صفحات سوريةغسان المفلح

السياسي مصري والمثقف عربي..

null
غسان المفلح
هكذا هي الأمور في لحظة تكون فيها الجماهير عرضة لعسكر وفساد، يهتك العقول ويسكن المقابر، ويقيم كرنفالات الاستفتاء على شخصه أو شخص ما لا على التعيين، وربما في عالمنا العربي، هو معين دوما.. إنه السيد الرئيس أو وريثه، هنا في دمشق حيث يجب أن تكون مصريا هذه اللحظة، لأنك لو كنت مصريا فأنت سوري بالضرورة، ومن يمنع عنك هويتك هذه…عندما تمارس الموبقات في السياسة، كل الموبقات من دون استثناء، تتحمل وزر ذلك.. تقسمك نزعتان بين أن تحمل تعريف مثقف، أو تحمل تعريف سياسي، لأن المثقف لديه كل الحرية في ألا ينزل إلى الشارع، وألا يغمس يديه بطين البلاد، على حد قول الراحل سعد الله ونوس.. يترفع عن السفاسف السياسية، بجرة قلم وكأس عرق أو ويسكي، يخرج كل الذين بغير هواه من دينه وديدينه، وهو حر في ما يقول، أن تكون مصريا وفي هذه اللحظة بالذات، هو ان تضع أصبعك المموهة بكل ترهات الثقافة على الجرح السوري النازف قبل مصر وأثناءها وسيبقى بعدها..
قبل لأي من الزمن والزمن هذا ليس ببعيد، كنت تقول لهم’ المقارنة بين الأنظمة السياسية العربية أمر ضروري، والتعميم خيبة ومساهمة علنية في الدوس على جراح المجتمعات العربية هذه.. التعميم كان جديرا بنفاق مثقف عربي أي مثقف عربي.
مصر كان ولازال فيها ديكتاتور، وتحول بعد أحداث ميدان التحرير إلى ديكتاتور دموي، لسان حاله يقول ديمقراطية نعم، ولكن شرط أن أبقى وعائلتي في قصر عابدين، هو حسني مبارك هذا كلام لا غبار عليه، لكن حسني مبارك ليس الرئيس الراحل حافظ الأسد، وليس الزعيم الليبي وليس عائلة خليجية مالكة، ديكتاتور اعتبر أنه يريد تعبيد الطريق لديكتاتوريته، وحتى ليورث نجله، بأن يركب طريق المسألة الاجتماعية وعلى رأسها قضية الديمقراطية والحريات وجلب الاستثمارات، والسبب أبسط من أن يحتاج لكل هذه الديباجات التعميمية الثقافية العربية، الرجل لم يعد لديه مسألة وطنية ولا أرض محتلة، فركب موجة الديمقراطية، ووضع مصر بقرار في عتبة الحرية، ولم يكن يريد تجاوزها حتى يورث نجله، والتوريث لا يمكن أن يتم من دون أن يكون هنالك فساد مستحكم، وهذا الفساد كان سيد التوريث وسيبقى.. الفساد ليس خوفا على نفسه فقط، بل هو إحساس بالتفوق والشطارة والخسة.. مزيج من كل هذا الفساد، لا يخاف الشعب لو كان يخاف الشعب لما أصبح فسادا، ولماذا لا يخاف الشعب، لأنه محمي بقوة الدولة وقانون سلطتها.. كذا حال زين العابدين بن علي…الذي رحل من دون أن يكون شبيها لمبارك، فهل نضع الأثنين في كفة واحدة؟ كي يصبح كل الرؤساء والملوك العرب نسخة واحدة وهذا غير صحيح.
الثمانية ملايين مصري، على حد معلومات قناة ‘الجزيرة’، الذين كانوا ولازالوا يخرجون للشارع من أجل إسقاط نظام مبارك، هؤلاء تعلموا الحرية والحركة في ظل هذا النظام، لم يعلمهم مثقفون يندبون وقت الخيبة ويزايدون وقت المحنة، وييأسون وقت الأمل.. الشعب في مصر، طالب برحيل مبارك وليس برحيل الديمقراطية، بل بتعميقها، وتحويلها إلى نموذج أكثر حرية ونجاعة وأقل فسادا وأكثر عيشا.
الثقافة الآن كلها ضد مبارك ونظامه وهذا حد لا يمكن لنا أن نتجاوزه، ربما ماعدا جابر عصفور، الذي لم ينطق بعد لماذا قبل بالتوزير؟ سررت بمثقفين سعوديين يعلنون تضامنهم مع الثورة في مصر، رغم مأساة أهالي جدة، جراء السيول والفيضانات.. الثقافة الآن أن تكون مصريا هكذا الأمر ببساطة، ولكن ليس أن تكون غافلا عن جرحك المحلي.. أو أن تتعامى عنه، في دمشق يتحدثون عن ثورة غضب، احساس بالحسرة واليأس وكل ما يعتري المرء في لحظة انسداد أفق ما.. ابتسمت في سري وأنا ارى هذه الدعوات الافتراضية ليوم غضب سوري، وتناقلته وسائل الإعلام، لدرجة انني بدأت أقول ربما لا أعرف الوضع السوري، ربما هنالك ما هو سحري في الحكاية.. وأصدرت جهات معارضة عدة بيانات من أجل دعم هذا التحرك… وخرج بضعة شباب يوم 04.01.2011 لكي يعتصموا أمام البرلمان، احتجاجا على شركات رامي مخلوف للخليوي، التي يقال انها أكثر ربحا وغلاء من كل الأقطار العربية المجاورة الأغنى والأفقر.. ومنعهم الأمن والمخابرات، وعلى حد قول شاهد عيان كان رجال الأمن أكثر من المعتصمين.. كما سمعت تعرض الناشطة السياسية السورية السيدة سهير الاتاسي للضرب والشتم على يد رجال الأمن.
لا أعرف لماذا المثقفون الذين يحتقرون هذه الأعمال لا يقدمون نموذجا لأعمال غيرها؟ أم أنهم مختصون بالحديث عن الوضع المصري، وشتم جابر عصفور لأنه قبل التوزير عند الديكتاتور؟ افترض أن من تجمعوا كانوا لا يتعدون العشرة أشخاص، فهم في وجودهم أمام البرلمان السوري، تجسيد من المفترض لثقافة، من المفترض أيضا أنها ضد الديكتاتورية والفساد.. أم هي ضدها في مصر فقط؟
كثيرا ما يخطر ببالي أن أريح نفسي من نزعة السياسي أو من نزعة الثقافي، لكنني لا أجيد هذا الأمر.
كنت منذ مدة قد اتخذت قرارا بالابتعاد عن كل ما هو معارضة سورية، سواء في الداخل أو في الخارج، ليس لكثرة ما تعرضت له من شتم وقذف وسباب، بل لأنني لا استطيع قول كل الحقيقة، رغم كل ما بذلته في قولها.. ربما جبن وخوف وربما هنالك أسباب أخرى لست بصددها الآن..
جبهة خلاص وإعلان دمشق ومثقفون.. ومعارك عن الأحقية بالنضال والشرعية، معارك في السر والعلن، وكل منا يعتبر نفسه سيد الحقيقة والصح والأخلاق… من دون أن ينظر إلى نفسه بالمرآة، يبدو أننا لا نملك مرايا!
السبب يعرفه كل المثقفين العرب والسوريين، لماذا يتحرك الشعب التونسي والشعب المصري ولا يتحرك الشعب السوري على سبيل المثال، السبب بسيط، الفارق هو في طبيعة الأنظمة، وليس لاختلاف حضاري أو ثقافي أو عرقي بين هذه الشعوب.. طبيعة النظام السياسي السوري تمنع الحركة، تصادر الانفاس.. هذا لم يكن موجودا في تونس زين العابدين وفي مصر مبارك.
لم يعد نظام عبد الناصر القمعي كما يقولون، مع أنه لا يقارن قمعيا بأي نظام عربي على شاكلته، لم يعد في ذاكرة المصريين خوفا من القمع… منذ التسعينيات والناس تشتم مبارك في الشارع وعلنا… هل هذا موجود في سورية؟ ‘التوريث الجاري في مصر على الأقل يحاول السادة هنالك إخراجه بشكل ديمقراطي، ربما لو اتحدت المعارضة المصرية لأفشلت هذا التوريث، ووفقا للحرية السياسية التي تتمتع بها هذه المعارضة المشتتة’.
هذا مقطع من مقال كتبته بتاريخ 17.12.2010 بسبب فشل الأخوان المسلمين المصريين بالانتخابات الأخيرة. أوردته لأقول التالي: إن الوضع المصري كان مفتوحا على كل الاحتمالات، لأن طبيعة النظام السياسي مفتوحة، وبالتالي إعادة الاعتبار للمجتمع المدني وحريته، هي التي تجعلنا نكتب هكذا… ولكن من كان يستطيع كتابة هذا الأمر بعهد الرئيس الراحل حافظ الأسد بعدما عرف بأنه ينوي توريث نجله؟ لهذا قررت أن اتخلى عن نزعة السياسة… والبقاء طاهر الذيل في حيز الثقافة.
‘ كاتب سوري
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى