صفحات ثقافية

شعراء عرب: رحيل درويش.. نهاية عصر من الشعر العربي

null
الكثيرون سيتذكرون ضحكاته ودموعه المتأثرة بتكريمه في كثير من العواصم العربية
11/08/2008
صنعاء ـ الرباط ـ القدس العربي من خالد حمادي والطاهر الطويل سيظل بيننا ما بقيت الكلمة وبقي الشعر عبد العزيز المقالح (شاعر من اليمن) بداية أعتقد أن غياب الشاعر العربي الكبير محمود درويش، لم يكن خسارة للشعر العربي فحسب، بل كان كذلك خسارة للشعر الإنساني كله، فقد كان محمود شاعرا عربيا إنسانيا في شعره وفي مواقفه. وعظمة هذا الشاعر الكبير تتجلى في أنه كان شاعرا بكل ما في الكلمة من معان إبداعية وأخلاقية، فقد كان شاعرا في سلوكه وفي طريقة تعامله، قبل أن يكون شاعرا في كتابة القصيدة في أرقى مستوياتها، موقفا وفنا. لم يحاول محمود في أي يوم من الأيام، أن يخوض فيما خاض فيه الآخرون، من خلافات وافتعال لمعارك وهمية، لذلك فقد احتفظ بمكانته في القلوب، شاعرا وإنسانا، واستطاع أن يكون مدرسة قائمة بذاتها في حياتنا الأدبية. عرفته في بداية السبعينيات، واستمرت علاقتي الحميمة به حتى الآن. كان دائم السؤال عن أصدقائه، أكثر مما يسألون عنه، لا يكف عن مهاتفتهم والسؤال عن أحوالهم، وتلك ميزة نادرة من الكبار.
لم يمت محمود وإنما ماتت همومه وآلامه التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، جراء ما يحدث بين الأهل من اقتتال لا مبرر له سوى الجري المحموم وراء سلطة موهومة، ووعود تتبخر كالدخان في الهواء أو كالسراب في الصحراء. محمود أيها الشاعر الإنسان سلام عليك، وستظل بيننا وفي حياة أمتك ما بقيت الكلمة وبقي الشعر. زيتونة المنفى حاتم الصكر (كاتب من العراق يقيم في اليمن) زيتونة المنفى واحد من أسماء محمود درويش التي أطلقت على الشاعر الحي بين الولادة والموت كما أراد قاطعا مسافة المابين بين وهو عنوان الكتاب الذي أصدرته حلقة مهرجان جرش في إحدى دوراتها النقدية مكرسا للدراسات التي تناولته.
بين الزيتونة والمنفى يتمدد درويش الذي لا يرى نفسه ممكنا بلا منفاه كالمنتظرين برابرة قادمين ضروريين للإفاقة، وفي تدقيق هوية ادوارد سعيد ومرثيته يتحدث عن عالم منشطر بين الهنا والهناك ولسانين لم يعد يدري بأيهما يحلم.
وذلك هو درويش في تفاعلاته الحياتية كلها منشطرا بين مزاج حاد وطرافة دامعة، بين كفاح حقيقي واستراحة هانئة، حب وصراع، أسى وفرح، تحديث والتزام، استطراد ووزنية، لكن من له في هذا الكون الشعري الفسيح لغة درويش وتوليده الصور من كل ما حوله، وكيف يؤاخي الصورة والفكرة والعاطفة والواجب والحرية والوطن في قصيدة يقولها حرة إلا من وجوده الإنساني الذي جعله سفير قضية وطنه بأفضل مما فعل السياسيون وشعاراتهم وكسب لصف حرية وطنه وعرض حقيقة احتلاله وعنصرية محتليه ما جعل رؤياه رؤية العرب المغلوبين على حرياتهم والأحرار في العالم المنحدر تراجعيا صوب الغابة والتسلط بعصي الأقوياء المطورة.
ولمحمود درويش مع الموت وشيجة لم تجعله يتلقاه كواقعة مفاجئة بل هذا هو في آخر نصوصه المنشورة ( لاعب النرد) يرمزه ويداعبه كعهده حين يسأله أن يتمهل وينتظر حتى يعد الحقيبة أو يرصد موته السريري المؤقت في عملية القلب المفتوح الأولى ويشكل من الموت تجربة فريدة لم تتهيأ لكثير من الشعراء الذين كتبوا استباقا عن موتهم بل هو يصنع معراجا روحيا سماويا يلاقي فيه الشعراء والفلاسفة هائمين في سديم الأبدية متحولا بدوره (ذرة في العالم العلوي) صانعا جدارية تؤاخي الفن بالشعر كما يؤاخي هو الفكر والنغم ويحفظ للنثر رونقه داخل النص ويقول عنه: (أحب من الشعر عفوية النثر والصورة الخافية/ بلا قمر للبلاغة).
من سوى محمود درويش ينزل الشعر لقارئ أعزل يتصفح كتابا من نور وامرأة عاشقة تصفدها العيون، وغزال وحيد في برية الروح، وطفل منتظر عودة الأب في قصيدة، ومنفي بلا غد سوى السراب؟ ربما لن يتكرر صوت درويش في تاريخ الشعرية العربية لا بموته الدراماتيكي شأن رعيل الشعراء العرب الذين مستهم لعنة الحداثة وغادروا الحياة غاضبين عجلين فحسب، بل ببصمته الفريدة في مدونات المتن الشعري الذي وهبه محمود درويش للقصيدة وفضائها الصوري ولغتها المتفاعلة بالجمال والفن، رغم ثقل الصليب الفلسطيني الذي حمله ماشيا طيلة حياته وفكر قليلا كي يستريح فجاءه نداء القلب الذي تعب من الحياة وتدبر أمره ماكرا بنا في ذلك اليوم الصيفي المشؤوم.
كثير من جراحنا تفتحت على ألمها الكامن حين نعت الأنباء محمود درويش وكثيرون هرعوا إلى صورهم في الذاكرة أو المخيلة عن زيتونة جميلة خضراء لكنها غريبة في تربة المنفى، وكثيرون استعادوا صورة يوسف الجميل آخر الأخوة في جب التجربة وكثيرون سيسمعون كما أسمع الآن ضحكاته في بهو الفندق بالقاهرة قبل أكثر من عام في مهرجان الشعر العربي الذي نال جائزته ويتذكرون دموعه المتأثرة في مشهد تكريمه المتكرر في أكثر من عاصمة، كما بكى المدن الضائعة في شعره وصنع لها جغرافية جديدة في الضمير ..شعره الذي هو واحد من تجليات حضوره الأبدي في قلب الغياب.
صداقة عميقة ثريا جبران (فنانة مغربية) فضلت ثريا جبران (وزيرة الثقافة المغربية) أن تقدم شهادتها كفنانة مسرحية، إذ قالت وهي تقاوم حالة التأثر الكبيرة وبكاءها الذي كان يصل مراسل االقدس العربيب عبر الهاتف: اعلاقتي بمحمود درويش تعود إلى أوائل السبعينيات، حيث كنا مجموعة من طلبة معهد المسرح في الدار البيضاء نقدم عروضا مستلهمة من أشعار درويش، تحت إشراف الفنان الأستاذ فريد بنمبارك، ونقوم بها بجولة عبر عدد من الجامعات المغربية. وخلال السنوات الأخيرة كان كلما أتى محمود درويش إلى المغرب حرصت على تقديم لقاءاته على خشبة المسرح، مما قوى من صداقتنا العميقة، بحيث كان يشرفني بالحضور إلى بيتي.
وقبل ثلاثة أشهر جمعني به لقاء رائع على مائدة عشاء في الأردن؛ ضحكنا كثيرا، وتأكد لي أنه مفعم بالأمل وبالإقبال على الحياة بشكل سام وراق. هذا اللقاء سيظل راسخا في ذاكرتي ما حييت.
كنا ننتظر مجيئه إلى المغرب في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل لنحتفي به وبكتاباته ولكن ربنا أخذه بعدما أعطاه لنا. وسيظل دائما حاضرا في وجداننا.
عُرف عن درويش مواقفه الصلبة التي لا تتغير. كان شعره يضيء أيامنا الحالكة. وكلنا أحب شعره، كلنا اعتبره أكبر رمز للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية القومية. ومن هنا، فرحيله خسارة كبرى لن تعوض للوطن وللأمة وللقضية.
أعزي بهذه المناسبة كل مثقفي ومفكري الوطن العربي، وأعزي عائلته في رام الله والأردن.ب القاء خاص عبد الحميد عقار (رئيس اتحاد كتاب المغرب) وفاة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ـ ذي الصيت العربي والعالمي اللافت والمؤثر ـ تمثل خسارة كبرى للمشهد الشعري والنثري عربيا وإنسانيا. فقد كان درويش واحدا من أبرز شعراء هذا العصر، في شعره تنصهر وتتلاقح غنائية عميقة متحررة من الرخاوة ومن البكائية، وذلك في رمزية مثقفة ذات عمق كبير. كما كان في إبداعه الشعري والنثري يمتلك قدرة خاصة على الاشتغال على النبرة الساخرة.
لقد ملأ بشعره فراغات الروح والوجدان لدى قرائه وقارئاته، وأشبع فضولهم الفكري والجمالي، بغنى الصور، بكثافة العبارة، بقوة الإيحاء، بتملكه الخاص ليس فقط للثقافة العربية برمزياتها، بل للثقافات الإنسانية في قيمها الإبداعية والفكرية. تميز محمود درويش، كذلك، بوصفه شاعرا، بإلقاء شعري خاص استرعى اهتمام المهتمين بالشعر، من غير الأدباء والشعراء. في هذا الإلقاء تتضافر الكلمات والعبارات والجمل بصور شعرية وبظلال المعنى، هذا المعنى الذي يشكل في شعره موضوع بحث واستقصاء وتطلع. لدرويش جانب آخر، هو نضاليته الثقافية والسياسية لصالح حرية الإنسان والإبداع. ومن خلال ذلك حرية الشاعر وحقه في الوجود.
كانت لدرويش علاقة خاصة بالمغرب منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث تعود المغاربة ممن يتذوقون الشعر على حضور أمسياته الشعرية والقوية والمعبرة والتي لا تكرر نفسها أبدا. مكانة درويش في المغرب وصلة المغاربة به عمقت من الارتباط الوجداني بهذا الشاعر وارتباطه هو بالبلد وأهله.
لذلك فالخسارة ـ كما قلت ـ كبيرة جدا. ولعل آثاره الشعرية العميقة وإبداعاته النثرية المميزة تخفف من هول هذا الرحيل المفجع وتسمح بهذا العزاء.
أجمل هدية لشعبه عبد الرحمن طنكول (الرئيس السابق لبيت الشعر في المغرب) مما لا شك فيه أن موت الشاعر محمود درويش خلف أثرا قويا في نفوس كل المبدعين والشعراء والمثقفين سواء في عالمنا العربي أو على المستوى العالمي، نظرا للقيمة الشعرية المتميزة التي طبع بها هذا الشاعر المُنجَز الإبداعي مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
ويعتبر محمود درويش من مؤسسي القصيدة الحديثة الملتزمة، فقد استطاع أن يخرج بالقصيدة من القوانين الشعرية المعروفة خاصة تلك التي عرف بها الشعر الملتزم إبان الأربعينيات والخمسينيات، سواء في أفريقيا أو أوروبا، بحيث استطاع أن يضع القضية الفلسطينية في قلب الشعرية العالمية، مع الارتقاء بها إلى أعلى مدارج الإبداع، ما جعله يتبوأ مكانة خاصة في المشهد الشعري العالمي. فدرويش ارتبط شعرياً بالقضية الفلسطينية، لكن بإبداعية كبيرة، استطاع بها أن يعطي لهذا الشعر قوة جعلته يتسامى على مختلف الأجناس الأدبية، فالقصيدة عنده تأخذ تارة لونا نثريا، وتارة لونا رومانسيا أو سورياليا، وهذا ما جعله ينفرد بموقع داخل الخريطة الشعرية العالمية.
لم يؤثر محمود درويش في الشعر الفلسطيني والعربي والمغربي فقط، وإنما أيضا في الشعر العالمي، أينما حل وارتحل. كان يحمل وطنه في يده، ويحمل قصائده في قلبه، ليجعل منها فضاء للتلاقي والتلاقح بين مختلف أصوات الشعوب التواقة للحرية والانعتاق. وباختياره للغربة فإنه ـ في الحقيقة ـ اختار أن يعطي للشعب الفلسطيني والإبداع الفلسطيني موقعا على امتداد الكرة الأرضية، فكان بذلك أحسن سفير للنضال الفلسطيني، وهذا ما جعل المهتمين يترجمون شعره إلى مختلف اللغات.
لقد كان درويش محبوبا عند الشعراء والكتاب العالميين، وكان محط إعجاب عند السياسيين، لأنه لم يسجن قضية وطنه في شعارات مستهلكة أو مفاهيم دغمائية، بل جعل هذه القضية قضية إنسانية، واستطاع بذلك أن يخلدها في سجل من ذهب، من غير أية نزعة شوفينية، لأن حلمه الوحيد كان دائما هو أن يمنح للإنسانية قصيدة تعمق النظر في عتمات الآتي ومتاهات المجهول لتنير الطريق أمام الإنسانية.
ولا أريد أن أختم هذه الشهادة دون أن أشير ـ مرة أخرى ـ إلى التأثير الذي أحدثه درويش في القصيدة المغربية منذ الستينيات إلى اليوم. ومن غير أن نضفي أي طابع تقديسي على شعر درويش، فيمكن لأي متتبع أن يقول ببساطة إن اسم هذا الشاعر سيظل ملتصقا بحداثة الشعر العالمي. وهذا الأمر في حد ذاته يعتبر أجمل هدية قدمها لشعبه وللإنسانية. وموته بعيدا عن فلسطين، في بلاد الغربة والاغتراب، له دلالات رمزية ستحفر لمدة طويلة في ذاكرة الشعر الإنساني.
وإذا كان الشاعر الفرنسي أراغون قال إبان مقاومة الشعب الفرنسي للنازية: اافتحوا قلبي.. تجدوا فيه باريس’، فدرويش يقول لنا وهو فاتح قلبه: القد حملت فيه الإنسانية وجعلت منه موطنا لكل الغرباءب.
بعدك ثمة بكاء كثير شوقي شفيق (شاعر يمني) برحيلك أيها الصديق الكبير يفقد مثلث الكبار الأخير أحد ضلوعه المهمين. مثلث الكبار الذي أقصده هنا هو مثلث: أدونيس ـ سعدي ـ درويش. هل أعزّي نفسي وأترابي من الغاوين إياك في اليمن، أم أعزّي العربية وشعراءها، أم أعزّي شعراء العالم بذهابك.
كم أنت كبير برحيلك! وكم نحن يتامى لفقدك! بوقت طويل ستعجز الكلمات عن توصيفك ووصفك. ولزمن طويل، طويل، ستعجز العربية عن تعويضك. لن ننساك بين فراشتين، ولن تسافر الغيوم كي ما تشردك بعد الآن، فأحمد العربي الذي كنته أو صنعت كينونته سيظل فينا رمزا للحياة كما ينبغي للفلسطيني أن يكون.
أنت لم تعد فلسطينيا؛ أنت صرت عالما في عالمنا، محيطا تتراكض إليه مياه بحارنا وبحور نصوصنا.
أيها المعلّم الأكبر، يا ساحرنا الذي علمنا ريتا وبندقيتها، والزعتر البلدي، والمزامير الأولى وتفاصيل البلاد.
أب في الشعرية العربية لا نعوضه ولا نستعيض عنه.
بعدك، ليست ثمة أغنية في البال، ليس ثمة كلام؛ ثمة بكاء كثير.
قرر أن يكون الأعلى نبيلة الزبير (شاعرة يمنية) إذا كانت الكتابة أيا كان مجالها قهراً وتحدياً للموت فإن الشاعر العملاق محمود درويش قهر الموت بطاقة أو بإبداع ما يعادل عشرات الشعراء. بمعنى أنه لا خوف عليه من حادثة عابرة كهذه، وإن كانت حادثته اليومية الأخيرة، التي يطلق عليها اسم الموت.
هذا الهزيل الذي سخر منه مرارا وعطف عليه وناجاه وخاطبه، يكفيك أنه آخر الأمر قال له: تعال، ربما لم يكن يدعو صديقا، اسمه الموت لكنه على أية حال ليس العدو الذي اسمه الإعاقة، تكفيك هذه الشجاعة، في اتخاذ القرار وهذه القدرة على تقريره، أيهما القاتل أن يقعد فوق الحياة معاقا يستثير العواطف أم يمشي إلى الخلود، مستحثا كل الإعجاب والتقدير، شخص منذ البداية قرر أن يكون الأعلى، حتى على الموت. أي حياة هنالك خلف ظلال التخيل! د. ابتسام المتوكل (شاعرة يمنية) مات محمود درويش! خبر حيّر القصيدة ووارى الكلمات. إذن أمام بلاغة الموت ماذا بوسع الأحرف الشاحبة أن تقول؟ وكيف لها أن تتجسد وأن تكتسي بالحياة؟ إنه الموت ثانية يعود ليجيب درويش القصيدة والحياة ليقول (أنا هنا، ولا أهزم!) فتبدو عبارة درويش (هزمتك يا موت) طفوليّة جدا ولا علاقة لها بمنطق النهايات وصرامة الموت. الموت ليس عدوا لأحد ولا هو بصديق لأنه موظف مخلص جدا ويقوم بعمله في صمت، ولهذا فهو لم يكن يرد على درويش أو يترصده. إنه فحسب كان ينتظر أن يأتيه دونما مقاومة ودون اعتراض.
هل مات درويش حقا؟ نعم على الأقل هذا ما تقوله الأخبار وتتناقله وسائلها. ولكن درويشهم الذي مات غير درويشنا فهو حي لا يموت. درويشنا شأن كل الشعراء الحقيقيين لا يموت لأن شعرهم يخلدهم وهم منذ اقترفوا القصيدة منذورون للبقاء.
وهكذا فدرويش منذ عرفت قصائده خصوصيتها وصار هنالك في القصيدة العربية نزعة درويشية أمكن للشاعر فيه أن يركن إلى الخلود تحت فيء الكلام .. الكلام الذي ليس يعبر.. الكلام الذي يمر ليبقى ليحفر في الروح موقعه ويغرس في روابي التذكر أشجاره.
يا لدرويش شاعرا عظيما كسبته القصيدة واستكان إلى مجدها شاعرا أنه قد خط صورته في الحروف التي صارت رفيقته وبها أدرك أي سر تحمله الاستعارات وأي حياة هنالك خلف ظلال التخيل.
سلام عليكت ولك سلام على الشعر والبهجة الممكنة ..
سلام على تربة أنجبتك وأنت تمرست في عشقها سلام على كل حرف وكل القصائد وكل الوطن.
اسم عالمي حسن مخافي (أستاذ جامعي وناقد من المغرب) محمود درويش يعد علامة بارزة في مسيرة القصيدة العربية الحديثة، وينتمي إلى شعراء الجيل الثاني في مسيرة هذه القصيدة. وقد عرف في النقد العربي الحديث بوصفه شاعرا للمقاومة؛ ولكن هذا لا يحجب شعرية القصيدة عنده، حيث عمد طيلة حوالي خمسين سنة في مسيرته الشعرية إلى تطوير هذه القضية. ومن هذه الزاوية لا يمكن الحكم على شعره حكما عاما، بل إن التطور الذي خضع له يجعل من هذا الشعر مدرسة متجددة. ولا يعني هذا أن الشاعر قد خضع لنوع من التجريب، بقدر ما عمل على تطوير نفسه باستمرار، ولذلك اندرج شعره في البداية (خلال الستينيات) في إطار ما يسمى القصيدة الملتزمة، وفي إطار هذا المفهوم اشتغل محمود درويش على إبراز القضية الفلسطينية شعرياً، دون التفريط في مقومات القصيدة لغة وصورة وإيقاعا.
ثم تلت هذه المرحلة ما يمكن أن نطلق عليه االقصيدة الملحمية’، التي عرفت عنده بالقصائد الطوال المعروفة أو ما يمكن أن نسميه القصيدة/ الديوان. ومن أمثلة هذه الأعمال امديح الظل العالي’، ‘بيروتب وغيرها من القصائد التي تستغرق دواوين شعرية بكاملها.
لتأتي المرحلة الثالثة التي عاد فيها محمود درويش إلى استبطان الذات ضمن محيطها الوطني والقومي والعالمي. ومن هنا عاد إلى كتابة السيرة الذاتية الشعرية، واحتاج ـ لأجل ذلك ـ إلى التخلي ظاهريا عن طريقته القديمة، محتفظا بجوهر القضية عنده الذي هو القضية الفلسطينية. كما استند فنيا إلى توظيف الإمكانات التي تتيحها قصيدة النثر، دون أن يكتب هذه القصيدة، لأن شعره ظل موزونا، ولكن بتنويعات كبيرة، جعلته ينخرط في تجديد الإيقاع الشعري العربي بما يسمح بابتكار إيقاعات جديدة خارج أوزان الخليل وخارج إكراهات تفعيلاته. وقد بدأ هذه المرحلة الثالثة بديوانه المؤسس الماذا تركت الحصان وحيدا؟’، وأتبعه بمجموعة من الدواوين الأخرى.
وطيلة هذه المراحل الثلاث التي تختزل مسيرة محمود درويش الشعرية ظل مشدودا إلى قضيته التي كان يعتقد أنه وُجد لأجلها، أي القضية الفلسطينية. كما أن لدرويش اجتهادات إبداعية خارج الشعر، تتمثل في نثره الذي لا يقل شعرية عن قصائده. ويتمثل ذلك أساسا في يومياته ورسائله ومقالاته المتعددة التي نُشر بعضها في مجموعات، ويبقى على المهتمين وأصدقاء الشاعر أن يجمعوا ما هو منثور منها في المجلات والصحف ولم يظهر ككتب.
إن وفاة محمود درويش خسارة كبيرة للشعر العربي خاصة وللشعر العالمي عامة، فقد ترجم إلى عدة لغات، وأصبح بذلك اسما عالميا وكونيا، بقدر ما هو اسم فلسطيني. وأتصور أنه لو أمهله الموت لسار بالقصيدة العربية الحديثة شوطا جديدا آخر، ولكن عزاء المثقفين والنقاد والشعراء العرب هو أن درويش ترك له تلامذة في جميع أصقاع العالم العربي من المحيط إلى الخليج، ممن سيحملون لواء الشعر العربي إلى العالمية.
ولادة جديدة أسامة اسبر ( شاعر من سورية) جاء موت محمود درويش كصدمة. منشأ هذه الصدمة أن الشعر العربي خسر إحدى قاماته الكبرى، ولكن موت الشاعر في الوقت نفسه إعلان لولادة من نوع آخر، لقد توقف القلب واستعادت الطبيعة عناصرها البيولوجية، ولكن محمود درويش ظل ينبض في الطبيعة الثانية التي يبتكرها الفن، وهذه ولادة جديدة للشاعر، ولادة في الضمائر وفي الأذواق وفي توق الثقافة العربية المغايرة إلى المحافظة على استمراريتها. لقد كان محمود درويش شاعراً ذا طبيعة مختلفة في نسيج الشعر العربي، وبوسعي أن أسميه شاعر القضيتين، القضية الأولى هي الجرح الفلسطيني الذي ظل يسكن جوهر تجربته الشعرية والفكرية، هذا الجرح الذي جعل الشاعر محافظاً لقضيته وعلى تجديده للصوت الفلسطيني المخنوق تحت الاحتلال. أما القضية الثانية فهي إخلاص محمود درويش للعناصر الفنية التي تجعلنا نقول عن كلام ما أنه شعر يختلف عن الكلام العادي، وفي التوحد بين قضية الفرد وقضية الإنسان ولدت قصيدة محمود درويش وستظل مستمرة عبر الأجيال والأزمنة مع الإبداعات الشعرية الكبرى، وبهذا المعنى نقول أن محمود درويش لم يمت.
هازم الموت هالة زرقا ( شاعرة من سورية) يبدو أن محمود درويش قد هزم الموت في لغته مرات عدة، فالشعر هو تمرين على الحياة، هو الذي كان في كل نص أو كتاب يستخدم كل الميثيولوجيات القديمة ليؤكد حضوره، حضورناس وانتماءنا إلى هذه الأرض التي نُنفى عنها قسراً.
محمود درويش كان المعلم الأول لجيلنا، في الحب وفي عشق الوطن، وفي مقاومة إحساسنا بالغربة والوحدة في هذا العالم القاسي. لذلك لا أعرف إذا كان يحق لي أن أقول له: عليك أن تعتذر الآن عما فعلته بنا !.

محمود جمعة-القاهرة
بنبرات حزينة تكسوها الدموع خرجت كلمات الشعراء المصريين في تأبين شاعر فلسطين محمود درويش الذي وافته المنية السبت لتؤكد أن شعره ظل عابرا للزمان والمكان معا.
وقال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي للجزيرة نت إن “درويش لم يكن شاعرا عاديا، بل هو رجل أعطى حياته كلها للقصيدة، وعاش بها زاهدا متصوفا عن المناصب والوظائف، وظل حالة نادرة بين الشعراء إذ لم تأته حالة الانقطاع التي عادة ما يمر بها الشعراء”.
دائم التجدد
وأضاف أن درويش لم يكن من الذين يعيشون على ماضيهم بل كان دائم التجديد في شعره وإبداعه، وكان يتسابق مع كل حركات التجديد في الشعر العربي لذلك اعتلى قمة هذا الشعر.
وأشار الأبنودي إلى أن الشاعر الفلسطيني الراحل لم ينزلق إلى مدراس الغموض والعنكبوتية في الكتابة، وإنما كان شعره واضحا بلا مباشرة، لأنه كان يحمل في ضميره دائما قضية الشعب الفلسطيني.
الأرفع قدرا
وقال الشاعر أحمد الشهاوي إن درويش عانى خلال الأعوام الأخيرة من “كراهية مغلفة” من بعض الشعراء، خاصة الفلسطينيين الذين كانوا يكيلون له الشتائم والاتهامات بالتطبيع مع إسرائيل، لكنه كان دائما الأرفع قدرا والأذكى تعاملا معهم، وكان لا يرد عليهم.

وأضاف للجزيرة نت “كان درويش يؤكد أنه لا يقف عائقا أمام هؤلاء المنتقدين، وأن عليهم فقط أن يكتبوا ليثبتوا أنفسهم، وأن الساحة الشعرية الفلسطينية تسعى لألف شاعر”، مؤكدا أن شعر درويش “سيبقى طويلا عابرا للزمان والمكان معا”.
وتابع الشهاوي أن درويش كان يعلم أن هذا الجدل قدره، لأنه عرف أن أستاذه وشاعره المفضل “المتنبي” ظل مثار جدل شعري وسياسي في حياته وحتى بعد وفاته وإلى الآن، وبالمثل سيظل محمود درويش مثار خلاف.
وقال إن هذا الجدل العقيم أوجع قلب الشاعر الراحل في الفترة الأخيرة ودفعه إلى السفر للعلاج.
وأشار إلى أن منتقديه كانوا دائما ما يتهمونه بالتطبيع لمجرد حضوره محفلا دوليا يشارك فيه شعراء يهود أو إسرائيليون، رغم أن منتقديه كانوا يشاركون أيضا في المحافل ذاتها.
وأضاف “بدلا من الاختلاف حول شخصه، فليبحث منتقدوه عن المكان الذي طالما كان حلم درويش وأمه أن يدفنا فيه، في قريته “البروة” التي أزالها الإسرائيليون من الوجود عام 1948″.
عصر من الشعر
واعتبر الشاعر بشير عياد أن رحيل درويش “رحيل لعصر من الشعر، لأنه رغم ما تركه من أعمال وقصائد يناطح بعضها بعضا، فإن غياب هذا الوجه والشخصية وهذا الحضور غير المسبوق خسارة كبيرة للثقافة العربية عامة والشعر خاصة”.
وقال للجزيرة نت “لا أقول إن الراحل كان رمزا من رموز المقاومة في فلسطين وحسب، بل من رموز الشموخ الشعري في أرقى صوره، وإذا كانت القضية الفلسطينية هي جوهر تجربته الشعرية، فإنه أعطى للشعر ما يزيد عن سنوات عمره المعدودة”.
وأكد أن شرخا كبيرا أصاب الثقافة العربية والشعراء العرب برحيل محمود درويش، مضيفا “غاب عنا هذا الوجه الجميل والابتسامة الصادقة، والأستاذ الذي تعلمنا منه قبل أن نراه أو نقابله.. رحمه الله وأسكنه جناته”.
قضية إنسانية
وقال الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي إن محمود درويش استطاع بحنكته الفنية أن يتفوق على أقرانه في مصر والعراق والشام والمغرب العربي وفلسطين.
وأضاف أن أهم ما يميز درويش هو علاقته بالقضية الفلسطينية التي ابتعد بها عن العنتريات والحماسة، وحولها إلى قضية إنسانية للتعبير عن حق الإنسان في أن يكون له وطن وبيت وصديقة وحبيبة.
وأوضح أن أهم ما اعتنى به درويش هو لغته الخاصة التي تفرد بها عن غيره، والتي تشير إلى استيعابه للمنجز الشعري العربي، وهذا ما يجعل شعره باقيا وإضافته مميزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى