رواية المعراج -1-

null
ابتسام إبراهيم التريسي
الإهداء
شــاهـدة
***
حطبٌ مررت بكم
لأوقدَ نسغ روحي .
حطبٌ يتوقُ لئنْ يصيرَ لمرّة ٍ جمراً
يلوِّح باحمرار الوهج ِ
يُبقي الوقد َ ذاكرة ً
وينسى مثلما الأشجار ماذا بعد ْ .
حطبٌ أريدُ بأنْ أغيّرَ لون قشري
طال اليباس ُ عليّ . . يا روحي
وقد عتمت ْ جروحي .
متكوِّما ً ما عدتُ أشعرُ أيَّ فقـْد ْ .
تلك الغيومُ نسَـت ْ بأنّي
كم على _ ساق ٍ _ وقفتُ
وكم حنيت ُ إعاقتي حلـُمَـا ً
لكي يبدو الترابُ خطى ً . . .
ولي _ أخرى _ ستحملني كريح ِ .
صفصافة ٌ تصحو بأعماقي ولكن دون مَد ْ .
تلك النجومُ تضيء ُ
ما زالت تضيء ُ ،
مذ كنت ُ في الغابات ِ حتى صرت ُ
دون حديقة ٍ
متمدّدا ً . . وإخال ُ أن َّ رمادها الآتي ضريحي .
أشريكتي تلك النجومُ وضوؤها حطبٌ لغَد ْ ؟ .
يا صاح كم أيقظت ُ أعماقي بأن َّ الممكنات ْ ،
هي مثلما الأشياء لا تولدُ إلا في الموات .
حطب  ٌ تحوّلنا السماء ُ ؟
لعلّها بردت ْ
فندفئها بأجساد ٍ وروح ِ . . .
والأرض ُ تحشو سمعها برمادنا من بعد وَقـْدْ .

إليهما :
حنان الآغا
وزكي العيلة

القسم الأول

على تخوم النّور

كلّ شقاء النّاس من أنّهم لا يعيشون في العالم ، بل في عالمهم .
“هيراقليطس ”

مستصغر الشرر ……….

لم يكن لحارة الحارث ـ التي تقع وسط القرية قرب الدخلة المقابلة للحرجة والمؤدية إلى الحوش الغربي ـ  طريقٌ معبدٌ، حين وقف يوسف يتأمل تفاصيل الزقاق الضيّق ـ الذي ينفرج عن ساحة دار “أبو سالم” مختار الحارة ـ وكأنّه يودِّعه، وهو في طريقه إلى المدرسة، في يومه الدّراسي الأوّل.
وقفت صفية أمام الباب، تحثه على المضي برفقة ابن عمه محمود، والدّمع يكاد ينفر من عينيها، إنّها المرّة الأولى الّتي تنفصل عن يوسف فيها، ليكون له عالمه الخاص بعيداً عن رقابتها، وعينيها اللتين ترصدان حركاته وسكناته، وتحصيان أنفاسه. تتذكر بألم سنوات مرضه وملازمته الفراش، وأوّل مرّة خطا فيها خارج صحن الدار، ووقف يتأمل الزقاق والأولاد بذهول، مرّت الحاجة أمونة في تلك الأثناء، وهي تستند على عصاها، وتسعل بشدّة، وتشتم الأولاد “العفاريت” الذين يقفزون فجأة من الحدائق الكثيفة، وأشجار التوت العالية، ويُخلقون هكذا بشكل مفاجئ أمامها، فتصاب بالذعر، ويرتجف جسدها هلعاً، وهي لا تفتأ تكرر “الملاعين أولاد الـ…” ويتناثر البصاق من فمها الأدرد.
جلست الحاجة أمونة على مصطبتها أمام منزلها، ونادت صفية:
ـ هاتي الولد لأقراه…
انتفض قلب صفية بين ضلوعها، وحاولت في البداية أن تخفي يوسف وراءها، لكنّ الحاجة أمونة كررت نداءها بصوت سمعه المارّون في الزقاق، فتوقفوا يتطلّعون حولهم.
سارت صفية على استحياء، وهي تحمل طفلها، وضعته في حضن الحاجة بتردد، وهي تقرأ المعوذتين، وتنفخ على رأس الحاجة المنحني فوق الطفل، مدّت أمونة يدها المعروقة، ومسحت شعره، وهي تتمتم ببضع سور من القرآن الكريم.
تذكّرت صفية وصية أمّها “إياك حدا يشوفه، ما شاء الله عليه مثل النقطة في المصحف” .
اختطفت الولد من حضن الحاجة بسرعة، وضمّته إلى صدرها، وراحت تركض تجاه بيتها.
صعدت الدرجات إلى الغرفة العالية بخفة، وضعت يوسف في السّرير، وهزته قليلاً، وهي تغني له بصوت خافت. حين اطمأنت إلى نومه، انسلّت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها، ونزلت إلى صحن الدار، لتكشف طشت العجين المختمر، وتبدأ بصنع الأقراص.
وصلت ثنية، وهي تلهث معتذرة:
ـ تأخرت، والله أعرف، بس إيش طالع بيدي، البيت والبنات وأبوهم الله يلعن الـ …
نظرت في وجه صفية قبل أن تكمل عبارتها:
ـ مالك ؟ ليش مصفرّة؟
انتظرت صفية السّؤال بلهفة، لتحكي عن خوفها وقلقها من الحاجة أمونة، لأنّها قرأت يوسف، وهي تخشى عليه من العين:
ـ بس بدّي أعرف منين صارت حجة، وهي ما طلعت برّا عين كارم  في عمرها كلّه؟ والله خايفة على الولد.
وجمت ثنية قليلاً، ثمّ ضحكت بصوت عال:
ـ لا تخافي، اقرئي عليه آية الكرسي، حوطته بالنبي على ها الشكل، لا تخافي عليه، بكرة بجبلك خرزة زرقة علقيها برقبته، ولا يهمك، بعدين مين قال لك الحاجة أمونة بتصيب بالعين؟
سألت صفية باستغراب:
ـ ليش ما سمعت ِ؟ قالوا من زمان طلّعت بشجرة توت قامت يبست من عين أصلها.
ضحكت ثنية وهي تقول:
ـ هذا كان زمان لمّا كانت على سروج خيلها. يعني ما شفتيها نظرها على قدّها؟ ما عم تشوف قدّامها.
تذكّرتْ يوم تركته ـ بعد إلحاح ـ يجلس أمام الباب، والأولاد يلعبون في الزقاق، فأصابته حجارة صغيرة في جبينه، منظر الدم المريع يغطي وجهه لا يبرح مخيلتها، يخفق قلبها للذكرى، وهي ترنو إلى يوسف يختفي في المنعطف، تنتشلها من وقفتها رائحة الطعام الذي نضج فوق النّار، وكاد يحترق.
تصاعدت رائحة الخبز عندما اقترب إسماعيل من الباب، وهو يتنحنح:
ـ يا ساتر.
انشغلت صفية في تحضير السّفرة، وقلبها يلتقط صوت خطواته الخفيفة على الدّرج، كاد الطبق يقع من يديها، وهي تتذكر كيف انسلّ أوّل مرّة على الدّرجات بخفة هر صغير، وكيف ركضت إليه، وحملته بين ذراعيها خشية أن يمسك أحد أصص الرّيحان، الّتي صفّتها على الدّرج بعناية، فينقلب فوقه.
كيف راقبت طريقته في الأكل بدهشة وخوف على بنيته الهشة ويديه الصغيرتين؛ وضحكت لحركاته المتأنية في الأكل، وهو يقلد الكبار، وكم تمنّت لو اتّسخت ثيابه من بقايا الطعام كما يفعل الأطفال عادة!.
أخيراً… صرّ الباب الخارجي ببطء، ودخل منهكاً، ألقى حقيبته أرضاً، وافترش أرض الدار تحت شجرة التوت. ركضت صفية هلعة:
ـ إيش فيك؟ حدا ضربك؟ حدا قال لك شي؟ جوعان؟
لم تنتبه صفية في البداية إلى أنّ جسده المائل صوب الأرض قد دخل عالم النّوم، فصرخت فزعة، ولم تهدأ حتّى حمله أبوه إلى الغرفة، ومدده على فراشه.
ترددت صفية في اتخاذ القرار، هل ستحضر عرس فتنة على حسن الفرّان هذا المساء؟ ثنية ستمرُّ عليها في طريقها لحضور الاحتفال، قالت لها هذا الصباح “خطي، البنيّة مقطوعة ما إلها حدا غير الله ونحنا” لكنّها خشيت أن تأخذ يوسف معها إلى تجمع النّساء، تطلّعتْ في وجه زوجها، الذي قال بحياد:
ـ ما بعرف لإمتى بدّها الخرافات تنخر عقلك؟ رح آخذه معي إلى المقهى ما تهتمي.
دفعت ثنية الباب برفق، وهي تنادي صفية من خلال أنفاسها المتقطعة، جاءت صفية على عجل، وهي تسأل بلهفة:
ـ لا تكوني بدك تولدي؟
نفت ثنية ذلك بهزة من رأسها، وسحبت صديقتها من يدها، وخرجتا، يلفهما غبش المساء. تجاوزتا بيوت الحارة، وعبرتا الحرجة، صعدتا السلالم، ومشتا مع سور دير اللاتين، وتجاوزتا حارة “النصارى” إلى حارة “الظوار” حيث تسللت إلى مسامعهما أصوات النّسوة، وقد ارتفعت بالغناء.

***
اصطحبه والده للمرّة الأولى إلى مقهى “زعتر”. تحلّق الرجال حول طاولة خشبية جلس خلفها على كرسي واطئ من القش رجلٌ بلباس عسكري يدعى “مايك”، وجلس باقي الرجال في صفين متقابلين على الكراسي.
اختار يوسف أن يجلس على كرسي يستند على جدار واطئ من الحجارة المرصوفة للبستان تحت ظل الشجرة؛ وهو يراقب العسكري بحذر، ويجول بطرفه بين الرجال.
سرعان ما شعر بالملل من أحاديثهم، فمضى يلهو عند أطراف البستان بجانب دار محمّد عطية، ناداه والده:
ـ يا يوسف، تعال، لا تبتعد.
عاد أدراجه خائباً، لم تكن أحاديث الكبار مسلية إذ أنّها تفتقد للحكاية، تقترب حيناً من الشجار، فتعلو الأصوات، وتتشابك الكلمات، وينهض أحدهم ليهدّأ الجميع، وتدور القهوة ليعاد الحديث من جديد. تساءل باستغراب: “ألا يملون من تكرار الحديث ذاته “سمعهم يتشاجرون مرّة أخرى حتّى أنّ داود سالم جراد احتدّ في وجه العسكري، وكاد يضربه، لو لم يجتمع الرجال لإبعاده، وهم يقولون:
ـ “صلي” على النبي يا داود، قرار الضم صدر، وما رح نقدر نغيره.
صاح داود بصوت عالٍ:
ـ لا يا سيدي رح نقدر، ما رح نسكت على هذا الشيء أبداً. مايك يتحجج ويتعلل، اليهود أخذوا الضوء الأخضر من الإنكليز لضم قريتنا إلى القدس. وهو يتملص من المسوؤلية مثل العادة. بس إحنا منعرف كيف ندافع عن حقّنا.
اضطره الظرف لمتابعة الشفاه والعيون وحركة الأيدي، ووجد في ذلك تسليته، وتخيّل كلّ شخص مجرد فم كبير يتحدّث، وينثر الكلمات والشّتائم كالمطر، لكنّه أبداً لن يكون جميلاً ذلك المشهد مثل الغيوم، لذا أبعده عن ذهنه، حين رفع رأسه إلى السّماء، ورأى كم هي صافية وزرقاء وواسعة. راقب الطيور، وهي تغدو، وتروح، وتقف على الأشجار حتّى شعر بزوغان في عينيه وألم في رقبته، فنهض من مكانه، وراح يتجول بين الرجال، يقف قريباً من هذا قليلاً، ويتأمل ذاك حتّى وصل إلى مايك العسكري النحيل، نظر في عينيه وقبعته، لم تكن هيئته توحي بالشّراسة، ولا القوة، تصوّر للحظات أنّ بإمكان سالم أنْ يصرعه إن هو باغته في طريق معتم، لاحظ انشغال والده مع علي زيدان، فتسلّل بعيداً حتّى التصق بجدار المقهى، ثمّ ركض بخفة صوب دار صديقه سالم.
رآه على السطح يضع قدمه فوق “الدرداس ” ويدحرجه ذهاباً وإياباً، نادى عليه، فأومأ سالم له ليصعد.
لطالما تمنّى لو يستطيع دفع هذه الأسطوانة الضخمة، كما يفعل سالم، لكنّه لم يجرؤ يوماً على فعل ذلك، غمزه سالم:
ـ أتحب أنْ تُجرّب؟
أغراه العرض، لكنّه خشي من الفشل أمام سالم، فقال:
ـ لا أستطيع، والدي لا يرضى.
تحداه سالم:
ـ ومن سيخبر أباك؟
قال بضيق:
ـ إنّه في المقهى.
ضحك سالم:
ـ لكنّه لا يستطيع رؤية ما يجري هنا من مكانه.
فكّر بلهجة سالم المتحدية، فكّر بفشله المنتظر، فكّر أكثر بغضب والدته، ولم يجرؤ أن يقول لسالم ذلك كما لم يجرؤ على الانسحاب.
تقدّم وقلبه يرتعش، وساقاه لا تحملانه، قرفص بجانب الحجر، لمس الأسطوانة بيديه، دفعها برفق بقدمه، ثمّ بكلِّ قوته، فرآها تتدحرج بيسر وسهولة. مسح عرقه عن جبينه، وهو يبتسم، إذاً ليس الأمر صعباً إلى الدرجة الّتي تخيّلها، لكنّه انتبه إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنّ الأسطوانة تدحرجت إلى جهة أقلّ ارتفاعاً، وأنّ سحبها إلى الجهة المقابلة مستحيلٌ بالنسبة إليه!
ركض نازلاً الدّرجات بسرعة، ولم يلتفت حين ناداه سالم، وهو يقول:
ـ عليك إعادة الحجر إلى مكانه يا بطل.

الكتاب : المعراج
الكاتبة : ابتسام إبراهيم تريسي
الطبعة الأولى:2008

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الناشر: دار العوام للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق ص ب 5658
هاتف :00963115615696
E:alawam1925@yahoo.com

إخراج:رفيدا الخباز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.