صفحات من مدونات سورية

قهوة يوم الأحد – الكسولة – : هل سنشفى يوما ً من حب ّ تونس !؟

في الواقع قهوة هذا الأحد لم تكن كسولة ً أبدا ً ، استقيظت ُ باكرا ً جدّا ً و كعادتي في الأيّام الأخيرة الماضية توجهت ُ ، و قبل َ أن أكمل َ فتح َ عيني ّ ، إلى شاشة الكومبيوتر أجتر ّ أخبارا ً ، حركت ُ الماوس و من ثم ّ تحديث للصفحة و بدأت ُ أقرأ الأخبار . تونس ، تونس ، يا الله يا تونس ، مازلت ُ تحت َ تأثير الصدمة و مازلت ُ لا أصدّق ُ أنّ شعبا ً عربيا ً في يومنا هذا إستطاع َ أن يقول َ كلمته ُ – كلمة الحق ّ – و أن يرفعها فوق َ كلام الشعارات و الخطابات . لا أصدّق ُ أن ّ شعبا ً عربيّا ً انتفض َ هكذا ، ضد ّ الطغيان و ضد ّ الظلم و ضدّ الجوع ، شععبا ً قرر َ أنـّه ُ يريد ُ غدا ً أفضل ، يريد ُ خبزا ً دون َ ذل ّ ، شعبا ً أراد َ الحياة فكانت له ُ الثورة .
عندما أفكـّر بالذي حصل َ في تونس تنتابني مشاعر غريبة ، ربما أشعر ُ برغبة ٍ بالزغردة كالنساء قديما ً ، بالرقص فرحا ً ، بالبكاء ، فرحا ً أو حزنا ً – لا يهم ّ – ، بالفخر ، نعم هو الفخر ؛ أفخر ُ بالشعب ِ الذي إنتفض َ غير آبهٍ بكلّ الخوف و العجز الذي ولد َ معنا نحن ُ جيل الهزائم . فبعيدا ً عن الخوف الداخلي ّ من أجهزة الأمن و غيرها من الذي لن أتطرّق له ،نحن ُ جيل ٌ لم يعرف مفهوم َ النصر ِ أو يجاريه سوى في كتب ِ التاريخ ؛ فأنا و معظم فئتي العمريّة في البلاد العربية – و ربما الذين يقاربون والديّ في العمر أيضا ً – خـُلقنا أو ترعرعنا و كبرنا على الهزائم و الخيانات و خيبات الأمل التي أحاطت ببلادنا . نكبة الـ 48 و نكسة الـ 67 ، خسرنا الحرب و خسرنا فلسطين و الجولان و الجنوب اللبنانيّ ، سمعنا أو رأينا و ربما عاصرنا عن قرب ٍ الحرب الأهليّة اللبنانيّة و نتائجها غير متناسين حروب الخليج التي كانت نتيجة آخرها احتلال العراق و خسارة دولة ٍ عربيّة ثانية . الخلافات العربيّة بين بعض الحكـّام العرب و شتمهم الدائم – الذي بات َ نكتة ً متداولة – لبعضهم البعض أمام الإعلام العربي ّ و ربما العالمي ّ و الذي يجعل ُ منهم و منـّا – الشعوب العربيّة عامة ً – أضحوكة ً أمام أنفسنا و أمام العالم، التعاون العلني ( أو الشبه علني ) لبعض الحكام العرب مع إسرائيل العدو ، كل ّ ذلك و الكثير جدّا ً من التفاصيل الأخرى التي تجعل ُ منّا جيلا ً لم يعاصر أي ّ نصر ٍ شعبي ّ ، حقيقي ّ بعيدا ً عن الأحلام لتي هي بدورها باتت مملّة ً . جيل ٌ إكتفى بالقراءة عن الثورات و النصر في التاريخ كما يقرأ عن القصص الخياليّة و السندريلا التي تنتظر ُ أميرا ً يلبسها الحذاء السحريّ ؛ بتلك َ الرومنسيّة و الكلاسيكيّة و انتظار المعجزة التي ترفع ُ بسندريلا إلى قصر الأمير قرأنا عن الإنتصارات التاريخية و حلمنا بها ( ربما أمكننا إدراج إستثناءات طفيفة هنا و هناك و لكنها تكاد ُ لا تذكر ضمن َ جروف ِ الهزائم )
أمـّا تونس فلم تكن حلما ً كلاسيكيا ً او رومنسيا ً ، تونس اليوم حقيقة ، الحقيقة الكبرى و الأولى في تاريخنا ( نحن ُ جيل الهزائم ) . تونس هي الحدث الأوّل الذي بإمكاننا أن نحدّث َ أبناءنا و بناتنا و من بعدهم أحفادنا عنه ُ بفخر . نحدثهم عن ثورة ٍ عربيّة ٍ على طاغية حتـّى اسرائيل العدوّة فضحته ُ و أشهرت أنّه ُ كان يعتبرها صديقة و أنه من أهم ّ المؤيدين سرّا ً لسياستها بالمنطقة . ثورة لا تندرج ضمن َ كتب التاريخ و حسب ، ثورة شعبيّة ٍ تضامنت فيها كل ّ فئات الشعب بعفويّة ٍ و إرادة ٍ ، ثورة كان الإنتماء الأكبر ضمنها لتونس الوطن و ليس َ لأي ّ دين ٍ أو طائفة أو حزب ٍ أو غيرها، ثورة حرّكتها الرغبة بغد ٍ أفضل ، الجرأة لقول ” لا ” للظلم و ألف ” لا ” للذل ّ و لإمكانيّة العيش تحت ظل ّ نظام ٍ يمكنه ُ فيه موظـّف أن يصفع َ مواطنا ً لمجرّد أنه ُ موظـّف ذا سلطة ٍ و ذاك مواطن دون سلطة . ثورة لم يرفع الجيش ُ فيها سلاحه ُ ضد ّ شعبه ِ ، بل تضامن معه ُ و إكتفى بممارسة ِ واجبه العسكريّ دون إراقة دماء تونسيّ لتونسي ّ .
ثورة تقشعرّ لها الأبدان !
“محمد البوعزيزي ” ، عندما يمر ّ هذا الإسم في الهواء ، اصمت ُ بشدّة ٍ لأن ّ شيئا ً في بحور اللغة جميعها لا يمكن ُ أن يشبه رائحة إسمه ِ في الهواء، الشاب العشريني ّ الذي و إن لم تكن نتائج حرقه ِ لنفسه ِ الثورة ، لاعتبرَ الكثيرين أنّ فعلته ُ ليست سوى تهوّر أو طيش شباب و لكن ّ رمزيّة الحادثة ، إرتباطها بالعجز و الذلّ و ” حرقة القلب ” قبل الجسد ، أشعلت الثورة التونسيّة .
أفكـّر ُ كثيرا ً عندما أختلي لنفسي و يمرّ إسم البوزعزيزي في ذهني ، ماهو َ يا ترى رأي والدته ؟ والده ؟ زوجته أو حبيبته ؟ أصدقاؤه ؟ بالحادثة ؟ كيف َ تلقوا خبر َ حرقه ِ لنفسه ِ ، و من ثم ّ كيف َ تلقوا الأخبار التي لحقت ْ بذلك ؟ ما عساهم يقولون اليوم بعد َ أن سقط َ نظام الحكم في تونس نتيجة فعلته ِ ؟
الكثير من الأسئلة تدورُ في ذهني في كل ّ مرّة أمر ّ بها بإسم البوعزيزي و لا أعرف ُ لها أجوبة ً و أنا على أغلب الظن لا أريد ُ أن أعرف َ أجوبتها أو أقرأها مكتوبة ً على ورق ، بل أريدها أن تبقى هكذا مفتوحة النهايات ، حرّة ً كالثورة ، سعيدة ً بتونس الذي ستخـلـّد ُ إسم البوعزيزي و تحفظه ُ و تدرّسه ُ لأجيالها القادمة بفخر ٍ . رجل ثورة النار ، ثورة الجياع ، ثورة الياسمين التونسي ّ الأخضر .
و السؤال المطروح اليوم : ماذا بعد َ تونس ؟ هل ننتظر ُ مفاجأة ً أخرى في دولة ٍ عربيّة ٍ أخرى ؟
من الواضح جدّا ً التفاؤل و الإرادة و الرغبة بالتغير التي عمـّت لشارع العربي ّ بكل ّ أقطاره ِ ، ربما كانت هذه هي َ عدوى الثورات كما اسمتها الصديقة أسماء الغول .
من المفهوم جدّا ً ، و المتوقـّع أيضا ً ، الأمل الذي سرى في عروق الشعوب العربية التي كانت قد فقدت الأمل بالتغيير . شعوب ٌ تعاني الفقر و يحجز ُ الجوع ُ مقعدا ً على موائد أسرها ، شعوب ٌ تعيش ُ ضغوطا ً إقتصاديّة كبيرة و تسكت ُ لأنها لم تفكـّر يوما ً أنها تستطيع أن تفعل َ شيئا ً أو تحرّك ساكنا ً ، أمـّا بعد َ تونس و معايشة أحداث تونس و بساطة إندلاع الثورات عن قرب ، فإن ّ بذرة الأمل بداخل ِ كل ّ مواطن ٍ عربي ّ محروم ٍ قد شعرت بقطرة مطر ٍ تونسيّ بعد َ جفافٍ عربي ّ طويل. و أصبح َ عددا ً كبيرا ً من الناس يردد ُ ( كما قرأت على إحدى صفحات الفيس بوك التي لا أذكر ُ أياها لكثرتها في هذه الأيّام ) : بما أن ّ الشعب التونسي ّ قد فعلها فأي ّ شعب ٍ بإمكانه ِ أن يفعلها.
و أعتقد أنـّه ُ من هذا المبدأ تماما ً انطلقت الشعوب في تحركاتها . فبعد ََ سقوط النظام التونسي بساعات ، إن لم تكن دقائق ، سمعنا عن بعض المظاهرات في الأردن احتجاجا ً على غلاء الأسعار . كما و قام َ بعض المصريين بإنشاء صفحة على الفيس بوك ( تحت مسمى يوم الثورة على التعذيب و الفقر و الفساد ) تدعوا للتجمـّع و التظاهر في مصر بالـ 25 من الشهر الجاري . رفعت هذه الصفحة عددا ً من المطالب للحكومة المصريّة منها إلغاء العمل بقانون الطوارئ و الإفراج عن المعتقلين و زيادة الأجور و إعادة الإنتخابات . و في صفحة أخرى ( تحت مسمى أنا سوري أرفض أن أكون َ جائعا ً أو لصـّا ً ) طالب السوريون بتحسين الوضع المعيشي للشعب في سوريا و البحث الجدّي في قضايا الفساد . أمـّا في الجزائر ، و التي شهدت في الآونة الأخيرة تحرّكات موازية لتونس ، فقد قام َ ، في بحر ِ الأسبوع المنصرف، ثلاثة أشخاص ٍ بإحراق أنفسهم إحتجاجا ً على البطالة في البلاد . اليمن بدورها أيضا ً خرجت في مظاهرات ٍ تأيديّة لتونس و تهديديّة ٍ للحكومات العربية ردد فيها المتظاهرون “أين الثورة والوحدة .. أصبحنا ملك الأسرة” و “ثورة ثورة يا شعوب ضد الحاكم المرعوب” كما نصح المتظاهرون الحكّام العرب إلى الإستماع لمطالب شعوبهم و ألا يتأخروا في فهمتها حتى حتى لا يُجبروا الشعوب على “إفهامهم” بالطريقة التي حصلت لبن علي ( المصدر ) . كما و أسس َ البعض ُ الآخر صفحة ً على الفيس بوك ( دعوة للسير على نهج تونس في السعي إلى الحرية و الديمقراطية ) تدعوا جميع الدول العربية إلى السير ِ على خطى تونس .
و لكن ، و برأي الشخصي ّ ، لا نحتاج ُ اليوم في جميع الدول العربيّة لإسقاط الأنظمة كما في تونس ، فالأوضاع السياسيّة المحيطة لا تتحمـّل فوضى عامـّة في المنطقة بأكملها في آن ٍ معا ً ، و لكن من الواضح أعلاه ُ أن ّ الشعوب لديها ما تقوله ُ لحكامها ، لديها مطالب و رغبات و حاجات و هنا تماما ً تكمن المعادلة الصعبة بكيفيّة التواصل و الوصول إلى تلك المطالب بأقل ّ الخسائر الممكنة.
فهل سنقول يوما ً – كما قال محمود درويش محدّثا ً تونس :
هل نقول لك شكرا ً ؟
لم أسمع عاشقين يقولان شكرا ً
و لكن ْ شكرا ً لك ِ لأنـّك أنت ِ من أنت ِ
حافظي على نفسك يا تونس
http://www.freesham.com/2011/01/blog-post_2643.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى