صفحات سورية

هل «الصفقة الكبيرة» ممكنة بين واشنطن وطهران؟

null
باتريك سيل

تظهر علامات مرحّب بها لبداية حلحلةٍ في علاقات الولايات المتحدة الأميركية العدائية والجامدة مع إيران – إن لم يكن خلال الأشهر المتبقية من ولاية الرئيس جورج بوش، فخلال ولاية خلفه. وللمرة الأولى منذ سنوات عديدة، تتم مناقشة هذه الإمكانية بشكل فعّال ويتم تصورها من قبل صانعي السياسة الأميركيين ومجموعات الفكر النافذة.

وتفيد مصادر في واشنطن أن الفريقين الديموقراطي والجمهوري باشرا البحث في إمكانية تبني تحوّل جذري في السياسة الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية ما أن تتسلّم الإدارة الجديدة مقاليد الحكم في كانون الثاني (يناير) سنة 2009.

وصرّح باراك أوباما، المنافس الديموقراطي الذي يتصدّر المتنافسين على ترشيح الحزب، انه إذا انتُخِبَ رئيساً، سيسعى عندئذٍ لإشراك إيران في حوار واسع النطاق.

ويعتبر ذلك أحد وجوه الاختلاف، وان لم يكن الوجه الوحيد، الذي يجري التحضير له الآن مع خطوط أساسية في سياسة بوش الخارجية، ولا سيما «الحرب الشاملة على الإرهاب»، والتي اعتبرت مسؤولة بشكلٍ كبير عن ارتفاع خطر التهديدات الإرهابية على الولايات المتحدة وحلفائها بدلاً من تراجعه.

ومن الدوافع الكامنة وراء الحاجة إلى تغيير التوجه الحالي هو الإدراك المتنامي بأن السياسة الخارجية التي اعتمدها بوش تجاه العالمين العربي والإسلامي – والواقعة تحت التأثير الواسع للمحافظين الجدّد الداعمين لإسرائيل – انتهت الى فشل كارثي. وأدت هذه السياسة إلى تقويض صدقية أميركا حول العالم وظهور حالة كبيرة من عدم الثقة.

وشكّلت حربا بوش في العراق وأفغانستان – وتشكلان دائماً – كارثتين باهظتي الثمن. كما أنه، رغم دعوته إلى اتفاق فلسطيني – إسرائيلي قبل نهاية ولايته، فهو لم يدفع بمسألة السلام إلى التقدّم ولو لدرجة صغيرة. بل على العكس، استفزّ الغضب العربي والإيراني والإسلامي من خلال دعمه لحربين سيئتي التخطيط ضدّ «حزب الله» وحركة «حماس»: الأولى أدّت إلى دمار كبير وخسائر في الارواح في لبنان، والثانية أدّت إلى حصار متوحّش على جميع سكّان غزّة، وهو «عقاب جماعي» مستمر يشكل خرقاً صارخاً للقانون الدولي.

إلى ذلك، سجّل بوش فشلاً ذريعاً آخر تمثّل بالجهد الذي بذله لدفع إيران إلى تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم. وأتت النتيجة معاكسة، فقد ضاعفت إيران جهود تخصيب اليورانيوم من خلال إنشاء جهاز طرد مركزي متطوّر في مجمع ناتانز النووي. وفي الوقت نفسه، أطلقت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على إيران، ومحاولاتها تقويض النظام المصرفي لإيران واقتصادها، إضافةً إلى التهديد بشن ضربات عسكرية، ردّة فعل وطنية في إيران وحوّلت البرنامج النووي إلى قضية وطنية.

وخلال الأسبوع الجاري بالتحديد، وفي ذكرى قيام الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979، صرّح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، أمام حشد من مليون شخص في طهران قائلاً: «يجب أن يدركوا أن الامة الايرانية لن تتراجع مقدار ذرّة عن حقوقها النووية». وساهم وقوف إيران في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل في المسألة النووية، وفي ملفي العراق وفلسطين، في تعزيز نفوذها في المنطقة.

وسيشكّل تقرير رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينّا، محمد البرادعي، المقرر صدوره في 20 شباط (فبراير) الجاري، مساهمة حاسمة في الجدل القائم حول كيفية التصرّف حيال إيران. ومن المتوقع أن يحتوي التقرير على إجابات على أسئلة طرحتها الوكالة عن نشاطات إيران النووية السّرية خلال الثمانينات والتسعينات.

وسيتم التدَقيَق في تقرير البرادعي لمعرفة ما إذا كان يؤكّد أو يختلف مع تقييم اجهزة الاستخبارات القومية الأميركية، الذي خلص في كانون الأول (ديسمبر) الماضي إلى أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري سنة 2003.

ويخشى صقور الإدارة الأميركية – وفي إسرائيل – من أن تعطي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران شهادة براءة ذمة، فتتبخّر بالتالي إمكانية فرض عقوبات أقسى عليها من خلال اصدار قرار ثالث عن مجلس الأمن. وسبق للصين وروسيا، إلى جانب اعضاء غير دائمين في مجلس الأمن مثل جنوب أفريقيا، أن أشاروا إلى أن موافقتهم غير مرجحة على أي قرار مماثل.

أما بالنسبة إلى العالم العربي، فالواضح أن محاولات أميركا لحشد ما يسمى «المعتدلين» في الحلف المعادي لإيران فشلت أيضا. لقد أوضحت كلّ من مصر ودول الخليج والمملكة العربية السعودية أنه لا نيّة لها بالمشاركة في أي حملة مماثلة تقودها الولايات المتحدة الأميركية.

وفي مقابلة مع صحيفة « لاريبوبليكا» الإيطالية، الاوسع انتشاراً في ايطاليا، في 31 كانون الثاني (يناير) الماضي، سُئِلَ الرئيس المصري حسني مبارك، «هل طلب منك الرئيس بوش إقامة جبهة مشتركة ضدّ إيران؟» فأجاب: «الوقت ليس ملائما كي نلجأ إلى التهديدات أو استخدام القوة. ولا يؤدّي ذلك سوى إلى إشعال منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره. إن ما نحتاج له هو الحوار والديبلوماسية.

«ويخضع التقرير الاستخباراتي الأميركي بشأن طموحات إيران النووية لتفسيرات متناقضة، إلا أنه في أيّ من الأحوال يمهّد الطريق للديبلوماسية. ولا بدّ من شفافية أكبر من الجانب الإيراني وليونة أكثر من جانب المجتمع الدولي».

ولدى سؤاله عما إذا كانت مصر تدرس اعادة العلاقات الديبلوماسية مع إيران، المقطوعة منذ الثورة الإسلامية سنة 1979، أجاب مبارك: «هناك العديد من المسائل على طاولة البحث، إنما لدى حلّها سنكون عندئذٍ مستعدّين لإقامة علاقات ديبلوماسية من جديد». وبعيداً عن عزل إيران، تسعى مصر لإقامة روابط معها». ويعتبر ذلك تطوّراً بالغ الأهمية.

وبين إيران والمملكة العربية السعودية حال من عدم الثقة. إلا أنه، وبعد انطلاقة متحفظة سنة 1998، بدأ الانفراج ينمو في علاقات القوتين الإقليميتين، إلى حدّ قيام رغبة في التعايش بينهما. كما بذلت الحكومة السعودية جهودا حثيثة لتحسين اوضاع الأقلية الشيعية لديها، والموجودة بشكلٍ أساسي في المنطقة الشرقية.

أما بالنسبة الى دول الخليج، فهي تنشط حاليا في التعامل التجاري مع إيران وتعارض كلّياً أي سياسة مواجهة وإكراه أميركية. وفي مداخلة لها خلال مؤتمر عقد هذا الشهر عن إيران في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، ذكّرت الدكتورة ابتسام الكتبي، وهي أستاذة في العلوم السياسية في جامعة الإمارات، الحضور بأن ما يقارب 10 آلاف شركة إيرانية تعمل حاليا في دولة الإمارات وأن الموجودات الإيرانية في هذا البلد تقدّر بـ66 بليون دولار، وأن إيران هي الشريك التجاري الأكبر لدول الخليج.

هذه هي الخلفية من الفشل الأميركي التي تستند إليها الأصوات المتعالية في الولايات المتحدة والداعية الى «صفقة كبيرة» مع إيران، تبدأ من محادثات غير مشروطة وشاملة بهدف حلّ الخلافات وتطبيع العلاقات الثنائية.

وخلال المؤتمر نفسه في «معهد الشرق الأوسط»، حدّدت هيلاري مان ليفريت، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، بعض الشروط لتفاهم استراتيجي بين واشنطن وطهران.

فلا بدّ للولايات المتحدة من الاعتراف بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وإقامة علاقات ديبلوماسية معها، والإقرار بدور إيران في المنطقة، والتوقف عن وصف إيران بالدولة الراعية للإرهاب، ورفع العقوبات الأميركية المفروضة من جانب واحد، وعلى العكس الموافقة على بدء حوار مستمرّ واستراتيجي مع طهران.

وبالمقابل، لا بدّ لإيران أن تقدم «إجابة نهائية» على القلق الأميركي حيال سعيها للحصول على أسلحة دمار شامل، أكانت نووية أو كيميائية أو بيولوجية. وعلى ايران أن تصدّق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقوم بتطبيقه، وهو ينص على عمليات تفتيش مفاجئة واقتحامية. كما أنه لا بدّ لإيران أن تساهم في تحويل «حزب الله» إلى حركة سياسية واجتماعية، وأن تعمل على إرساء نظام سياسي مستقرّ في العراق، وأن تعلن أنها لا تعارض حلّ النزاع العربي- الإسرائيلي عن طريق التفاوض.

وتتطلّب خارطة العلاقة الجديدة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران هذه جرأة كبيرة ورؤية من الطرفين. وهي مهمة تقع على عاتق الرئيس الأميركي المقبل. وفي حال نفّذت، من شأنها أن تحوّل صورة أميركا في العالم وتوفر مساهمة كبيرة في حلّ النزاعات القائمة في العراق ولبنان وباكستان وأفغانستان وقبل أيّ شيء آخر، النزاع بين إسرائيل وجيرانها العرب، وهو الأكثر تسمماً والأقدم بين كل هذه النزاعات.

كاتب بريطاني متخصص في قضايا الشرق الاوسط

الحياة – 15/02/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى