صفحات الناس

من جملة كتب سليمان

null
أحمد عكو
ولدتُ في بيت، لم أجد فيه سوى كتاب واحد مهترىء كتب عليه: (من جملة كتب سليمان)، أخي الكبير  خربش عليه توقيعاً أكبر من عنوان الكتاب ، لم يُدخل بعدها إلى البيت كتاباً أو مجلة، انغمس في غمار السياسة ومكائدها، مستمتعاً بنكهتها ومشقاتها.
كنتُ بحاجة إلى كتاب يثير اهتمام طفل، دُفع به صغبراً إلى بيت  الملاً (سيدا) قاسي القلب، الفظ الغليظ، نال منه العقاب بعدد الآيات التي تعلمها، وأهيل على جسمه خيزرانات بعدد المدْات والإظهار والإدغام بالنون أوالتنوين.
بالكاد تخلصت من دروس الدين، لألتحق بالمدرسة الحكومية، لأشهد أفظع كارثة انسانية: ثلاث مائة وردة تفتحت للتو، أطفال يرمى بهم في النار،  يرحلون باكراً في حادث حريق سينما عامودا. ملأ الرعب قلبي إلى الآن، ولازمني الخوف، وصار علة لكل أزمنتي الحزينة  القادمة.
أُلزمنا بقراءة الكتب الدينية التي كان المدرسون السلفيون القادمون من بلاد شاما شريف، أو مصر العروبة أم الدنيا،  يفرضونها على التلاميذ بتشجيع من الأهالي، أُتخمنا بأفكار سلفية جامدة، وشوفينية بغيضة من العروبيين.
تنقلتُ بين كتاتيب، ومدارس طينية، وتكايا القادرية والرفاعية والنقشبندية وزوايا المتصوفة، والتي كانت المدينة تضج بها على نقر الدفوف، وإنشاد المدائح النبوية في حلقات الذكر الصوفية.
طردني الشيخ من تكيته، لأنني قلت له مرة: إنك تخطىء في تلاوة بعض الآيات، قال: اذهب إلى الجحيم يجب أن تكون بين يدي شيخك  كالميت بين يدي الغاسل ، ذهبت  إلى الشيخ المتنور: عفيف الحسيني ، ذي القلب الكبير والجسم النحيل ـ أمد الله في عمره ـ، حيث علوم اللغة والأدب الكلاسيكي، والشعر الصوفي الرقيق: البوصيري، شوقي، ابن الفارض، العقاد، وطه حسين؛ وكانت قطيعة لارجعة فيها  للزوايا والتكايا.
هرولنا نحو اليسار وفكره المغاير، قرأنا لتولستوي، بوشكين، تشيخوف، وغوركي، دون أن نقرأ نشراتهم الحزبية، كي لا يعيدونا إلى خندق الانعزالية والنهج الواحد والتزمت.
استهوتنا كتب كولن ولسن، والدادائيين، ورسومات دالي، وضياع في سوهو وعامودا ودمشق، فألتقي بخالي : الشاب المتنور والحالم بعالم جميل في الغرب ، لم يكتب له العمر المديد، رحل باكراً وهو في السنة االرابعة في كلية الحقوق.التقيت به في خمارة الحسناء اليونانية، المطلة على سينما الكندي بدمشق،  حيث النادي السينمائي الطلابي، والأفكار الليبرالية السمحة والرغبة في الهجرة إلى بلاد الديمقراطية  والحرية.
اندفعتُ إلى رومانسيات جبران والرحابنة ونزار قباني، لأحب باكراً، لكن لم يكتب لهذا الحب  أن يعيش بشكل كامل، فقد كنتُ أحاول أن أكوْن ذاتي منذ الصغر، أعيش متفرداً في نفسي، أستعيد رباطة جأشي عند كل انتكاسة، أعيد ابداع نفسي، قررت، وأنا صغير، أن أكون نفسي لا شخصاً آخر، هجرني الجميع، وبقيتُ مع نفسي، وثلة قليلة من أصحابي، هربنا من الأيدولوجيات ونصائح الجاهلين، أغلقنا الأبواب على السياسة والجدل العقيم، لنلهث وراء القصيدة الحديثة: أدونيس، درويش، قباني، وسليم بركات، صار عندنا هم كبير، واتخذنا قرارات كبيرة، لكن قلقنا كان يزداد أكثر .
منتدى عامودا  الأدبي، الذي تأسس في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، بمبادرة من أصدقاء الكتابة، حررنا من السلفية الضيقة، والماركسية المتزمتة، والقومية الشوفينية، ولفترة ليست بقصيرة تركنا كلاسيكيات الروس،  نزعنا عن كاهلنا معطف غوغول، ونسينا أم غوركي، لنذهب إلى عشيقات نزارقباني، لتزداد غربتنا،  وتكثر كبواتنا، ويتشتت الأصحاب، ويضيعوا في الأصقاع،هروباً من الحاضر اليومي الكئيب والممل، وسعياً وراء القبض على الحقيقة الموجودة في الصمت الذي لازمنا طويلاً؛ بحثاً عن مسألة الحرية التي شغلتنا أكثر من الخبز.
انطفأ بريق هذا المنتدى الجميل، وخلف لنا أحزاناً، وركاماً من الذكريات، نجترها كل يوم أحزاناً حلوة  تأتينا بشكل جمرات تلتهب، ومشاعر تنضج الآن، ويتخمر فيها الأسى عابساً وحزيناً، لكن دون نواح.
شيب الكهولة، صار يسطر بخيوطه على لحانا وشعرنا المتساقط، سقوط طيشنا ولعبنا الصبياني الجميل،  لم أعد أرى صديقي الذي كان يصحبني في ليالي الشتاء الباردة بود ووئام، نحتسي نبيذاً يدفىء روحنا قبل أجسامنا.
لقد صار هشاً مثلي، وصار بردنا أشد، وصرنا في حديقة الأحلام الذابلة أوراقاً ساقطة  لفصول خريف كثيرة، وظلت الذكريات تتعقبنا كالظل، تريد أن تسحقنا، ونحن نريد أن نقفز فوقها، وننسى عالمنا البائس الحزين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى