الرئيسية » صفحات الثقافة » صفحات ثقافية » لماذا تصبح الترجمة عائقاً أمام الإبداع ؟

لماذا تصبح الترجمة عائقاً أمام الإبداع ؟

null
رضوان زيادة
لا بد لأي مثقف عربي أن يشعر بالغبطة أمام مشاريع الترجمة التي تزداد تباعاً من اللغات الأجنبية إلى العربية،
ففي الأعوام الثلاثة الماضية فقط انطلقت أربعة مشاريع طموحة للترجمة هي المشروع الرائد للمجلس الأعلى للثقافة في مصر والذي أصبح فيما بعد المركز القومي للترجمة، ثم مشروع المنظمة العربية للترجمة في بيروت، ومشروع مركز البابطين بالتعاون مع دار الساقي في لندن، وأخيراً مشروع الترجمة الذي ترعاه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دبي.
تبدو المشروعات الأربعة طموحة للغاية، فكل منها يرغب في ترجمة ما يزيد عن ألف كتاب من اللغات الأجنبية إلى العربية، ومستوى الترجمة عموماً جيد مع تفاوتٍ بالطبع، ومستوى العناية بالتدقيق والتحرير جيد أيضاً بما يمكن القول أنها بداية مشروع ترجمة للثقافة العربية متكامل .
وعلى الرغم من أن التنسيق بين هذه المشاريع ليس على مستوى من التكامل المطلوب، ولا يحمل أي مشروع طابعاً تخصصياً بحد ذاته، إلا أنه من الضرورة بمكان تشكيل هيئة تنسيق مشتركة بين هذه المشاريع بما يمنعها من تكرار ترجمة العناوين ذاتها. ودفعها قدماً باتجاه الترجمة التخصصية.
ويزيد الأمر تفاؤلاً مع ملاحظة العدد الكبير من الجوائز التي ترصد للمترجمين في كل الحقول والتخصصات، إنها جوائز تبلغ قيمتها مبالغ ذات قيمة مادية عالية ومشجعة بكل تأكيد لعمل المترجم، لكن، ما أود الوقوف عنده هنا هو ليس التقليل من كل هذه المبادرات وإنما وضعها في سياقها النهضوي الصحيح؟.
لقد جاءت معظم هذه المبادرات كنتيجة ورد فعل تقريباً على تقرير التنمية الإنسانية الأول، الذي اعتبر أن ما ترجمه العرب من اللغات الأجنبية لم يتعد ما ترجمته إسبانيا خلال سنة واحدة، وبالرغم من أن الإحصائية لم تكن صحيحة على الإطلاق، ولم يجر التدقيق فيها أو في غيرها من الأرقام الواردة في التقرير إلا أنها كانت محفزاً للكثير من المؤسسات الثقافية لإيلاء قطاع الترجمة اهتماماً مضاعفاً ومباشراً.
والحال، أن هذا الاهتمام لاقى هوىً عند الكثير من المراكز والمؤسسات العربية للكثير من الأسباب أهمها سهولة قياس الأثر بعدد الكتب المترجمة، ولذلك نفهم كيف أن أكثر من مركز أعلن عن ما يسمى مشروع ترجمة الألف كتاب، وهو ما يعني تحقيق 100% من أهداف المشروع، وثانياً لسهولة المهمة فالترجمة لا تعترضها عراقيل سياسية أو معرفية وإنما عراقيل اقتصادية ومع توفر الفائض المالي الكبير يمكن تجاوز ذلك، أما عائق القدرات البشرية الضرورية فقد تم تجاوزه بالتأكيد بالاستناد إلى العدد الكبير من خريجي الجامعات الغربية الذي يزداد تباعاً يوماً بعد يوم.
وبالتالي تكون الترجمة هنا محاولة لرد فعل على التدهور الثقافي والمعرفي في العالم العربي عبر مبادرة تقوم على ترجمة أكبر عدد ممكن من المعارف الغربية ونقلها إلى الثقافة العربية.
إنَّ ذلك يُعدُّ عملاً نبيلاً بكل تأكيد، والترجمة تاريخياً لعبت دوراً أساسياً في توسيع المعارف وإطلاق الطاقات المبدعة وبالتالي القيام بالنهضة الحضارية، لكن الترجمة أيضاً قد تقوم بفعل عكسي واضح ومباشر، للأسف لم يلحظه الكثير ولم يكتب عنه أبداً، هو إخماد الطاقة الإبداعية للنخبة وتفريغها عبر تفرغها للترجمة وهو ما يشلُّ بل ويقضي على مقوِّمات النهضة بذاتها.
إن المترجم، وهو لدينا في العالم العربي من أفضل طاقاتنا الفكرية والعلمية المؤهلة جامعياً ومعرفياً، سيصرف كل وقته في الطريقة الأفضل والأنسب لعرض أفكار الغير علينا، سيحوِّل كل طاقاته وقدراته للبحث في الطريقة الأكثر ملاءمة لترجمة أفكار وأطروحات الآخرين إلينا.
إنه بشكلٍ ما، تحفيز لقدراته في النقل ولكنه من جهة أخرى إخمادٌ وقتل لقدراته في الإبداع المعرفي والتفكير، وإذا حسبنا عدد المترجمين المتفرغين لدينا والذين يصرفون جلَّ أوقاتهم للقيام بهذا العمل ضمن هذه المؤسسات العربية الضخمة وأضفنا لهم عدداً آخر من الذين يشتغلون بشكل فردي أو بالتعاون مع دور النشر الخاصة التي باتت تعتمد في منشوراتها على الترجمة فقط، لتخيِّلنا كم أن النخبة العربية الآن تجيّش طاقاتها للترجمة كفعلٍ إبداعي وتنسى الإبداع الحقيقي الذي يتطلب مجهوداً أصعب وهو الكتابة والتأليف وخلق الأفكار والمشروعات والمبادرات.
بالتأكيد ينسحب ذلك على ترجمة أفكار البرامج التلفزيونية ونقلها، وتعريب الموسيقا الغربية عبر أصوات عربية، إنها استسهال حقيقي للإنتاج عبر عدم محاولة التحدي الحقيقي لمقاربة الإبداع ألا وهو الابتكار الأصلي والفريد.
لننظر إلى ما تقوم به الجامعات والمراكز الغربية، وأنا واعٍ تماماً لصعوبة المقارنة بين حضارة تعيش في طور الإنتاج وفي ذروة قوتها الحضارية، وبين حضارة أخرى ما زالت تتلمس طريقها النهضوي بصعوبة، لكن المقارنة تكشف لنا مكامن القوة الإبداعية في هذه الحضارة وفقدانها التام لدينا.
في الواقع، عدد الكتب التي تترجم في الجامعات والمراكز الغربية لا يتعدى سنوياً عدد أصابع اليد الواحدة، وإن الكتب المترجمة لا تترجم بالتأكيد لدفع عجلة النهضة لديهم أو مدهم بالمعرفة الناقصة وإنما من باب معرفة ما يفكر به الآخرون، وغالباً ما تكون هذه الترجمة كمصادر أساسية لباحثيهم للاستخدام الخاص لديهم وتوظيفها ضمن كتبهم وبحوثهم ودراساتهم الخاصة وليس عبر نشرها في كتب وبيعها في المكتبات وعرضها في دور النشر.
إنهم عندما يرغبون القيام بدراسة متخصصة في أحد الجوانب لدى إحدى الثقافات أو الحضارات المختلفة فإنهم يكلفون باحثاً منهم بدراسة ذلك البلد ويدفعون له من أجل إتقان لغته ويدفعون له من أجل أن يقوم بزيارته للبلد ثم يموِّلون مشروع كتابه أو بحثه أو حتى مجرد تحقيقه الصحفي كاملاً، ومن ثم يقومون بنشره على أنه جزء من مشاريعهم وبرامجهم، ولو أرادوا الاستسهال لقاموا بترجمة ما يكتبه هؤلاء إلى لغتهم وكفى الله المؤمنين القتال.
لكنهم يدركون أن حاجتهم للمعرفة تتطلبها رغبة أوسع وأعمق في دراسة المجتمع ككل عبر باحثين متخصصين، وهم لذلك يطورون قدرات باحثيهم الخاصة وبنفس الوقت ومع الزمن أصبحوا يمتلكون باحثيهم الخاصين المتخصصين والمبدعين في هذا الحقل وسيلجؤون إليهم باستمرار لتخصصهم ومعرفتهم العميقة.
كل ذلك تم عبر ما يسمى نظام المنح سواء الدراسية منها أم المتخصصة في مراكز الدراسات Think Tank))، وهو ما تفتقده جامعاتنا ومراكزنا بكل أسف ، لأنه الأمر الأصعب عبر بناء قدرات خاصة للباحثين لديك وتزويدهم بالمعرفة وتمكنهم من اللغة الخاصة وبنفس الوقت تمويلهم للتفرغ الضروري لإكمال دراستهم أو كتابهم أو بحثهم .
ولذلك لجأنا إلى الطريق الأسهل عبر ترجمة ما يكتبه الآخرون، لنعرف كيف طور الآخرون حضارتهم ونهضتهم، ولم نفكر في إرسال باحثينا إلى جامعاتهم ليكتبوا كتباً أو دراساتٍ عنهم وليس أن يحصلوا فقط على رسائل جامعية من تلك الجامعات.
لذلك أدعو أن يجري تخصيص الاهتمام المادي والمعنوي الأكبر ليس بالترجمة وإنما بتأسيس نظام المنح المتخصصة في كتابة الكتب والتأليف، فمثلاً أن تقوم المؤسسات العربية المتخصصة بالترجمة بتحويل قسم من أموالها للإعلان عن منح تمنح لمشاريع يتقدم بها الباحثون لكتابة كتب أو بحوث بعينها وهي تمول زياراتهم ورحلاتهم وفي النهاية طباعة كتبهم .
ولذلك بدلاً من أن نترجم ما كتبه الآخرون على سبيل المثال عن الصين نوفد أحد باحثينا المقتدرين والمتمكنين إلى هناك ليقوم بالكتابة والبحث عمَّا نرغب في معرفته هناك.
إننا بذلك نعزز قدرات باحثينا وإمكانياتهم بدل أن نشل قدراتهم ونحصرها في الترجمة التي ستُبقينا عالة على ما يكتبه الآخرون، وتمنعنا من بناء قدراتنا المعرفية الخاصة.
د.رضوان زيادة : باحث في معهد الولايات المتحدة للسلام USIP – واشنطن
( كلنا شركاء ) بالتعاون مع مجلة الحال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.