بدر الدين شننصفحات سورية

في فكر وسياسة المعارضة

null
بدر الدين شنن
-1-
تمهيــد :
من حق الكثيرين أن يكون لهم تحفظات .. وأكثر من تحفظات ، حول عدد من مضامين وممارسات المعارضة . لكن ذلك لايمنع ، بل ربما يستدعي ، اعتبار أن تجربة المعارضة في مختلف مراحلها ، تستحق أن تقرأ من جديد ، وأن يجري البحث في خلفياتها ، التي لعبت دوراً كبيراً في المآلات التي وصلت إليها ، إن فيما يتعلق بالخلفيات الاجتماعيية السياسية لمكوناتها ، أو في العلاقة مابين الفكر والسياسة في بنائها ، أو في ممارساتها فيما سمي ( داخل – خارج ) إبان حراكها . الأمر الذي يتطلب عند قراءتها ، عدم الاكتفاء بالسرد ” التارخي ” لنشأتها وسيرورتها .. التي امتدت على مدى عمر النظام ، من 8 آذار 1963 إلى الآن ، بل الدخول إلى أعماق هذه التجربة ، التي باتت بأمس الحاجة إلى إضاءتها ، للتمكن من الإجابة على سؤال المآلات البائسة ، ولفتح آفاق تغيير يضع حداً أبدياً للاستبداد والقهر والفقر ، ويوفر مقومات بناء نظام بديل مغاير ديمقراطي عادل يعمل لصالح المجتمع بعامة والطبقات الشعبية بخاصة . بمعنى ، بناء معارضة جديدة لها برنامجها الوطني الديمقراطي الاجتماعي العادل .. ولها جماهيرها الواسعة .. ولهـا المستقبل .
وما نقصده بالفكر هنا ، ليس هو أيديولوجيا تقولب الأشياء حسب معايير جامدة ، بل هو الفكر الإنساني العلمي المتجدد مع مستجدات احتياجات الحياة وإ شراقاتها الحضارية ، الذي يحدد الاتجاه الأكثر عدالة وإنسانية وعلمانية للحراك المعارض ، ويوفر مقومات الإمساك بالخيارات الأكثر بعداً عن كافة أشكال الاستبداد والاستغلال والقمع ، سواء السلطوية أو الاقتصادية أو المحددات الدينية المفوتة ، وهو توثيق علاقة ما نفكر به علمياً من خيارات بالسياسة الواجب اتباعها بقناعة ديمقراطية ، إن في حالة المعارضة الآن .. أو عند بناء النظام البديل غداً .. الذي نخطط له .. ونحلم به ..
بإيجاز شديد ، إن تجديد الكلام بالعمق حول المعارضة ، والبحث عن معارضة شعبية جديدة ، تسترشد بقوانين تطور المجتمع العلمية فكراً وسياسة وممارسة ، وتستنهض قوى الشعب الخلاقة على خلفية الالتزام الشفاف بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، ليس ثرثة عبثية ، وإنما لما يشكله حضور معارضة وطنية ديمقراطية علمانية مطابقة لضرورة وا ستحقاقات اجتماعية سياسية ، من أهمية ، لإنقاذ البلاد من الحالة اللاعقلانية التي نكابد منها منذ نحو نصف قرن ، والتي تزداد تردياً ، في المجال الاقتصادي والمعيشي ، نحو الأسوأ ، وخاصة بعد أن أكدت تجربة المعارضة التقليدية ذاتها ، أنه ، ليس بالعرائض والتصريحات العالية النبرة ، والجولات الاعلامية والسياسية في الخارج ، وليس بعقد المؤتمرات والتحالفات النخبوية ، التي تعتمد على ” أهواء ونزعات أهلية ونزوات وشائجية بديلاً للنضال الطبقي ” ، وليس بطرح ديمقراطية وبيانات توافقية غيرمشروطة بمضامين وطنية واجتماعية ، وليس بإقامة الصلات الحقوقية الدولية وغيرها والرهان على دور وازن للخارج ، وعلى أحداث إقليمية لتعديل موازين الداخل لصالح المعارضة ، ليس بكل ذلك ا ستطاعت .. أو تستطيع معارضة في صراعها مع نظام شمولي ، مبني على قاعدة دستورية تكرس تفرده بالسلطة ، ويمتلك القوة العسكرية والأمنية المدعمة بحالة الطواريء والأحكام العرفية ، ويحتكر آليات السياسة والتعليم والثقافة والاعلام وكافة الهيئات التمثيلية ، ويقبض على أهم مستويات الاقتصاد ، ويصنع بدأب التشكيل الطبقي الاجتماعي الموائم لتوجهاته لخلق قاعدته الاجتماعية – السياسية المرتبطة به وباستدامته ، وبحوزته فوق ذلك ، إقليمياً ومحلياً ، مايساوم عليه ، ويغري به ، قوى الخارج ، ويبرهن به ، على أنه الطرف المطلق الصلاحية الضامن لمصالح هذه القوى ، ا ستطاعت .. أو تستطيع أن تحقق فوزاً على النظام المعارضة له ، وأن تحقق ما تطرحه من شعارات وأهداف .
وبناء على توافق التزامن مع التمايز ، الذي حدث موضوعياً ، إبان حراك المعارضة ، يمكن تقسيم ما نحن بصدده إلى أربع مراحل . ثلاث منها مرت في القرن الماضي وهي :
1 – مرحلة الستينات ( 1963 – 1970 )
2 – مرحلة السبعينات ( 1970 – 1980 )
3 – مرحلة الثمانينات والتسعينات ( 19980 – 2001 )
والمرحلة الرابعة مرت وماتزال تمر في القرن الحالي ( 2001 – إلى الآن )
مرحلة الستينات ( 1963 – 1970 )
———————–
في الشكل جاء انقلاب 8 آذار 1963 لإسقاط عهد ” انفصال ” سوريا عن مصر ، وإعادة الوحدة القومية بين البلدين . وفي المضمون جاء الانقلاب بشعارات ” الوحدة والحرية والاشتراكية ” ، تعبيراً عن ا ستمرارية التحولات الاجتماعية التي بدأت في عهد الوحدة مع مصر ، وتعبيراً عن ” طموحات ” العهد الجديد الاجتماعية السياسية . وإذا تجاوزنا ما يتعلق بالإجراءات الفاشلة أو التي أفشلت عودة الوحدة مع مصر ، فإن المضمون ” الاجتماعي الطبقي ” الذي عبرت عنه شعارات الانقلاب ، قد أحدث ارتباكاً سياسياً وأيديولوجياً لدى القوى السياسية عامة في البلاد ، لاسيما وأن صراعاً دموياً بين شركاء الانقلاب البعثيين والناصريين قد وتر الأجواء الأمنية وأثار الترقب الملتبس ، وأن نزعة العداء .. أو الحساسية الكيدية التاريخية بين البعثيين والشيوعيين ، وبعض الملاحقات الأمنية للشيوعيين ، أدت إلى تخوف الشيوعيين من العهد الجديد ، وإلى نزول الكثير من كوادر الحزب تحت الأرض .
على أنه بعد أن هدأت التوترات الرئيسية ، وا ستقر الأمر إلى حد كبير للعهد الجديد ، بدأت معطيات جديدة تبرز في المشهد السياسي . أهمها تبلور طرفي المشهد السياسي ونشوء معادلة ( نظام / معارضة ) .
ضمن طرف المعارضة ، كان هناك تيارات متعددة تحمل خلفيات متناقضة . كان الناصريون المبعدون عن السلطة الذين يحملون نفس شعارات النظام القومية والاشتراكية ، وخلافهم معه يدور فقط حول عودة الوحدة مع مصر . وكان أيضاً القوى الاسلامية ، التي رأت ، منذ تموز 1960، في قرارات عبد الناصر ” الاشتراكية ” خروجاً على الشريعة الاسلامية ، ورفضت حكم البعث الجديد لحيث أنه حزب ” اشتراكي ” علماني ، ولحيث أنه يؤسس لحكم ديكتاتوري . وكان أيضاً البرجوازية السورية ، التي أ سقط النظام الجديد عهدها المسمى ب ” الانفصال ” ، وهدد بإجراءاته المعلنة بقطع طريق سيطرتها على السوق والاقتصاد وقيادة الدولة .
أما الشيوعيون فقد أنهوا معارضتهم بعدما تم تعيين عضو من الحزب الشيوعي ( نجاح ساعاتي ) عضواً في المجلس الوطني ، وأنهوا مخاوفهم .. وما لبثوا بعد ( 23 شباط 1966 ) أن دخلوا في تحالف رمزي بوزير ( سميح عطية ) في الحكومة .
الملاحظ في مكونات المعارضة في الستينات من القرن الماضي ، أن ” الأخوان المسلمين ” هم وحدهم الذين كان لهم خلفية فكرية معارضة للنظام ، تتمحور حول الإجراءات ” الاشتراكية ، التي يعلن النظام على السيرقدماً بها ، والتي تمثلت في حينه بمواصلة التأميم للشركات والملكيات الزراعية الكبيرة والنفط ، وتوسيع القطاع العام الانتاجي والخدمي . بينما الناصريون يفتقدون لأي خلفية فكرية في معارضتهم للنظام ، وذلك كما أ سلفنا لتبنيهم نفس الشعارات والمضامين الاجتماعية التي يعلنها النظام ، وهذا ما شكل الخلفية الأساس لإلتحاقهم بالنظام في بداية السبعينات . وإذا ما دققنا في طروحات المعارضة البرجوازية فإننا لانجد شيئاً يتصل بالفكر ، سوى اعتبار النظام البرجوازي السابق ، هو ما يجب ان يعود إلى البلا د . وعند احتدام الصراعات الداخلية ، تلطت البرجوازية خلف ” الأخوان المسلمين وبعض الرموز الدينية ، التي أ شهرت عداءها للنظام ، وأهمها حركة الشيخ ” مروان حديد ” المسلحة بحماة عام 1964 ، ، الذي له علاقات وطيدة مع ” الأخوان المسلمين ” وحركة الشيخ ” حبنكة ” الاحتجاجية بدمشق عام 1968 . ولما وجدت ” البرجوازية ” ما يحقق مصالحها من خلال نظام جديد ، شاهدنا كيف رحبت واندمجت بسهولة انسيابية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد .. ورفعت لافتات في الأسواق الكبيرة والساحات كتبت عليها ” ياحافظ احفظ حافظ ”
مامفاده ، أن الصراع بين النظام والمعارضة ، كان يحمل مضامين متباينة متناقضة ، وذلك حسب الأهداف الاجتماعية – السياسية لهذا الفريق المعارض أو ذاك . فمن جهة الناصريين ومن ثم البعثيين ” القوميين ” الذين انقلب عليهم ” الشباطيون 1966 ” ، كان همهم المعارض قومياً ، لم يبرز عندهم أي عمل معارض للإجراءت الاجتماعية الجارية في العهد الشباطي ( 1966 – 1970 ) ، بل كان همهم كما أسلفنا عودة الوحدة مع مصر أو بناء وحدة مع العراق ، وكلا البلدين تحدث فيهما نفس الإجراءات الاجتماعية تقريباً .، أما من جهة البرجوازية و” الأخوان المسلمين ” ، فإن معارضتهم للنظام تحمل مضموناً طبقياً اجتماعياً وإن لم يكن ذلك ظاهراً بصيغة مباشرة دائماً . على أن تشديد العداء من قبل مختلف قوى المعارضة آنذاك لإسقاط النظام ، الذي كان يقود مرحلة تحولات اجتماعية ” تقدمية ” ، وإن شابتها اللاديمقراطية في العلاقة مع الآخر ، يحمل مضموناً طبقياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى .
وفي هذا السياق يأتي عدوان إسرائيل على سوريا في الخا مس من حزيران 1967 ، ليضيف عاملاً خطيراً في العملية الاجتماعية السياسية في البلاد . فعدوان حزيران 1967 ، لم يكن عدواناً صهيونياً توسعياً وحسب ، وإنما كان أيضاً لوقف نمو عوامل القوة في الدولة في كل من سوريا ومصر ، التي تتمثل في بناء قطاع اقتصادي تقوده الدولة ، وتسليح الجيش المتزايد بأ سلحة سوفييتية ، وانتهاج سياسة معادية للإمبريالية وشركاتها الاحتكارية العالمية ، وبناء المجتمع من خلال تحولات سياسية وعقيدية ذات معايير متزامنة مع ما يشابهها من تحولات عربية أخرى لاسيما في مصر ، تؤدي إلى قيام مشروع عربي يهدد جدياً المشروع الصهيوني في فلسطين .
ومن قال في حينه ، أن عدوان حزيران على سوريا كان يستهدف النظام ” التقدمي ” فيها قبل الأرض ، لم يكن بعيداً عن الصواب . فالتداعيات الداخلية التي تلت عدوان حزيران ، قد أكدت على ذلك . أولى هذه التداعيات هي انقسام الجيش والحزب ومراكز القوى المقررة في البلاد . وبدء هجوم يميني مكشوف على القطاع العام وعلى السلاح السوفييتي . وحدث الاشتباك السياسي داخل النظام ، بين تيار يدعو للقبول بقرار مجلس الأمن الدولي ( 242 / 1967 ) لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي ، وتيار يرفض القرار المذكور ويدو للكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية . ومنذ بدايات هذا الاشتباك لتحديد الخيارات الاستراتيجية المصيرية ، كان مستبطناً لدى تيار ” إزالة آثار العدوان عبر القرار ( 242 ) ، الموقف العدائي من القطاع العام وكافة برامج التحولات الاجتماعية . وهذا ما سنجده يتجسد في مرحلة السبعينات على أرض الواقع لما تمكن هذا التيار من الاستحواذ على السلطة . وهذا ما أ سس لبروز فكر آخر في قيادة الحزب الحاكم ، وفي قيادة الدولة ، ولدى الحلفاء الذين انضووا تحت قيادة ” الجبهة الوطنية التقدمية ” لاحقاً أيضاً .
ومن أسف القول ، أن إسرائيل دخلت كلاعب هام في المتغيرات الاجتماعية في البلاد . فهي لم تؤثر في هذا الصدد ، من خلال الضغط لتوفير إنفاق عسكري هو فوق طاقة اقتصاد البلاد ويتجاوز مدى مساعدة الأصدقاء على حساب الإنفاق التنموي وحسب ، وإنما من خلال الضفط لترجيح فريق ضد آخر في الجيش والحزب والدولة .. ولترجيح تحولات اجتماعية مغايرة .
من أكبر نواقص النظام القاتلة السائد آنذاك ، هي ، قصوره الفكري ، الذي عجز عن الإحاطة بمقومات نظام ” ثوري ” جديد الذي كان يعلن بلسان رموزه وقادته عن عزمه على بنائه ، الأمر الذي كان يتطلب إشاعة الديمقراطية وإقامة تحالف وثيق مع كافة القوى التي تحمل طموحات مماثلة لما تضمنه برنامجه الاجتماعي السياسي . قابله للأسف قصور فكري لدى الشيوعيين في فهم حقيقة وطبيعة المرحلة ، وذلك بانحيازهم إلى وزير الدفاع ، على خلفية مزعومة هي إرضاء السوفييت ، الذين قيل أنهم يؤثرون التهدئة في الشرق الأوسط ، من خلال القبول بالقرار( 242 ) ودبلوماسية إزالة آثار العدوان ، متجاوزين المضامين الاجتماعية فيما حدث .. وفيما سيحدث .
وقد نهجت المعارضة المكونة حينئذ من الناصريين ( الاتحاد الاشتراكي – الوحدويون الاشتراكيون – الاشتراكيون العرب ) من جهة ، ومن ” الأخوان المسلمين ” وشرائح البرجوازية العريضة ، من جهة أخرى ، نهجت سياسة التواطؤ مع انقلاب الحركة التصحيحية ( 16 تشرين ثاني 1970 )، الذي قام به وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد ، والذي زج قيادته الحزبية في السجون ، وأدخل سوريا بمتاهة اجتماعية سياسية اقتصادية ، ووضع المجتمع بصورة أكثر إيلاماً وتشدداً تحت سطوة الأجهزة القمعية المسلحة بحالة الطواريء والأحكام العرفية .
ومن الجدير التأكيد عليه ، هو أن مرحلة الستينات من القرن الماضي ، كانت هي بانقلاباتها داخل النظام . إنقلاب البعثيين على الناصريين 1963 .. انقلاب ماسمي بيسار البعث ( 23 شباط 1966 ) على ” القيادة اليمينية القومية ” .. والعدوان الآسرائيلي عام 1967 .. وانقلاب الحركة التصحيحية 1970 ، كانت هي التي أ سست فكرياً وسياسياً للمراحل اللاحقة في سيرورة العملية الاجتماعية السياسية في البلاد ، وفي بنية ومضامين جدلية ( نظام / معارضة ) .
-2-
في المقال السابق تحت عنوان ” في فكر وسياسة المعارضة -1- ” بدأت في مرحلة الستينات ( 1963 – 1970 ) . وفي هذا المقال سأتناول مرحلة السبعينات ( 1970 – 1980 ) . وقبل الانتقال إلى مرحلة السبعينات ، لابد من الاشارة إلى عدة نقاط هامة ، متعلقة بالصراع الذي نشأ داخل النظام ، حول هزيمة حزيران 1967 ، لما لها من أهمية ، كما أعتقد ، في كشف المقدمات والملابسات ، التي أوصلت البلاد إلى مرحلة السبعينات .
1 – يقول ( مروان حبش ) ، عضو القيادة القطرية ووزير في تلك المرحلة ، في وثيقة عممها في 20 / 6 / 2005 ، تحت عنوان ( حرب حزيران 1967 المقدمات والوقائع ” صفحة 22 ” عقدت قيادة الحزب في منتصف حزيران اجتماعاً .. وبعد تقييم أولي لما آلت نتيجة الحرب ، ’طرحت وجهات نظر متعددة ، ومنها وجهة نظر الدكتورنور الدين ( الأمين العام للحزب ورئيس الدولة ) وشاركه فيها عدد من أعضاء القيادة ، بضرورة الدعوة إلى مؤتمر وطني عام لكافة القوى والشخصيات السياسية للتداول في أسس المواجهة وتحرير الأرض ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية . وبعد نقاشات طويلة وعاصفة جداً ، حتى وصل الأمر إلى التلاسن بين بعض أعضاء القيادة ، وخاصة مع وزير الدفاع ورئيس الأركان ، أقرت القيادة أن الهزيمة يجب أن يتحملها الحزب ، ويتحمل مسؤولياته في إزالة آثار العدوان ”
ثم يقول ( مروان حبش ) في نفس الصفحة ” وا ستمراراً في مناقشة التقرير العسكري ، ’طرح في جلسة خاصة ، موضوع تغيير قيادة الجيش وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد ورئيس الأركان اللواء أحمد سويداني .. ولما ’طرح اقتراح التغيير على التصويت ، حسم بأكثرية صوت واحد لصالح بقاء قيادة الجيش ” .
2 – في عام 1969 ، أقدم وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد على محاولة الإطاحة بقيادته الحزبية السياسية ، لكنه تراجع بعد تدخل القيادة القومية للحزب ، والاتفاق على عقد مؤتمر لحسم الخلاف بينه وبين القيادة السياسية الحزبية .
3 – بعد تلك المحاولة الانقلابية ، ساد اعتقاد في المشهد السياسي العام في البلاد ، أن وزير الدفاع لابد أنه سينقض على السلطة ليحسم خلافاته مع قيادته الحزبية ، وليحقق ما هو مطلوب دولياً بالنسبة للقرار الدولي 242 المتعلق بإزالة آثار العدوان .
في تلك الفترة كان الحزب الشيوعي في حالة تحالف مع النظام القائم ب ( وزير في الحكومة وعضو في المجلس الوطني ) . وقد حدد الحزب موقفه من الصراع الناشب داخل النظام إلى جانب القيادة القطرية ، وذلك على خلفية تبنيها ، ومباشرتها ، إجراء تحولات اجتماعية ، وتوسيع القطاع العام ودور الدولة في توجيه الاقتصاد ، ودفع الصراع الطبقي إلى آخر مدى له ، وممارستها سياسة العداء للإمبريالية ومشاريعها الاستعمارية ، وبناء علاقات صداقة وتعاون على مستويات متعددة مع الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان المعسكر الاشتراكي ، ولديها توجهات جادة لتشكيل جبهة تقدمية وحكومة وحدة وطنية ألخ .. وجرت تعبئة سياسية في الحزب وفي أوساط أصدقائه ضد الانقلاب . وقامت لجنة من أعضاء من المكتب السياسي للحزب بجولة على منظمات الحزب في المناطق ، لشرح قرار الحزب ضد الانقلاب ، واتخاذ التدابير التنظيمية والعملية لمواجهته ، بما في ذلك مقاومته عند حدوثه .
واللافت ، أن لجنة المكتب السياسي ، قد واجهت في بعض المناطق اعتراضات على وضع الحزب في مواجهة الانقلاب .
أما القوى السياسية الأخرى التي كانت تتموضع في المعارضة ، من ناصريين ، وإسلاميين ، وبعثيين قوميين ، فضلاً عن برجوازية السوق ، فقد كانت في حالة انتظار لساعة الصفر ، التي ستقلب المعادلات السياسية الاجتماعية الاقتصادية القائمة المزعجة لها ، وهذا الانتظار كان أشبه بموعد متفق عليه بين هذه القوى وبعض اطراف سياسية محسوبة للنظام القائم مع وزير الدفاع .
ولهذا لم يكن مفاجئاً ، إقدام وزير الدفاع اللواء حافظ أسد مساء 16 تشرين الثاني 1970 على ا ستلام السلطة . ولم يكن مفاجئاً الأسلوب الذي نفذ به الانقلاب . فقد توجهت مفارز من الشرطة العسكرية والأمن الجوي والمخابرات العامة إلى أماكن إقامة أعضاء القيادة القطرية ، والوزراء ، والكوادر الحزبية الأساسية ، التي أشهرت معارضتها لوزير الدفاع إبان المناقشات الحزبية ، واعتقلتهم ، وانتهت عملية الانقلاب دون أية مقاومة .
وتم الإعلان عن وقوع الانقلاب بالتلفزيون والاذاعة ، من خلال بيان با سم القيادة القطرية المؤقتة ، الذي تضمن برنامج الانقلاب ، وأبرزتفاصيله ، إقامة مجلس الشعب ، وجبهة وطنية تقدمية ، والتمسك بشعارات ” الوحدة والحرية والاشتراكية ” .
المفاجأة التي انكشفت في الأيام التالية للإنقلاب ، هي التنسيق المسبق قبل الإنقلاب بين وزير الدفاع والقوى التي انضوت لاحقاً تحت الجبهة الوطنية التقدمية . والأكثر مفاجأة هي ، أن الحزب الشيوعي ، الذي كان متحالفاً مع النظام السابق ، ونسق مع قيادته كيفية مقاومة الانقلاب ، كان من المتسارعين إلى تأييد الانقلاب ، والانضمام إليه ، وقبوله أن يقود صانعو الانقلاب الجبهة والدولة والمجتمع . حيث مثل الحزب الأمين العام خالد بكاش وعضو المكتب السياسي دانيال نعمة في القيادة المركزية للجبهة . ومثله في الحكومة عمر السباعي وزيراً للوماصلات ويوسف فيصل وزيردولة . وبعد تعديل وزاري مثل الحزب في الحكومة واصل فيصل وزيراً للمواصلات وظهير عبد الصمد وزيردولة .
وقد تزامن هذا الانعطاف بموقف الحزب مع خلاف كان يتصاعد في داخله بين تيارين أساسيين ، أغلبية المكتب السياسي واللجنة المركزية من جهة ، والأمين العام وبقية القيادة من جهة أخرى . في الشكل كانت محاور الخلاف تدور حول دور الحزب في مسائل تضمنها مشروع البرنامج السياسي المطروح للنقاش ، حول الوحدة العربية ، وتحرير فلسطين ، وتحرير الأراضي المحتلة . وفي المضمون كانت مسألة عبادة الفرد ، وا ستقلالية قرار الحزب عن السوفييت . ثم أصبحت ملاحظات العلماء السوفييت حول قضايا الخلاف في مشروع البرنامج السياسي ، محوراً خلافياً قائما بذاته ، حيث تحدد التموضع في هذه الجهة أو تلك على أساس مع السوفييت أو ضد السوفييت .
لم تتعرض جهة الأكثرية التي أطلق عليها ا سم ” الحزب الشيوعي – المكتب السياسي ” لم تتعرض بالنقد للإنقلاب ، ولا لبرنامج الانقلاب ، بل تعاملت معه من خلال استمرار دانيال نعمة في القيادة المركزية للجبهة .
بعد أن وقعت الأحزاب التي قبلت الانضواء تحت قيادة البعث الجديد على ميثاق الجبهة ، أصدر الرئيس الأسد الراحل مرسوماً بتجسيد الجبهة واقعياً ودستورياً .
وبعد أن فشلت كل المحاولات لإعادة الوحدة للحزب الشيوعي ، أصدر الأمين العام خالد بكداش ، في 3 نيسان 1972 ، بياناً تضمن انقسام الحزب الشيوعي إلى حزبين
وبتدخل صارم من قبل الرفاق السوفييت ، حدث في العام التالي إعادة تموضع في قيادة الحزب ، حيث انتقلت الأكثرية في المكتب السياسي واللجنة المركزية إلى جانب الأمين العام . بينما ا ستمرت الجهة الأخرى على نهجها الخلافي ، متمسكة بشرعية أكثريتها عند بداية الخلاف ، ومكرسة من جهتها حزباً شيوعياً ثان في البلا د با سم ” الحزب الشيوعي السوري ” وقد أضيف له في الأوساط السياسية ” المكتب السياسي ” تمييزاً له عن الحزب الذي يقوده الأمين العام .
إن الصراع الذي جرى في عملية الانقسام ، استهلك زمناً ليس بقليل ، وا ستهلك من طاقة الحزب الكثير ، واحبط الكثير .. الكثير .. من كوادر الحزب وأصدقائه ، ودفع الحزب من رصيده السياسي ثمناً كبيراً جداً . وهذا ما أدى أن تدفع الطبقة العاملة والحركة الاجتماعية الشعبية عموماً أيضاً ثمناً هوالأكبر والأهم ، بفقدانها الحزب ، الذي يدافع عن قضاياها وحرياتها ، بين أقنية السوفييت الملتبسة ، وإغراءات النظام الجديد الملغمة ، وتخليه عن دوره الثوري الطبقي ضد الاستبداد والاستغلال .
بانتقال الحزب الشيوعي والأحزاب المعارضة ( الاشتراكية – القومية – الوحدوية ) إلى التحالف مع النظام ، حدث فراغ سياسي كبير في المشهد المعار ض . وقد كان الأخوان المسلمون وتفرعاتهم القريبة منهم ، ومعهم ” بعث العراق ” جاهزون لملء الفراغ بمعارضة من نوع جديد ، اتسمت بالعنف المتدرج ، الذي وصل عام 1979 إلى مستوى مجزرة مدرسة المدفعية الطئفية البشعة بحلب ، كما اتسمت بالطائفية البغيضة ، التي اعتبرت أن ا سقاط النظام مهمة مقدسة ، ليس لأنه نظاماً استبدادياً يؤسس لتمايزات اجتماعية طبقية متوحشة تعمق الفقر والفساد ، أو لأنه لاينتهج موقفاً شفافاً في علاقاته العربية والدولية ، بل لأنه ” يمثل طائفة معينة ” . ما أدى إلى تشويه وانحراف مسار المعارضة وإضعافها ، وإلى غضب مختلف الأقليات الطائفية والمذهبية ، ونسبة عالية من بقية المواطنين ، الذين ينبذون التنمايزات الطائفية وغيرها ويحرصون على وحدة البلاد ، الذي وظفه النظام لصالحه ، وأدى إلى تقديم مسوغات للنظام للقمع والعنف ، الذي بلغ أوج وحشيته أوائل الثمانينات .
لم تتمكن القوى التي انشقت عن أحزابها المنضوية تحت قيادة ، الجبهة الوطني التقدمية ” من ملء ولو حيز بسيط من الفراغ السياسي في المشهد المعارض ، ولم تبرز معارضتها للنظام إلاّ بعد التدخل السوري في لبنان عام 1976 ، حيث عبرت منفردة عن عدم قبولها لهذا التدخل . وتدرجت علاقاتها الثنائية إلى أن شكلت تحالفاً تحت اسم ” التجمع الوطني الديمقراطي ” الذي ضم ( الاتحاد العربي الاشتراكي – الحزب الشيوعي – المكتب السياسي – حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي – حركة الاشتراكيين العرب – حزب العمال الثوري ) . وكان ذلك أول تحالف معارض يعلن عن وجوده في الداخل .
وإبان ذلك ظهرت منظمات ماركسية معارضة تحت أسماء ، مثل اتحاد الشغيلة ، والمجالس اللينينية ، ورابطة العمل الشيوعي ، بيد أنها ما لبثت أن توحدت وتحولت إلى حزب العمل الشيوعي .
وإذا كان من اللافت ، أن القاعدة الاجتماعية للأخوان المسلمين والقوى الاسلامية الأخرى و ( بعث العراق ) تتموضع في أوساط الطبقة الوسطى وبرجوازية السوق ، فإن من اللافت أن القوى التي شكلت ” التجمع الوطني الديمقراطي ” وحزب العمل الشيوعي ، تتموضع في أوساط النخب الثقافية والسياسية والطلابية ، وقليل جداً في أوساط عمالية وشعبية وفلاحية . حيث أدى ذلك إلى افتراق كبيروخطير ، بين قيادات الحراك المعارض الوطني الديمقراطي وبين القوى السياسية الاجتماعية الحاملة الفعلية لبرنامج التغيير .
ما يشي أن القيادات التي تولت قيادة المعارضة ، كانت تراهن على مفاعيل ا ستثنائية تضاعف من احتمالات انتصارها على النظام بوقت قصير نسبياً . وهذا ما يفسر لماذا لم تهتم بمشاركة الجماهيرالشعبية في الحراك المعارض من خلال بناء علاقات مباشرة معها ، وتبني مطالبها ، وتحريك فضاءاتها الواسعة ، بمعنى .. لماذا لم تزرع زيتوناً يقاوم العواصف .. ويعمردهوراً .. ويعطي محاصيل مضمونة .. فاختارت هذا الشكل المعارض .. الذي وجدته بعد أربعين عاماً من الجهود في الداخل والخارج ، والكثير من الآلام والتضحيات والدماء ، وكأن وادي حراكها ليس بذي زرع .
أما من جهة النظام . فبعد أن قبض على الجيش ، والأجهزة الأمنية ، والقوى السياسية النافذة ، وبنى هرمه السلطوي ، وأنهى بمكوناته وسلطاته الاستثنائية ، مرحلة الانقلابات العسكرية ، توجه لإعادة بناء المنظمات النقابية و” الشعبية ” ، ومجلس الشعب ، والحكومة ، وإدارات المؤسسات العامة ، والتعليم ، والإعلام ، محولاً الدولة إلى منظومة شمولية مهيمنة على كل شيء . ضمن هذا التوجه ، كانت النقابات العمالية أحد أهم أهداف مخططات هذه الإعادة في البناء العام للدولة الشمولية . أولى الخطوات لاحتواء النقابات ، كانت أن طبقت ” شرعية ” قيادة البعث الدستورية للدولة والمجتمع ، حيث تبوأ البعثيو ن الأكثرية في كل الهيئات النقابية ، من اللجنة النقابية في المعمل أو المهنة إلى الاتحاد العام لنقابات العمال . وهذا يعني اخضاع التنظيم النقابي الحتمي لما يقرره حزب البعث ومسؤولو النظام في السلطة . ولما برز نشاط نقابي يحمل ملامح نقابية ملتزمة بمصالح العمال والمصالح الشعبية عامة ، من خلال الهجوم على بعض مدراء القطاع العام الفاسدين ، والاحتجاجات على تردي أوضاع العمال المعيشية ، لجأ النظام إلى فرض ” النقابية السياسية بديلاً للنضال المطلبي ” على النقابات , وبذا تحول التنظيم النقاابي إلى تابع رسمي معلن لمؤسسات الحزب الحاكم والسلطة . وخسرت الطبقة العاملة أيضاً حركتها النقابية حتى ا شعار آخر . بل وتحول هذا التنظيم إلى شريك متواطيء مع المنظومة الإدارية المعملية والسلطوية والأمنية ضد العمال .
وكان ذلك مقدمة وجزءاً من مخطط أهل النظام لاستغلال قطاع الدولة الانتاجي والخدمي ، وتحويله إلى أداة لاستنهاض القطاع الخاص ، والتحول إلى اقتصاد السوق ، من أجل الهيمنة على الاقتصاد وتحقيق الثراء غير المشروع ، الذي كان من مستلزماته ، تجميد الأجور ، والسيطرة على السوق . وكان من نتائجه انتشار الفساد ، وتعميم القمع ، وظهور المزيد من الأزمات والإفقار . إزاء ذلك وستراً للفضائح ، شكل النظام في أواسط السبعينات لجنة للتحقيق في عمليات الفساد . ولما تبين أنها لابد أن تطاول رؤوساً كبيرة في النظام ، تلاشت اللجنة كما البخار أمام ريح باردة .
هنا لم تقدم المعارضة شيئاً يذكر ، لادفاعاً عن الحركة النقابية ، ولاقدمت بديلاً لآلية مكافحة الفساد . وكان العنوان الرئيس لحراكها هو ، رفع حالة الطواريء والأحكام العرفية ، دون الاقتراب من المادة ( 8 ) من الدستور التي تكرس حق البعث بقيادة الدولة والمجتمع . وكانت مجزرة مدرسة المدفعية الطائفية بحلب ، التي نفذها عضو في الطليعة الاسلامية المقاتلة النقيب إبراهيم اليوسف ، كانت الصاعق الذي نسف الرتابة العبثية في عملية التجاذب بين هذا الفريق أو ذاك من قوى معارضة وبين النظام ، والذي حرف مسار المعارضة السياسي نحو العنف والعنف المضاد ، وعقد العملية السياسية بل ووضع المقدمات التي ألغت السياسة في البلاد ، وأفرز موضوعياً ، أسئلة كبير ة وهامة ، كيف يكون الرد على هذه الجريمة البشعة ؟ .. من يتحمل مسؤوليتها ، ومن هي القوى والمصالح التي تقف وراءها ؟ .. وكيف يمكن أن يعاد بناء السياسة والثقافة والدولة حتى لاتتكررهذه المجزرة ، وحتى تقوى البلاد بمواجهة من يخططون لإضعافها وتقويضها ؟ ..
هذه الأسئلة كانت تقريباً محور حوار فتحته ، جريدة السفير اللبنانية حول ما سمته الأزمة في سوريا ، مع القوى السياسية داخل النظام وخارجه . وكانت أيضاً محور حوار أجرته لجنة من القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية في لقاءاتها مع قطاعات سياسية ونقابية وثقافية وإعلامية . وبعدها أخذ الجميع يترقب ماذا سيكون القرار .. هل هو ملاقاة النقد الموضوعي لممارسات النظام التي لعبت دوراً أساسياً في صنع الأزمة ، أي رفع حالة الطواريء والأحكام العرفية وإطلاق الحريات الديمقراطية .. ؟ أم أنه شيء آخر .. ؟ ..
في شهر آذار 1980 صدر القرار .
-3-
بكل موضوعية ، يمكن اعتبار حدث مدرسة المدفعية الدامي في 16 حزيران 1980 في مدينة حلب ، مفصلاً لافتاً في الصراع على السلطة بين البعث الحاكم والقوى الإسلامية السياسية ، كما يمكن اعتباره أيضاً مفصلاً بارزاً بين مرحلة السبعينات ، وبين مرحلة الثمانينات والتسعينات ، في الحياة السياسية السورية المضطربة تحت حكم البعث ، في العقود الأخيرة من القرن الماضي .
وقد بدأت المرحلة الثالثة ( 1980 – 2000 ) من واقعة حدث مدرسية المدفعية ، وظلت تداعياتها الدموية والسياسية والأمنية ، تكبر مثل كرة ثلج متدحرجة ، على امتداد سنوات عدة ، ناقلة أمن المواطن وحقوقه السياسية والإنسانية من الأسوأ لإلى الأكثر سوءاً .
وعود إلى ما انتهى إليه المقال السابق ( في فكر وسياسة المعارضة 2 – 4 ) فإن جريدة السفير اللبنانية أنجزت حواراتها مع القوى السياسية السورية داخل وخارج الحكم ، حول ملف الأزمة السورية . وكانت المحصلة هي عدم التوصل إلى صيغة مشتركة ، تنقذ البلاد مما تتعرض له من مخاطر . إذ كان المحاورون المعارضون والمحايدون يؤكدون على أن العلاج الوحيد لأزمة البلاد ، هو رفع حالة الطواريء والأحكام العرفية وإطلاق الحريات الديمقراطية وسيادة القانون ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية . وكان المحاورون من داخل الحكم ، يصرون على أن ما يطالب به الآخرون ، يعني إ سقاط النظام .. ولذا فهو مرفوض .
والمناقشات التي أجرتها لجنة القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية الحكومية ، مع قطاعات سياسية وإعلامية ونقابية ” مهنية علمية ” تضم أطباء ومهندسين ومحامين ، ومع اتحادات رجال أعمال في الصناعة والتجارة والزراعة وغيرها ، كانت محصلتها مطابقة إلى حد كبير للحوارات التي جرت على صفحات جريدة السفير .
وخلال ذلك ، قامت ” الطليعة الإسلامية المقاتلة ” بفتح حوارات مع قوى إسلامية نافذة ، بما فيها فرقاً صوفية ، لجذبها إلى صفوفها ، أو للتحالف معها ضد النظام . وقد حققت ” الطليعة المقاتلة ” نجاحاً كبيراً في هذا الصدد ، وذلك نتيجة قمع النظام العشوائي والدموي ، الذي طاول مئات وآلاف المواطنين الأبرياء ، وتجلت بصمات هذا النجاح السياسية ومفاعيله العملية ، في أشهر قليلة لاحقة . وبالتوازي مع تلك الحوارات المميزة ولتسريع إنجاز أهدافها ، كانت ” الطليعة المقاتلة ” تفتح النار بغزارة لاغتيال رموز سلطوية وحزبية ، وشيوعية بعضها لاعلاقة له بالنظام ، خاصة في مدينة حلب ، التي غدت المسرح الرئيس للصراع بين هذه ” الطليعة ” والنظام .
وخلال فترة الحوارات القصيرة نسبياً ، كان البعض .. وأكثر قليلاً ، يتوقع أن يتلاقى النظام مع ما طرحته المعارضة والشخصيات السياسية المستقلة من حلول . لكن هؤلاء صدموا ، وانحازوا إلى الذين لم يراهنوا على هذا التفاؤل ، وذلك عندما وجدوا أن القرار المأمول لحل الأزمة ، لم يكن حلاً سياسياً وطنياً ديمقراطياً ، تشارك فيه جميع القوى السياسية ، التي عبرت بصدق عن قلقها وحرصها على الوطن وتعزيز وحدته وقوته ، وإنما كان حلاً سلطوياً قمعياً ، يختزل الوطن ومصالحه العليا بالنظام وبمقومات ا ستدامته ، ويختزل الدولة ببقاء القيادة الحاكمة ، بل ويطالب من هم خارج النظام الالتحاق به ، والالتزام بسياسته وتوجهاته ، تحت التهديد بتطبيق معادلة سياسية قمعية مؤلفة من خمس كلمات هي ( من ليس معنا فهو ضدنا ) . ما أدى إلى شرخ حاد في البلاد سياسياً وفكرياً وثقافياً ، انعكس في الاصطفافات السياسية والمذهبية اللاعقلانية ، التي ارتفعت سخونتها طرداً مع سير الأحداث والتفاعل الانفعالي معها .
وهذا ما أثار الخوف والقلق في الأوساط الشعبية ، وفي أوساط سياسية خارج النظام .. وخارج الاشتباك العنفي . وأثار لديها جميعها ، تساؤلات مشروعة تعبرعن الخوف من الحاضر والمستقبل ، إن على مستوى المواطن الفرد ، أو على مستوى الوطن بكامله .. يمكن اختزالها بالأسئلة التالية :
ماهي حقيقة العلاقة بين” الطليعة المقاتلة ” و ” جماعة الأخوان المسلمين ” ؟
ماذا تريد القوى الاسلامية السياسية بمعارضتها المسلحة ضد النظام ؟
هل هو حقاً صراع مذهبي على خلفية الحيثيات الطائفية التي بررت بها هذه القوى هذا الشكل من المعارضة وحسب ، التي وردت في بياناتها وتصريحات رموزها ؟ وهل لهذا العمل المعارض المسلح ، حقاً ، علاقة بالمخططات الدولية المطروحة لجر سوريا إلى تسوية مع إسرائيل على غرار معاهدة ” كمب ديفيد ” التي وقعها الرئيس المصري السابق أنورالسادات 1979 برعاية أميركية ، حسب بيانات وتصريحات المسؤولين في النظام ووجهات نظر قوى سياسية خارج النظام ؟ .
وماذا يريد النظام من تطبيق خياره الأحادي القمعي ، بدلاً من الخيار السياسي الديمقراطي المطلوب ؟
وما هو تأثير كل ما يجري من عنف ودماء على العملية الاجتماعية السياسية في البلاد .. وعلى الوطن .. أرضاً .. وشعباً ؟ .
وما هي الخيارات ، المطلوب من القوى الوطنية الديمقراطية ، أن تسلكها وسط هذا الفضاء العنفي السائد ؟ .
لم يطل الأمر كثيراً ، وانجلى الموقف ، ليقدم الإجابة على كل التساؤلات المطروحة . وكان في مقدمة ذلك ، معطى جديداً مفاده ، أن ” جماعة الأخوان المسلمين ” باتت تتموضع في مشهد المعارضة الإسلامية المسلحة وغير المسلحة ، في موقع الممثل والقائد لهذه المعارضة ، وتعبرعن حيثياتها وأهدافها المذهبية والسياسية . وسواء كان الربط بين المعارضة ” الأخوانية ” المسلحة بحيثياتها وباستهدافها مواقع عسكرية ، وبين المخططات الدولية الهادفة إلى جر سوريا للتوقيع على معاهدة تسووية لإنهاء الصراع الجاري منذ عقود لصالح اسرائيل كمعاهدة كمب ديفيد ، أكان هذا الربط صائباً أم لا ، فإن تزامن ، ما تقوم به هذه المعارضة المسلحة في الداخل ، مع أجواء فرض التسوية إياها ، يفرض السؤال المشروع ، ويذهب بالإجابة لدى كثيرين إلى مستوى من الشك ، يسمح بالاعتقاد بوجود هذا الربط .
لاسيما أن الحيثيات الطائفية المسوقة للعمل المسلح ، عدا عن أنها غير مقنعة ، فهي غير إنسانية وتتعارض مع القيم الوطنية والحضارية ، لأنها تكرس طائفية بزعم مواجهة طائفية أخرى ، يمكن أن تعالج بوسائل ديمقراطية . وهي إن لم تدمر البلاد ، فإنها تقوي سطوة ا ستبداد السلطة على المجتمع . وهي ، أي المعارضة المسلحة ، في كل حال ، حسب موازين القوى فاشلة . وهذا ما أكدته التجربة .
ويمكننا ا ستناداً إلى الحيثيات الطائفية والاشتباكات المسلحة التي مارستها ” الجماعة ” ضد مواقع عسكرية ورموز مذهبية وسياسية سلطوية وغيرها ، وا ستناداً إلى طبيعة النظام القائم على الاستبداد والاستئثاربالحكم ، يمكننا أن نفهم لماذا كان خيار النظام هو القمع ، ولماذا ’حددت مآلاته بأن تكون وجودية بالنسبة لطرفي الصراع .
وعندما كانت تتساقط الضحايا بالعشرات والمئات والآلاف في الاشتباكات المسلحة ، أو في العقوبات الجماعية ، كانت السياسة المدنية المتمدنة تذبح . وكانت دواليب العملية الاجتماعية السياسية تتعثر ، إلى أن شوهت وجمدت ، وشوهت وجمدت معها العقلانية والأخلاقية في علاقة السلطة بالمجتمع . وتساقطت مع زخات الرصاص قيم ومفاهيم اجتماعية ووطنية وإنسانية نبيلة كثيرة .
وعلى ا ستحقاقات هذه الخلفية ، تم تحديد الخيارات المطلوب من القوى الوطنية الديمقراطية أن تسلكها . فكان الخيار الأساس تحت عنوان ” التغيير الوطني الديمقراطي ”
حتى آذار 1980 ، كان المشهد السوري يتكون من ثلاثة تيارات سياسية . الأول ، كان النظام المهيمن على الدولة ومؤسساتها . والثاني ، كان القوى الإسلامية السياسية بقيادة ” جماعة الأخوان المسلمين ” ونسبة هامة من برجوازية السوق وخاصة في مدينة حلب . والتيار الثالث ، كان ” التجمع الوطني الديمقراطي ” ، وحزب العمل الشيوعي ، وشرائح واسعة من القوى الشعبية والثقافية ، والشخصيات السياسية المستقلة .
التياران الأول والثاني ، كان خيار كل منهما واضحاً ، وهو تصفية الآخر وذلك باستخدام أشد آليات العنف فتكاً ، معرضين آلاف الأبرياء للقتل والإصابات المؤلمة ، والاعتقالات العشوائية ، والتعرض للتحقيق الشكي و للتعذيب الوحشي . أما التيار الثالث ، فكان خياره إنهاء الأزمة القائمة في البلاد ، بما يضمن وحدة الوطن وارتقائه ديمقراطياً واقتصادياً وإنسانياً .
وفي وقت كان فيه التياران الأول والثاني ، يتبادلان الحوار عبر التفنن بالاشتباكات الدموية والقتل والاغتيالات ، والاعتقالات ، طرح ” التجمع الوطني الديمقراطي ” بياناً رفض فيه ما يجري من صراع ، وما يجر هذا الصراع من مآس ومخاطر على البلاد . وطالب بمعالجة الأزمة سياسياً ، بما يحقق حماية الوطن ، وملاقاة ” عثاره الكبير ” . وتحركت النقابات المهنية العلمية في هذا الاتجاه . وكان من الأهمية بمكان ، هو إضراب نقابة المحامين في ( 31 ) آذار 1980 ، الذي طالب فيه المحامون ، برفع حالة الطواريء والأحكام العرفية وإطلاق الحريات الديمقراطية ، والذي انتهى بتدخل أجهزة الأمن واعتقال المحامين الذين قادوا ذلك الإضراب . وبعد بيان التجمع وإضراب نقابة المحامين ، أطلق النظام حملات الاعتقال لقوى التيار الثالث ، التي بدأت بعدد من نشطاء الحزب الشوعي – المكتب السياسي وحزب العمل الشيوعي .
وفي نفس العام 1980 ، ومع تصاعد الاشتباكات في حلب ومدن أخرى ، ومع تزايد مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية طائفية ، بادرت قوى ” التجمع الوطني الديمقراطي .. باستثناء ( الحزب الشيوعي – المكتب السياسي ) ، وحزب العمل الشيوعي ، بادرت إلى إصدار بيانات تستنكر فيها التطرف الديني وتدين عنف القوى الاسلامية المسلح ، الذي يجري على خلفية طائفية . وقد اتخذ النظام من عدم إصدار ( الحزب الشيوعي – المكتب السياسي ) بيان إدانة لهذا العنف ، اتخذه ذريعة لاتهام الحزب بالتعاون مع ” جماعة الأخوان المسلمين ” ولمواصلة حملته الواسعة ضد الحزب ، التي طاولت أكثرية كوادر الحزب واللجنة المركزية والمكتب السياسي والأمين الأول للحزب .
* * *
في عام 1980 أيضاً ، أصدر النظام المرسوم ( 49 ) الذي يقضي بإعدام المنتمين إلى ” جماعة الأخوان المسلمين ” . وأطلق أيدي الأجهزة الأمنية بصلاحيات ا ستثنائية مغطاة بحالة الطواريء والأحكام العرفية ، ومرسوم يعفيها من المسؤولية القضائية جراء ا ستخدامها الإفراط في التعذيب وفي ممارساتها العنفية . وا ستنفرمحكمة أمن الدولة . وشكل محاكم عسكرية ميدانية . وخصص أجنحة للأمن السياسي وأمن الدولة والأمن العسكري في السجون المدنية , ووسع السجون العسكرية في تدمر ، وذلك لمحاكمة المعتقلين ، وتنفيذ الأحكام ، وأوامر الاعتقال العرفية . وأطلق حملات اعتقال شملت عشرات الآلاف من المواطنين ، الذين كان قسم منهم يعتقل على الشبهة أو كرهينة بديلاً لمطلوبين فارين من وجه حملات الاعتقال .
وتفشت ظاهرة الاشتباكات المسلحة بين ” الجماعة ” والنظام ، حيث تتواجد مواقع النظام الأمنية والعسكرية ، وحيث مخابيء أفراد الجماعة المسلحة ، التي راح ضحيتها مئات من الأبرياء . ولعل أبرزها ، مجزرة سوق الجابرية الشعبي وحي كرم ميسر 1980 ، ومجزرة حي الكتاب 1981 ، بحلب . على أن المجزرة الفظيعة الأكثر دموية ، تلك التي وقعت بمدينة حماة 1982 ، إبان الاشتباك الأكبر ، الذي ما زال سؤالاً كبيراً معلقاً ، بين ” جماعة الأخوان المسلمين ” والنظام .
وإذا لوحظ في سياق المقال ، أن هناك تجنباً للدخول في عدد وتفاصيل الاشتباكات والقتلى والضحايا البريئة ، فلأن هذا المقال مكرس فقط لعرض الملامح ألأساسية في زمن الاشتباكات والعنف ، لإضاءة المقدمات التي انبنى عليها التمويه على جوهر الصراع الطبقي الجاري في البلاد ، والتي شكلت المقومات الفعلية للسياسة ولسيرورة العملية الاجتماعية السياسية بشكلها طبيعي .
هذا المسلسل العنفي الدموي من 1979 – 1982 ، وما تبعه من تصفيات جسدية ، من خلال أحكام الإعدام ، والتعذيب ، ووضع عشرات آلاف المواطنين خلف القضبان ، عمق وزاد الأزمة السورية سوءاً وتعقيداً ، ودفع سوريا نحو مستقبل مجهول ، وجمد المعارضة السياسية التقليدية ، وأخرج السياسة والحقوق المدنية من الحياة العامة ومن التداول اليومي إلى أجل غير معلوم . وشدد من قبضة الاستبداد على الحكم ، وسمح للنظام وأهل النظام بالتصرف بمقدرات البلاد ، وسرقة المال العام ، وتعميق التمايزات الطبقية التي تسيدهم على المجتمع ، حسب اهوائهم ، ومصالحهم ، على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. دون معارضات .. ودون معوقات .
* * *
ما بعد تغييب وغياب معظم قوى المعارضة الأساسية ، المسلحة ، وغير المسلحة ، في السنوات الأولى من الثمانينات ، في القبور ، والسجون ، والمنافي ، وتحت الأرض ، وانفلات العنف الأمني من عقاله على امتداد البلاد ، انفلت أيضاً ما يجوز تسميته بالعنف الاقتصادي الاجتماعي . ودخلت سوريا مرحلة اجتماعية سياسية نوعية جديدة ، تمثلت في الإمعان في توظيف هيمنة أهل الحكم على القطاع العام ومؤسسات الدولة الخدمية ، لإجراء تغيير نوعي في دور هذا القطاع وهذه المؤسسات ، من وظيفة اقتصادية اجتماعية ترفد الدولة والمجتمع بمصادر القوة والنمو ، إلى وظيفة برجزة أهل الحكم ، من أوساط مدراء ووزراء وضباط ومسؤولين حزبيين ، والإسهام في إعادة هيكلة الاقتصاد ، بحيث تتحول البرجوازية التقليدية فيه إلى شريك تابع لهيمنة برجوازية السلطة .
وقد لعب الدكتور ” محمد العمادي ” دوراً هاماً في إحداث هذا التغيير . فقد كانت الأوامر والتوجيهات الصادرة عن القيادة الاقتصادية ” العمادية ” المباركة من القيادة السياسية العليا ، تنفذ على كل المستويات دون ” نق ” أو احتجاج ، اللهم للتذكير بالشمول بالنعم الجديدة المتأتية عن تلك الأوامر والتوجيهات . ولاغنى هنا عن التذكير بتواطؤ التنظيم النقابي الحكومي ، الذي لم يتحرك حركة مجدية واحدة للدفاع عن القطاع العام إزاء الهجوم الإداري البيروقراطي اللصوصي ، وإزاء تجميد الأجور لزيادة فائض القيمة لإثراء المدراء الفاسدين والبرجوازية الجديدة القديمة ، وإزاء ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للرواتب والأجور ، والتذكير أيضاً بتواطؤ أحزاب ” الجبهة الوطنية التقدمية ” الحكومية ، التي انخرطت في حركة التغيير هذه وحركة السوق ، حتى باتت ثروات كادراتها في النسقين الأول والثاني تقدر بالملايين ومئات الملايين من الليرات السورية .
في السنوات الأخيرة من الثمانينات ، بلغ الثراء غير المشروع حداً مبهراً . وبلغ الفساد مستويات مذهلة . وصارت الأوضاع الاقتصدية عامة تهدد بالمزيد من الأزمات المعيشية والفقروالبطالة .
في التسعينات ، هدأت التوترات الأمنية نسبياً . لم يعد هناك حملات قمع جماعية . الاعتقالات اقتصرت على من هم قيد الملاحقة ، أو مرتبطة بوقائع مستجدة . وبدأت مرحلة الإفراجات عن معتقلي الرأي . المرضى وكبار السن أولاً ، ثم المعتقلين الآخرين ، با ستثناء عدد من كل تنظيم أحيلوا إلى محكمة أمن الدولة . غير أنه قبل نهاية القرن العشرين تم الإفراج عن الجميع تقريباً . ولم يبق في السجون سوى نسبة غيركبيرة من معتقلي ” جماعة الأخوان المسلمين . لكن التوترات والحملات الاقتصادية تواصلت . وحقق أهل الحكم وشركاؤهم مستويات هامة من النجاح ، سواء على مستوى النفوذ في السوق ، أو على مستوى الثراء . وأصبح كثيرون من أهل الحكم ، يملك الواحد منهم عدة مليارات من الليرات السورية أو من الدولارات . بالمقابل ازدادت الطبقات الشعبية بؤساً ، وتعمقت الأزمات الاجتماعية ، التي وضعت 60 % من المواطنين تحت خط الفقر .
وفي التسعينات أيضاً ، بدأت المعارضة أنشطة خارجية متميزة ، تدور معظمها حول الحقوق المدنية وحقوق الإنسان . وفي الداخل بدأ صوت المعارضة يسمع وسط النخب الثقافية ، لكنها ، أي المعارضة ، رغم التبدل الكبير في البنية الاقتصادية الاجتماعية داخل النظام وخارجه وعلى مستوى المجتمع ، ورغم التداعيات المؤلمة المتأتية عن ذلك ، لم تقم بإجراء قراءة جديدة لواقع البلاد السياسي الاجتماعي ، وظلت تراوح في محور مطالبها الثابتة السابقة ، لم تتطرق بعمق للمسألة الاجتماعية ، ولم تتموضع في الوسط الشعبي ، الذي يكابد من النظام أضعاف ماتكابده النخب التي تراهن عليها .
في نهاية عام 2000 قرر التجمع الوطني الديمقراطي ، الانتقال إلى العلنية في معارضة النظام ، وذلك على نفس البرنامج الذي أعلنه قبل عشرين عاماً ، بينما تتطلب هذه النقلة تغيراً جذرياً له صدى جماهيري في البرنامج المعارض ، ليواكب التغييرفي أسلوب المعارضة . ما يشي أن لاخلاف اقتصادي كبير بين هذه المعارضة والنظام .
وبالتزامن مع تراكم ثراء برجوازية أهل الحكم وشركائهم في البرجوازية التقليدية ، تراكمت طرداً الأزمات المعيشية للطبقات الشعبية ، وتراكم الفساد إلى حد أجبر بشار الأسد ، في خطاب القسم في أول فترة رئاسية له عام 2001 ، أن يعد بالاصلاح لتقويم الأوضاع المتردية .
والسؤال الوارد هنا ، لماذا قبلت المعارضة بوعد الإصلاح الرئاسي ، وما هو الإطار الذي طرحته لتحقيقه ؟ وما علاقة هذا الاصلاح بالعملية الاجتماعية السياسية ، التي تهم الطبقة العاملة والطبقات الشعبية عامة ؟ .
-4-
للحصول على قدر لابأس به ، من خلفيات مرحلة ( 2000 – 2001 ) لابد من أن تؤخذ بعين الاعتبار المستجدات التي وقعت في العام ( 2000 ) ، التي تبدو متباعدة مستقلة شكلاً ، لكنها متقاربة متداخلة فعلاً .
* في الشهر الأولى من عام ( 2000 )، في عهد الرئيس الرئيس الأسد ” الأب ” ، اتخذ ” التجمع الوطني الديمقراطي ” المعارض قراره بالانتقال إلى العلنية .
* السبت في العاشر من حزيران عام ( 2000 ) ، كان آخر أيام الرئيس الراحل ” حافظ الأسد ” . ففي صباح ذاك السبت ، أثناء محادثة هاتفية مع الرئيس اللبناني السابق ” إميل لحود ” ، توقف قلب الرئيس عن دقات الحياة . وكانت آخر كلماته مع الرئيس لحود ، التي ا ستبطنت ما أعده لإستدامة نظامه من بعده ، ” قدرنا أن نبني لأولادنا مستقبلاً يطمئنون إليه ، وواجبنا أن ” نورثـهــــم ” أفضل مما ورثنا ”
* بعد قليل من وفاة الرئيس ” الأب ” بدأت إجراءات التوريث ، بعقد جلسة خاصة لمجلس الشعب تم فيها تعديل المادة ( 83 ) من الدستور ، تمهيداً لترشيح ابن الرئيس لرئاسة الجمهورية .
* في ( 11 حزيران 2000 ) أصدر نائب الرئيس الأول عبد الحليم خدام مرسومين . الأول ، ترقية بشار إلى رتبة فريق . والثاني ، تعيين الفريق بشار قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة .
* في ( 10 تموز 2000 ) انتخب ” استفتاءً ” الفريق بشار الأسد رئيساً للجمهورية . وقد تضمن خطاب القسم أمام مجلس الشعب ، ملامح على صعيد احترام الآخر ، ورغبة في تجاوز أخطاء ونواقص في الماضي ، والقيام بالاصلاح ، ثم اتبع ذلك بالافراج عن ( 600 ) سجين سياسي ، وأغلاق سجن المزة .
* في أواخر عام ( 2000 ) تم انتخاب جورج بوش الابن رئيساً للولايات المتحدة الأميركية ، وتولى مع طاقمه من المحافظين الجدد ، قيادة الامبريالية الأميركية ، حاملاً مع طاقمه العنصري الدموي مشروع احتلال العراق وخريطة امبراطورية ، للهيمنة على العالم ، وبخاصة على ثروات وأسواق ومحاور جيوـ سياسية ا سترتيجية يأخذ فيها احتلال العراق ، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط أهمية مفتاحية .
* وقبل أن ينتهي عام ( 2000 ) حققت المقاومة اللبنانية انتصارها ، بإجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان دون قيد أو شرط .
* * *
كل المستجدات والوقائع الواردة آنفاً وتداعياتها ، في العشر سنوات المتوالية السابقة ، لعبت دور اً تصاعدي الخطورة بالنسبة لشعوب المنطقة . وعلى أهميتها ، منفردة أو مجتمعة ، فإن هذا المقال لايروم غير إضاءة الإضافات الجديدة ، التي طرأت جراء ذلك على سوريا كدولة ، وعلى السياسة فيها ، وعلى فكر وسياسة المعارضة ، في أجواء الانتقال إلى العلنية ، وفي مناخ توريث الرئاسة واستنساخ الاستبداد ، ومن ثم دخول اللاعب الأميركي الشرق الأوسط ، بشكله العسكري المدمر والسياسي الفظ ، والمخابراتي المنفلت من عقاله ، جالباً معه على دباباته وطائراته وصواريخه خريطة جديدة للشرق الأوسط ، وعولمة مشبوهة ، وديمقراطية مزيفة .
قبل دخول اللاعب الأميركي المشهد الشرق أوسطي بشكله الجديد ، بدأ الداخل السوري يتفاعل مع مرحلة العهد الرئاسي الجديد . حيث ا ستهل النظام ” الجديد ـ القديم ” عهده بالتسويق لما سمي بالاصلاح ، وكأن هذا الاصلاح سيتحقق فعلاً كما هو الوعد الرئاسي في خطاب القسم . وبدأت المعارضة تطرح وجهة نظرها في الاصلاح ، مخرجة إياه من إطار التجريد إلى مركز التحديد . ونادت بالاصلاح السياسي أولاً . في محاولة مزدوجة ، تحقق فيها انتقالها إلى العلنية ، وتطرح برنامجها للتغيير . وتطورت التجاذبات بين خطابي النظام والمعارضة ، حول الاصلاح . المعارضة تتوسع في مفهوم ودائرة الاصلاح ، بحيث يشمل التعديل الدستوري ، وإخراج سوريا من تحت حالة الطواريء والأحكام العرفية ، والنظام يحجم الاصلاح ويحصره بالصعيد الاقتصادي .. ومن ثم بالصعيد الإداري . واستمر هذا التجاذب طيلة عمر ما سمي بربيع دمشق القصير ، الذي بدأ بعد خطاب القسم في ( 17 / 7 / 2000 ) وانتهى في منتصف شباط عام ( 2001 ) ، والذي كان غنياً بالمبادرات الحيوية . ففي أيلول ( 2000 ) أصدر ( 99 ) مثقفاً بياناً طالبوا فيه برفع حالة الطواريء والأحطام العرفية وإطلاق الحريا ت الديمقراطية والإفراج عن المعتقلين السياسيين . وفي عام ( 2001 ) أصدرت مجموعة من المحامين بياناً طالبت فيه بمراجعة دستورية شاملة ، وبإلغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية وإطلاق الحريات العامة . وأصدر عدد من الكتاب والمثقفين وثيقة لجان المجتمع المدني تحت عنوان ” توافقات وطنية عامة ” . وأصدر الأخوان المسلمون ” ميثاق الشرف الوطني تبنوا فيه معظم ماجاء في بيانات المثقفين ودعوا إلى العمل السلمي تحت سقف التعددية السياسية . وانتشرت ظاهرة المنتديات . وكان أشهرها ” منتدى الحوار الديمقراطي و” منتدى الأتاسي . وقد ا ستخدمت منابرالمنتديات من قبل نشطاء من مختلف ألوان الطيف المعارض ، لطرح عناوين ومضامين الاصلاح المطلوب . ربما كانت النبرة المستخدمة من قبل البعض عالية نسبياً ، لكن ما طرح من آراء لم يخرج عن المضمار الديمقراطي .
وقد كان رد رموز النظام على أنشطة المنتديات قاسياً وحازماً . وزير الإعلام محمد عمران يصرح ” دعاة المجتمع المدني استعمار جديد ” . نائب الرئيس عبد الحليم خدام يقول ” لن نسمح بجزأرة سوريا .. لن نسمح بتحويل سوريا إلى جزائر ويوغسلافيا أخرى ” وزير الدفاع مصطفى طلاس يعلن ” إننا أصحاب حق ولن نقبل أن ينتزع أحد منا السلطة لأنها تنبع من فوهة بندقية ونحن أصحابها . لقد قمنا بحركات عسكرية متعددة ودفعنا دماءنا من أجل السلطة ” . وشارك بشار الأسد بالحملة ، ووجه انتقادات حادة للبيانات السياسية الصادرة عن المعارضة .
وإذا تجاوزنا التفاصيل في هذا السياق أيضاً ، يمكن اختصار ظاهرة ربيع دمشق ، التي جاءت على الطريقة التشيكية ، أنها كانت تعبير عن كبت قهري مزمن مشروع ، وإنها كانت ، في معظمها ، مجموعة أنشطة حيوية قامت بها نخب ثقافية وحقوقية وسياسية ، تحملت مسؤولية وآلام التمسك بالاصلاح ، وجعله أساس لتجسيد تغيير ” ديمقراطي ” في البلاد . لكنها اصطدمت بنفاق الوعد الاصلاحي ، وباستعصاء التلاقي على الحل ” الديمقراطي ” مع الطرف الآخر ” النظام ” ، الذي عبر عنه العماد طلاس بمنتهى الدقة والحسم ” لن نقبل أن ينتزع أحد منا السلطة لأنها تنبع من فوهة بندقية ونحن أصحابها ” والذي يرى أن الحرية السياسية تتعارض مع مشروعه تحويل الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق الليبرالي ، والمخطط له أن يستحوز أهل الحكم على أهم المفاصل فيه وعلى عوائده وفوائه . وانحكمت ” ظاهرة ربيع دمشق ” بعمر قصير ، لم يحدد القمع وحده نهايته ، وإنما عدم تحول الفعل النخبوي والهم النخبوي إلى فعل جماهيري وهم جماهيري .
* * *
الهجوم الذي وقع في ( 11 أيلول 2001 ) على أبراج نيويورك ، حوله بوش والمحافظون الجدد إلى حدث عالمي .. إلى ذريعة ، لتنفيذ مخططاتهم للهيمنة الامبراطورية على العالم ، وأعلن الحرب الكونية على الإرهاب وسيلة قذرة لتحقيق ذلك .
وكان الهجوم الأميركي العسكري على أفغانستان بداية لتدفق الجحيم الأميركي بمكوناته العسكرية التدميرية الهائلة ، وبمخططاته السياسية المخابراتية ، التي تحمل عناوين العولمة وحقوق الإنسان والديمقراطية المزيفة ، لإعادة تقسيم البلاد العربية والشرق أوسطية عامة ، لتوفير مقومات الهيمنة الأميركية ـ الصهيونية على هذه البلدان .
وقد اتضح هذا الجحيم أكثر ، عندما غزا الأميركيون العراق بذرائع كاذبة . ورغم أن ما جرى في العراق كان غزواً بكل المقاييس السياسية والدولية والأخلاقية ، فإن ما طرحه المحافظون الجدد بقيادة بوش من فضاءات العولمة وحقوق الإنسان والديمقراطية المزيفة ، قد أخذت به معظم قوى المعارضة السورية ، وراهنت عليه ، لعله يسهم في إجراء تغيير ” ديمقراطي ” في البلاد ، متجاوزة ، أن الغزو الأميركي الاميريالي ، قد أضاف إلى مهامها الديمقراطية بعداً وطنياً واضحاً بامتياز ، وكان ينبغي أن تضعه في مقدمة أولوياتها في صراعها مع النظام .
وانتشرت العولمة البوشية في أوساط نخبوية سياسية وثقافية ، وكأنها الحل الأمثل لمعالجة كل أزمات ومآسي العالم . وجرى تحديد مع أو ضد العولمة معياراً لمستوى التقدم أو التخلف في الوعي والثقافة والسياسة . بيد أنه من الناحية الموضوعية ، أضعف الانبهار بالعولمة والدور الأميركي التبشيري المخادع للديمقراطية وحقوق الإنسان ، أضعف المعارضة عموماً ، وأحال الالتفاف السياسي الجماهيري لصالح النظام ، الذي كان مكره أخاك لابطل ، في تجنب الوقوع في الانبهار واستحقاقاته ، التي من بديهياتها في كلا الوجهين فقدانه فرصة استدامته .
ثم جاءت تداعيات لبنان الناتجة عن عملية إكراه النظام على الانسحاب من لبنان ، واغتيال ” رفيق الحريري ” ، وحرب تموز 2006 ، لتبرز أخطاء أخرى للمعارضة السورية . فمن منطلق حشد التحالفات ضد النظام ، اصطفت مع القوى اللبنانية المتعاملة مع أميركا والدول الغربية لاسقاط النظام ، التي يتزعمها سمير جعجع وأمين الجميل وسعد الحريري ووليد جنبلاط ، ثم اصطفت مع هذه القوى ضد المقاومة اللبنانية المتحالفة مع النظام السوري لاعتبارات مصيرية ، التي خاضت قتالاً باسلاً مشرفاً ضد القوات الإسرائيلية وأجبرتها على وقف القتال والانسحاب ، ما اعتبر انتصاراً عربياً ولبنانياً في آن ، وقد أضعفت هذه الاصطفافات المعارضة أيضاً ، وحولت المياه الشعبية إلى طواحين النظام .
* * *
الأكثر التفاتاً في فكر وسياسة المعارضة ، هو القبول بأطروحات العولمة الأميركية والدولية السرابية ، على خلفية أن النظام الرأسمالي قد حقق انتصاره الأبدي الحاسم ، دون قراءة موضوعية لمآلات هذا الانتصار على بنائه وتناقضاته ودورات أزماته ، ودون قراءة منعكساته على الدول والشعوب في القارات المهمشة . وقد تجلى بعض ذلك بتخلي قوى عن مرجعياتها الاشتراكية والانتقال إلى مواقع الليبرالية ، بل إن المعارضة بالمجمل ، عدا استثناءات ماركسية الهوية ، قد قبلت أيضاً بذلك ، ما أدى إلى تقليص مسافة الخصومة بين المعارضة والنظام ، وأبعد المسافة بينها وبين غالبية المجتمع السوري المؤلفة من الطبقات الشعبية الواسعة . كما تجلى أيضاً بنفخ دور الخارج في معادلة داخل / خارج من أجل تقوية المعارضة ، وإلى وقوع عدد من رموز المعارضة في منزلقات مكشوفة على أعتاب البيت الأبيض ومنظمات دولية مشبوهة ، والانخداع بملفات التحقيق الدولي في اغتيال الحريري والرهان عليها كرافعة لعملية التغيير .
وعند العودة إلى حقيقة الخلفيات الاجتماعية لمعظم قوى المعارضة ” التقليدية ” نجد التفسير لهذه السياسات ، ونجد أن هذه الخلفيات هي التي تدفع بطبيعتها في الاتجاهات التي سارت عليها الأمور ، ومنها، أنها في الجوهر غير متعارضة مع توجهات العولمة الأساسية ، لاسيما من حيث أنها ، حسب الطروحات النظرية ، توفر سبل الاتصال الثقافي والسياسي ومستلزمات ازدهار السوق الاقتصادية الليبرالية العابرة للحدود والقارات . وعلى ذلك كان من السهل ، أن تقطع المعارضة مسافة ملموسة باتجاه الخارج الدولي ، وأن تقطع نصف المسافة باتجاه الداخل ” النظام ” ، لكنها بذلك تنسف كل المسافة بينها وبين الطبقات الشعبية ، ما يجعلها على المستوى الاقتصادي الاجتماعي أقرب إلى النظام من الملايين والملايين التي تكابد الأزمات المعيشية والفقروالقهر ، وقد تجلى ذلك بوضوح بتعليق الأخوان المسلمين معارضتهم للنظام ، وبالتوافق الزمني لانعقاد مؤتمر إعلان دمشق مع الضغوط القضائية الدولية المحتملة على النظام ، وفي بنيته العضوية وفي مقرراته وبياناته ومآلاته .
* * *
منذ السبعينات ، بدأ النظام الجديد يتخذ إجراءات تحويل الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق الليبرالي . وبدأت عملية تراجع الدولة عن دوررها الاقتصادي المسؤول عن القطاع العام الانتاجي والخدمي ، وتكريس هذا القطاع ومشاريع الدولة لإثراء الطبقة الحاكمة واستيلاد برجوازية جديدة سلطوية تهيمن على الاقتصاد والسوق . وقد كان ذلك يجري ضمن خطة خلق قاعدة اجتماعية اقتصادية للنظام ـ لتقويته وتدعيم استدامته . وخلال أعوام السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ، أنجز الدكتور ” محمد العمادي ” المشرف الرئيس على هذا التحويل ، أنجز هذه النقلة النوعية الاقتصادية الاجتماعية . بحيث نشأت أعمدة برجوازية قوية من أهل الحكم استحوزت على قدر كبير من الهيمنة على السوق .
وفي هذا الصدد لاحاجة لذكر أسماء وأرقام ثراء هذه الأعمدة ، إذ بدون عناء يمكن التأكيد على أن أغنى أغنياء البلاد هم من يتربعون في قمة السلطة والحزب وحلفائهم .
وعندما حلت الثمانينات في القرن الماضي ، كان القطاع العام قد ’فرغ من محتواه ودوره وقدراته ، و’وضع برسم التصفية ، و’رفع دور القطاع الخاص إلى مستوى صارفيه يكلف الدولة لتقديم التسهيلات القانونية والإدارية والسياسية لبلوغ أعمدة البرجوازية الكبرى ، ومعظمها من أهل الحكم ، أهدافها وتحقيق مصالحها . وكانت القفزة النوعية في هذا الصدد ، التبني الرسمي العلني لاقتصاد السوق الليبرالي والجري وراء إرضاء البنك الدولي ومنظمة التجارةالدولية ، ما شكل قطيعة تامة مع أهداف الحزب الحاكم التي أعلنها عند استيلائه على السلطة ، وألقى البلاد بشكل حاسم في أتون الرأسمالية وقوانينها وتداعياتها المؤلمة شعبياً .
الغاية من عرض هذه الملامح الأساسية للتطور الاقتصادي الاجتماعي في البلاد ، هي للدلالة على أن خلفيات معارضة النظام في الستينات والسبعينات قد انتهت ، وحلت محها خلفيات تعبرعن استحقاقات ومتغيرات مطابقة للتحول الاقتصادي الاجتماعي الذي حدث خلال الأربعين عاماً الماضية ، فعبارة المشاركة في السلطة وتداول السلطة تعني ، إن لم يكن الداعون لها يحملون نفس الرغبة بهذا التحول ، هي مشاركة غير مقدسة مع نظام حول البلاد إلى مجال للنهب المزدوج ، البيروقراطي الإداري الفاسد من ناحية ، والنهب البرجوازي الجشع من ناحية أخرى .
بمعنى أن بضاعة المعارضة ” التقليدية ” لم يعد لها مكان في السوق ، إلاّ إذا اختارت أن تكون معارضة ليبرالية مطابقة لاستحقاقات اقتصاد السوق الليبرالي ، وأن تتموضع رسمياً ضمن الإطار العام للنظام ، لتحصل على حصة تافهة في لعبة يديرها نظام غير ليبرالي ، حيث يكون ثمن الاستمرار المادي لهكذا معارضة يقتطع دون رحمة من المصالح المادية لمن تمثلهم ومن الكرامة .
بكلام آخر ، إذا كان برنامج المعارضة ” التقليدية ” الاقتصادي الاجتماعي يتماثل مع الخطوط العامة لبرنامج النظام ، فإن جوهر الخصومة مع النظام يكمن في الغالب ، في حرمان مكوناتها وحرمان من تعبر عنهم أو تريد أن تعبر عنهم ، طبقياً ، من المشاركة في الأصعدة الاقتصادية الرابحة ، التي يهيمن عليها اهل الحكم وشركائهم . وفي حال إصرارها على هذا المضمون لمعارضتها فإنها تصطف طبقياً بلا لبس مع النظام ، أي ما يجعل حراكها المعارض غير هادف لاستبدال بنى النظام الاقتصادية ببنى أخرى مغايرة ، ما معناه أن ما ترمي إليه ليس أكثر من تشذيب النظام من شوائبه الطوارئية والعرفية ، وتقليم أظافره القمعية ، لتحصل على المشاركة بالسلطة أو التوصل إلى صيغة للعبة تداول السلطة ، بشكل يؤمن توزيع فائض القيمة العام بين جميع مالكي الرأسمال ووسائل الإنتاج دون استثناء .
وبذا فإن هناك فراغاً في المشهد المعارض الجاد من أجل نظام بديل مغاير . إذ أن تغيير النظام من حيث هو تعبير عن النظام الرأسمالي لايتحقق بجلب نمط رأسمالي آخر أو بسلطة خادمة للرأسمالية . فكل الأنماط الرأسمالية ، الاستبدادية ، و” الديمقراطية ” تقوم على الاستغلال وسرقة القسم الأعظم من فائض القيمة . الاختلاف بينها هو حول نسبة القسمة بين القطاعات التي تشكل اقتصاد السوق . وكل الأنماط الرأسمالية تضطهد وتستغل وتفقر الطبقات غير المالكة وتهمشها باستمرار ، والبديل لنمط الانتاج الرأسمالي هو نمط الانتاج الاشتراكي ، الذي تنتفي فيه كل أشكال الاستغلال والاضطهاد ، وهو النمط الذي تزدهر فيه الحرية الحقيقية والديمقراطية .. عبر العدالة في فرص العمل ، وربط الأجر بالإنتاج ، وبالأسعار ، والخدمات الاجتماعية ، والإنفاق المعيشي الذي يكفل الكفاية والعدالة .
وما يؤكد على هذه الطروحات ، أن أزمة الرأسمالية المتفاقمة منذ سنوات ، قد زعزعت الثقة بالليبرالية الاقتصادية وبالنظام الرأسمالي ، وأجبرت جهابذة الاقتصاد في البلدان الرأسمالية الكبرى على العودة ، ولو نسبياً ، إلى دور الدولة في توجيه الاقتصاد ، لكنه توجيه معاكس . إذ انصب في خدمة ودعم الشركات والبنوك الكبرى المتعثرة ، وأحال فواتير دفع ثمن حل الأزمة إلى أجور ومدخرات الفقراء . لكن ذلك لاينفي ، بل يؤكد ، صحة أن تقوم الدولة بدور موجه للاقتصاد لصالح التنمية الاقتصادية الاجتماعية الشعبية . مايعني أنه ، بصيغة أخرى ، لامن حيث الرغبة ولا من حيث الواقع الموضوعي ومتطلبات المستقبل ، يمكن لمعارضة تحمل برنامجاً اقتصادياً ليبرالياً ، أن تكون معارضة ناجحة بمواجهة نظام اقتصاده ليبرالي ، وسياسته قمعية تجاه الآخر ، وعقيدته السلطوية هي التي صاغها العماد طلاس .
المجال المفتوح أمام معارضة حقيقية لها مستقبل ، هي معارضة تضم كل القوى ، التي تمثل اللحظة التاريخية واستحقاقاتها .. تمثل الغالبية العظمى في المجتمع ، من العمال ، والفلاحين ، وفقراء المدن ، والعاطلين عن العمل ، وكافة الذين لايعيشون إلاّ على الأجور والرواتب ، والشرائح الثقافية
، التي تحمل في ضمائرها توقاً صادقاً للحرية ، وكرهاً ثابتاً للاستغلال ، وحباً شفافاً للعدالة الاجتماعية ، وذلك ضمن إطار حزب اشتراكي عمالي ديمقراطي ، يحدد على ضوء النظرية الماركسية والبراهين العلمية سمت نضاله في الحاضر والمستقبل .. إن مثل هذه المعارضة تستطيع أن تستقطب الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقة في التغيير وتحركها .. وتستطيع أن تححق برنامجها ..
لن نذهب إلى أميركا اللاتينية لنأتي بالأمثلة .. بل نكتفي بمثال الحراك الشعبي المتواصل في مصر والمغرب .. وبالانتفاضات الجماهيرية الشجاعة في تونس والجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى