفعال الحاضرة في هذه المجموعة وضعية المحرِّك. هذه الأفعال الموجودة بكثرة على مدار المجموعة تمنح حيوية للنص الشعري من جهة، وطزاجة للحدث من جهة أخرى.
إنها أفعال تقول للقارئ: إنني أحدث في اللحظة التي تقرأني فيها: ‘منذ ساعتين/ أنا وتيريز وباسكال نطبخ الإوز المصبّر/ نتحزر ضاحكين بأسباب تأخر هيلين عند الخبّاز/ من وقت إلى آخر/ أنظر، وراء النافذة، إلى الضباب/ يمشي على غير هدى/ خلف ديك بري’.
منذ مجموعته الأولى ‘قمر يابس يعتني بحياتي’ (‘دار الجديد’، 1998)، يراكم صالح دياب جملة شعرية هادئة، متخففة، أنيقة، تقول مفارقاتها برشاقة وحيادية كأنما تداري ألمها الخاص، كأنما تتجنب الإفصاح عن هذا الألم. جملة تتحاشى الدراما في اللفظ وتثبّتها في المعنى كما أخبرنا ‘صيف يوناني’ (ص 60) من قبل: ‘في زاوية/ في الروح/ عندما يرتجف من البرد/ الغيابُ مع بكرات صوفه البيضاء’.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى