صفحات الناس

لماذا تحجم الرساميل السورية المهاجرة في العودة إلى الوطن الأم؟

null
مروان دراج
تعقيدات الاستثمار ما زالت على حالها.. ودغدغة الأحاسيس ومشاعر الحنين ليس كافياً؟

منذ إقلاع عربة الإصلاح من محطتها الأولى، مطلع الألفية الجديدة، والحديث يتواتر في المؤسسات الرسمية والمنابر الإعلامية حول ضرورة استعادة الرساميل السورية المهاجرة، والمقدرة بنحو (90) مليار دولار على أقل تقدير، والكل كان وما زال يعوِّل على استعادة هذه الرساميل إلى موطنها الأصلي، بهدف توظيفها والاستفادة منها في رفع نسب النمو، وإحداث المشاريع الاقتصادية لتوفير فرص العمل، وامتصاص الفائض الكبير من القوة العاملة التي لا تجد عملاً والمقدرة بأكثر من (13 بالمئة، ومن أجل البدء برحلة استعادة هذه الرساميل، تمَّ خلال العام 2002 إصدار المرسوم الرئاسي الذي يقضي بإحداث وزارة للمغتربين، وهي بلا شك كانت خطوة غير عادية على طريق التطوير والتحديث، وأضافت بصمة إيجابية ضمن رزمة القوانين والتشريعات التي صدرت على مدار نحو تسع سنوات.

غير أنَّ الأمر الذي يتعيَّن البوح به وبكثير من الجرأة والشفافية، أنّ ثمة استحقاقات يفترض حضورها، قبل أن تشق الرساميل المهاجرة طريقها إلى الوطن، فالحديث وبلغة الوعظ الأخلاقي ودغدغة المشاعر الوطنية ليس أمراً كافياً، حتى إنّ المواطن العادي حفظ هذه اللغة أو الأسطوانة عن ظهر قلب، كونها تشكل صورة (فوتوكوبي) لدعوات ورغبات يتم الترويج لها منذ سنوات بعيدة، كلمَّا بادرت وزارة المغتربين بتنظيم أنشطة وندوات ومؤتمرات تعالج مشكلات المغتربين الاجتماعية والاقتصادية.

والاستحقاقات التي نعنيها والتي كان يفترض حضورها منذ وقت طويل نسبياً، لا تتمثل فقط بإصدار رزمة من القوانين التي تندرج في إطار الإصلاح التشريعي، وأيضاً ليس المطلوب الاستمرار وبخطوات متسارعة في تقليص دور الدولة الاقتصادي ومنح المستثمرين ورجال الأعمال المزيد من المزايا والتسهيلات..، بالضرورة كل ما أتينا على ذكره، أكثر من ضروري، لكن وحده لا يكفي إن لم يكن محكوماً بإصلاحات إدارية مواكبة وبالتوازي مع الإصلاح التشريعي والقانوني، فالتباهي بمناسبة أو غير مناسبة، بالجانب الكمي للتشريعات والقوانين لا يستقيم ولا يبعث على الرضا دون تبسيط الإجراءات في منح تراخيص الاستثمار والتقليل ما أمكن من الاشتراطات والتعاملات الورقية من كابوس الروتين والبيروقراطية، فالإصلاح الإداري بمعناه الشامل والواسع إن لم يكن عنواناً موازياً لمثيله التشريعي والقانوني، سوف يفرغ الإصلاح من مضمونه الحقيقي، فالإصلاح الإداري في وزارات أساسية مثل المالية والاقتصاد والصناعة، هذا الإصلاح وبشهادة التجار ورجال الأعمال وأصحاب المنشآت الصناعية، يشق طريقه بكثير من التردد وبخطوات لا تشبه سوى خطوات السلحفاة. وللدلالة على هذا الكلام الذي يتكثف حضوره حتى من جانب الناس العاديين، أنَّ المواطن العادي الذي يتوجه إلى الدوائر الحكومية بهدف إنجاز معاملة بعينها، ما زال يشكو ويتأفف ويظهر الاستياء وعدم الرضا، كما أنَّ انتعاش ظاهرة اللجوء إلى معقبي المعاملات هي بمثابة برهان لا يقبل الشك أو الجدل على ازدياد التعقيدات الإدارية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنَّ المصادقة على وثيقة عادية من القصر العدلي بدمشق، بحاجة لتبديد ما يزيد على الثلاث ساعات، ويمكن إنجازها بدقائق في حال (دفع المعلوم) لبعض العاملين أو المستخدمين في أروقة القصر العدلي. وأيضاً الحصول على قيد عقاري من المصالح العقارية في دمشق وسواها من المحافظات، يستلزم الانتظار لمدة زمنية لا تقل عن الثلاثة أو أربعة أيام، في حين وكما هو حال الوثيقة في القصر العدلي، هناك من ينجزها بأقل من نصف ساعة، وأمّا في حال الحصول على سجل تجاري أو صناعي وإنجاز معاملة (حصر إرث) أو الحصول على رخصة بناء، فهذا يستوجب مدة زمنية قد تبدأ من الشهرين ولا تنتهي عند حدود العام الواحد. بمعنى أو بآخر، مثل هذه الأساليب في التعاطي، كانت وما زالت طاردة للاستثمار والمستثمرين ورجال الأعمال. والنافذة الواحدة الخاصة برجال الأعمال والمستثمرين في وزارة المالية على وجه التحديد، ويتباهى بها هذا المسؤول أو ذاك ويعتبرها إنجازاً، لا تعني في معانيها الجوهرية سوى انتقال العمل الإداري الورقي إلى طور العمل على الحاسوب الذي بات من منسيات الشعوب، في حين، أن النافذة الواحدة، وبمعناها الإداري العملي وليس اللفظي، ينبغي أن تقود إلى تكثيف المرجعيات الرسمية، بمرجعية ممثلة بموظف واحد وضمن ورقة ثبوتية واحدة أو اثنتين على أبعد تقدير. وهذا الأداء بات من المنسيات في بلدان قطعت مسافات تحسد عليها لجهة جذب الاستثمارات، ولعلَّ ماليزيا التي نسعى إلى التشبه بها، والارتقاء بعلاقات تجارية مميزة معها، والاستفادة من تجاربها هي المثل والمثال لنا ولغيرنا.

وأيضاً إذا كنَّا نأمل بعودة الرساميل السورية المهاجرة، فإنَّه يتعين إعادة النظرية من جديد برزمة التشريعات والقوانين التي تخص التجارة والصناعة والضرائب، فالرسوم والضرائب على سبيل المثال المعمول بها في سورية، ما زالت في غالبيتها تزيد عن مثيلاتها في دول عربية كثيرة، سواء لجهة ضريبة الدخل على الأرباح أو الضرائب والرسوم المفروضة على المواد الأولية المستوردة من الأسواق الخارجية. والأمر المعروف أنّ غالبية الضرائب باتت تصل إلى نقطة الصفر في معظم دول العالم، انطلاقاً من أبجديات ألف باء دروس (عولمة الاقتصاد) والتي تشير أنّ الضرائب والرسوم تزيد من تكلفة المنتج وتسهم في حرمانه من فرص الدخول إلى ساحات المنافسة الخارجية، ما يعني تراجع الأداء للرساميل السورية في حال عودتها إلى الوطن، وهذا سيشجع مرة أخرى في هجرة الرساميل والأموال الموظفة إلى بلدان المهجر من جديد.

مرة أخرى نقول: لابدَّ من العمل على عودة الرساميل السورية المهاجرة وعودة المهاجرين السوريين الذين يقدر عددهم بأكثر من (20) مليون مغترب، فهؤلاء ليسوا فقط أصحاب شركات ورساميل ومشاريع اقتصادية، وإنما أيضاً، هناك أطباء وجراحون ذاع صيتهم وحققوا شهرة تجاوزوا من خلالها حدود البلدان التي هاجروا إليها، وهناك مهندسون ومخترعون وعلماء في التكنولوجيا والتقنيات الحديثة يشكلون أعلاماً في ميدان تخصصاتهم، وثمة آخرون اشتهروا في الصناعة والتجارة..، ولهذا كله لابدَّ من السعي إلى عودتهم وإنما بعد المضي برحلة الاستحقاقات التي كانت وما زالت تمنع من حضورهم وعودتهم التي طال انتظارها.

سيرياستيبس 31/7/2009

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى