ثورة تونسصفحات العالم

آفاق الحراك الاجتماعي

سميح صعب
أكثر من تساؤل يطرح نفسه في الوقت الذي يستمر فيه الحراك الاجتماعي في تونس وبعض الدول العربية الاخرى. من يقف وراء تحريك الشارع؟ هل هذا التحرك هو مجرد حركة عفوية احتجاجاً على وضع اجتماعي ومعيشي لم يعد محتملا؟ ام انه مجرد واجهة لقوى اخرى ركبت موجة الاستياء من الاوضاع الاقتصادية كي تعمل على زعزعة النظام في تونس وفي الجزائر او الاردن، باعتبار ان هذه هي الدول التي يتحرك فيها الشارع الان بدرجات متفاوتة؟
والدافع الى هذه التساؤلات، هو الخوف من ان يكون بديل الانظمة في هذه البلدان هو قيام انظمة اصولية ستكون ملاذاً لـ”القاعدة” واحزاب اخرى تنحو منحى التشدد.
وربما يكون هذا الخوف هو وراء الدافع غير المتحمس في الغرب لتشجيع التغيير في الدول العربية. فالموقفان الاميركي والاوروبي على ما يجري في تونس يتسمان بالحذر. وما المواقف التي اطلقتها وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون في “منتدى المستقبل” في الدوحة قبل يومين سوى تكرار لمواقف سابقة تدعو الدول العربية الى اعتماد اصلاحات اقتصادية وسياسية للحؤول دون انزلاق الشارع العربي نحو التطرف كرد فعل على الاوضاع المعيشية المتردية وعلى كبت الحريات.
لم تصل كلينتون الى تحديد حالة خاصة، ولم تذكر تونس بالاسم او اي بلد عربي آخر في وقت تقيم بلادها افضل العلاقات مع الانظمة العربية التي تهتز الآن من رام الله الى تونس مرورا بالاردن واليمن والجزائر.
وهنا تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج على حمام الدم في تونس من دون أن تعمل على ممارسة ضغط حقيقي على الرئيس زين العابدين بن علي كي يقدم على اجراء اصلاحات حقيقية يمكن ان تهدئ غضب الشارع، قبل حصول الهروب الدراماتيكي له من البلاد. وما يصح على بن علي الذي كان يخطط لرئاسة مدى الحياة، يصح ايضا على الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الذي يعدل الدستور الان كي يبقى رئيسا مدى الحياة.
وفي حالتي بن علي وعلي صالح تجد واشنطن نفسها مرتبكة، ولا سيما في صنعاء حيث افضت سياسات الرئيس اليمني الى يأس دفع الشباب اليمني لقبول افكار “القاعدة” فضلا عن دفع الجنوبيين الى التفكير مجددا بالانفصال.
وتتحمل واشنطن المسؤولية الأكبر عن اوضاع التردي لحال الشعوب في الدول العربية وفي غيرها بسبب انحيازها الى الانظمة التي أنتجت بدورها شارعا يتجه نحو الاصولية تعبيرا عن اليأس من التغيير والاصلاح.
والى ان ينجلي ما ستستقر عليه الامور بفعل الحراك الاجتماعي المتسارع في تونس، كان يجدر ببن علي الاقدام قبل إفلات الزمام منه ومن حكومته الان على خطوات من شأنها نزع فتيل التوتر الاجتماعي، وحرمان الاحزاب الاصولية من ورقة رابحة في يدها.
اما الولايات المتحدة فلا تزال تربط بين دعمها للتغيير، بنشوء بدائل موالية لها، وليس بنشوء انظمة تتمتع بأي نوع من الاستقلالية. وفي احيان كثيرة تنكرت الولايات المتحدة نفسها لمبادئ الديموقراطية التي تتحدث عنها اليوم، ومنذ أحداث أيلول 2001 حتى احتلالها العراق، عندما فرضت الحصار على “حماس” بعد فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006. وهي نفسها التي لم تتمكن من اقناع الرئيس المصري حسني مبارك من افساح المجال امام المعارضة لاكتساب تمثيل حقيقي في مجلس الشعب المصري.
كما ان نظرية فرض الديموقراطية بالقوة كما جرى في العراق ثبت فشلها بعد كل هذه الدماء التي سالت بسببها وكل الصراعات الاهلية التي فجرتها.
لذلك يبدو المطلوب حلا وسطا يعيد للشعوب بعضا من الامل في الوصول الى مستقبل افضل، ليس من طريق فرض الديموقراطية بالقوة، وأي ديموقراطية،  وليس من خلال منع الشعوب نهائيا من الوصول ولو تدريجيا الى وضع تستطيع ان تتمتع فيه بعيش كريم وحياة حرة.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى