الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات العالم » الآخرون يتقدمون.. لماذا يتراجع العرب؟

الآخرون يتقدمون.. لماذا يتراجع العرب؟

فايز سارة
انتهى العقد الاول من القرن الحادي والعشرين، وقد سجلت نهايته تغييرات مهمة لدول طالت بناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل ان بعض الدول سجلت قفزات هائلة في العقد الأخير من السنوات،نقلتها من مكانة الى اخرى، وبين هذه الدول دول اسلامية، تتقارب في بناها الثقافية والحضارية من البنى القائمة في بلداننا العربية التي هي اسلامية ايضاً، وبين البلدان التي حققت تقدماً كبيراً بلدان تقع في ذات الحيز الجيوسياسي الذي يضم اغلبية الدول العربية، كما ان بين الدول من هو مصنف في عداد الدول النامية، كما يجري وصف الدول العربية.
ان دولة مثل تركيا جارة العرب، انتقلت في السنوات العشرالاخيرة، خارج الترتيب السياسي والاقتصادي الذي اعتادت الاستقرار فيه طوال عقود ماضية، وكان من ثمرة الانتقال، ان صارت تركيا من انشط دول المنطقة في التعامل والتأثير، وصارت قوة مبادرة في معالجة ملف ايران النووي الذي يشكل اليوم واحداً من القضايا التي تشغل بال العالم في شرقه وغربه، والاهم فيما حققته تركيا في داخلها، هو معالجة ازمتها السياسية التي كانت مستعصية من خلال خلق اطر ونخبة سياسية جديدة، غيرت قواعد الحياة السياسية، وتجاوزت النخبة السياسية التقليدية وتنظيماتها بكل فشلها وفسادها، وخضوعها لمثل وقيم، ثبت انها لم تنتشل تركيا من تردياتها، ولم تدفعها على طريق النمو التحرر، كما كان من ثمار النجاح التركي، ان احتل هذا البلد المكانة الثامنة في معدل النمو في العالم.
وتمثل ايران المجاورة للعراق والمطلة على الخليج العربي من شماله، نموذجاً آخر للتقدم، رغم ما يحيط بالداخل الايراني من صراعات بين المحافظين الحاكمين والاصلاحيين المعارضين، وداخل تيار المحافظين من مشاكل. ورغم العديد من الازمات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، فقد حقق هذا البلد تقدماً مختلفاً عن التقدم التركي، اذ يدير نظامه صراعاً سياسياً مع الولايات المتحدة والدول الغربية حول مستقبل الشرق الاوسط ومنطقة الخليج، وهو يسعى لان يكون بين القوى المقررة في المنطقة، وقد سعى لدعم توجهاته السياسية في السنوات الاخيرة بزيادة حضوره في قضايا المنطقة ومنها الوضع في العراق وفلسطين ولبنان، وعمل من اجل تحقيق انجازات علمية وتقنية عاليه المستوى، تدعم توجهاته السياسية، كان الابرز فيها انتقال ايران لتصير دولة نووية، بالتزامن مع انتقالها لتصير بين الدول المهمة في الصناعات العسكرية وخاصة لجهة انتاج اسلحة ومعدات، منها صواريخ وطائرات استطلاع ورصد، وهو الى جانب ما تقدّم يسعى الى تطوير بناه الاقتصادية رغم العقوبات الشديدة، التي يتعرض لها بسبب مشروعه النووي.
وبعيداً عن الجوار العربي، فإن معظم بلدان شرق وجنوب آسيا، حققت في العقدين الاخيرين تقدماً ملحوظاً في المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، نقلتها خارج المرتبة التي احتلتها في الربع الاخير من القرن العشرين، وهو امر ينطبق على دول مثل كوريا الجنوبية وشقيقتها ذات النظام الشمولي في الشمال، وكذلك الامر بالنسبة لدول منها فيتنام، واندونسيا وماليزيا، وجميعها دول دخلت أفق تطور علمي وتكنولوجي كبير، وضع هذه البلدان على قاعدة انتقال الى مستقبلات بديلة، تجعلها شريكاً حاضراً وفاعلاً في التقدم الانساني المقبل.
وثمة تقدم في أميركا اللاتينية، التي تواصل فيها حراك ملحوظ، أدى الى حدوث تبدلات نوعية في المنطقة، التي تضم قدرات مادية كبيرة. بين مؤشراتها حيازتها 15 في المئة من مخزون النفط العالمي، وتوفر كمية كبيرة من الثروات المعدنية اضافة الى امتلاكها حوالى 30 في المئة من المـياه في الـعالم ومعها ربع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. وكان من ثمار التقدم الاميركي اللاتيني خطوات سياسية واقتصادية واجتماعية، تعكس استعادة القارة لعافيتها الاقتصادية بعد الأزمة العالمية، بمؤشر نمو قاري يبلغ 5 في المئة، بعدما أن حققت بين عامي 2003 و2008 أعلى نسبة من النمو منذ ستينيات القرن الماضي، وشهدت القارة في السنوات الاخيرة حراكاً سياسياً باتجاه اعادة رسم علاقات دول القارة مع المحيط الدولي ولا سيما مع الولايات المتحدة جارتها في الشمال. وامر كهذا ينطبق على بلدان مثل البرازيل، التي شهدت استقراراً سياسياً، جرى دعمه بمعدّل نمو بلغ نسبة 7.5 في المئة، كان من نتائجه خروج 30 في المئة من مجموع عدد السكان البالغ 198 مليوناً من حالة الفقر، وأدى الاستقرار السياسي في الأوروغواي خلال العقد الماضي لتحقيق نمو سنوي، بلغت نسبته 7 في المئة، وتم تخفيض البطالة، التي كانت تجتاح البلاد إلى 6 في المئة، وهذه مجرد ملامح تقدم ليس الا.
وحيال التقدم الذي حققته شعوب ودول، يظهر التراجع العربي جلياً واضحاً في نتائج العقد الأخير رغم الإمكانات المادية والمالية والبشرية العربية الكبيرة. ففي المعطيات العربية، ثمة انكفاء في الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومشاكل في المستويين الرسمي والشعبي، وقد تمّ إجهاض المحاولات الجنينية للحراك الذي شهدته بعض البلدان العربية نحو الإصلاح اواسط العقد المنصرم بعد ان قامت السلطات بمواجهة تلك المحاولات بقمع الحراك المدني سجناً للناشطين ومنعاً للسفر وملاحقة وتشهير وتنكيل، واتبعت ذلك بالتراجع عن دعوات الاصلاح، ثم سجلت تراجعاً في مسار التجارب البرلمانية بالعودة الى سيطرة رجالات السلطة على البرلمانات، وجرى تشديد القبضة على الإعلام والحريات، وتصاعد الحديث عن التمديد والتوريث في الانظمة الجمهورية أكثر من أي وقت مضى.
وتجاوز التراجع الجوانب السابقة الى السياسة الخارجية، بحيث تراجع مستوى أداء الدبلوماسية العربية الى ادنى مستوياتها، وصار من الصعب معالجة اية مشكلة عربية دون تدخلات اقليمية ودولية، وينطبق الأمر في هذا المجال على الاوضاع في العراق ولبنان وفلسطين، في وقت سجلت ازمات عميقة في العديد من البلدان العربية على نحو ما هو عليه الوضع في السودان السائر نحو انفصال جنوبه عن شماله، وهو المصير الذي يسير اليه اليمن، فيما تستحكم ازمة عميقة في لبنان بين طرفين يقتسمان الشارع اللبناني، ويتابع المسلسل الارهابي تفاعلاته في العراق وصولاً الى مصر، وشهدت تونس والجزائر انفجاراً اجتماعياً كبيراً، وكله يتواصل وسط عجز عربي رسمي عام عن المعالجة.
ولا يقتصر التراجع العربي على الجانب السياسي، بل يتواصل في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وهناك انهيارات اقتصادية في معظم البلدان التي لا تعتمد بصورة أساسية على عائد النفط والغاز، ومعظم الزراعة العربية شهدت تراجعات في محصولاتها الرئيسية كحالة القطن في مصر وسوريا، وحالة القمح السوري والارز المصري، والتمور العراقية والخضار والفواكه في لبنان والاردن، ومحاصيل السودان واليمن، كما حدثت تراجعات كبيرة في الصناعات القائمة ومنها صناعة المنسوجات، والصناعات الغذائية والتحويلية بسبب غزو بضائع الاغراق المستوردة ولا سيما تلك المقبلة من تركيا والصين وبلدان الشرق الآسيوي وغيرها، وبطبيعة الحال، فقد ادى التراجع الاقتصادي الى بروز مشاكل منها البطالة الى وصلت في بعض البلدان العربية الى خمس وستين بالمئة، ووصل الفقر الى نحو خمسين في المئة في العديد من البلدان العربية، وصارت الهجرة مطلباً وهماً لأغلبية الشباب العربي.
وتطرح الوقائع المتناقضة بين تقدم الآخرين وتراجع العرب السؤال عن الاسباب التي ادت الى تناقض المسارات والنتائج، والتي لا شك في أن الاساسي فيها، تمثله سياسات الانظمة وضعف نخبها السياسية والاقتصادية، وافتقادها برامج وخططاً، بل افتقادها للارادة السياسية في ان تكون حاضرة وفاعلة خارج اطار السعي للمحافظة على وجودها في السلطة فقط.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.