قضية فلسطين

سياسات عربية تحت الأنقاض في غزة

نبيل شبيب
العدوان الهمجي الإجرامي على غزة وأهلها يندرج حسب قول العديد من خبراء القانون الدولي تحت عنوان جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية، وينحط في نظر الجماهير العربية الغاضبة إلى حضيض المذبحة، والمحرقة، والإبادة الجماعية.
والذريعة الإسرائيلية المعلنة لهذا العدوان هي أنه يستهدف منظمة حماس، فهي منظمة إرهابية، تنفرد بحكم غزة وتطلق الصواريخ منها، وأنهت التهدئة فيجب إسقاطها.
وجميع ذلك مردود دون جدال، فمن قبل دير ياسين إلى ما بعد ما أسموه “الرصاص المصبوب” لم تنقطع الاعتداءات الإسرائيلية، على أرض فلسطين وشعبها، وعلى الدول المجاورة، ولم ينقطع خرق التهدئة إسرائيليا طوال ستة شهور، ولم ينقطع سقوط الضحايا من أهل غزة من جراء الحصار الوحشي على القطاع، كما لم تنقطع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية أيضا.
تبني الموقف الإسرائيلي
كان من المنتظر أن يزعم الإسرائيليون لأنفسهم ما يريدون من ذرائع للعدوان، ولم يعد يستغرب في عصر السياسة العوراء للقوى الدولية والإعلام الغربي أن تجد تلك الذرائع من يروج لها، ومن يسد السبل أمام محاسبة الإسرائيليين على ما يرتكبونه من جرائم.
ولكن أين نصنف إقدام الرئيس الفلسطيني محمود عباس علنا على شاشة التلفاز على تحميل حماس المسؤولية عن المذبحة الإسرائيلية الجارية، داعما بذلك ما يعلنه الإسرائيليون من ذرائع؟ وأين نصنف إقدام وزير الخارجية المصري على الموقف ذاته، ومطالبته حماس في غزة بأن تعلن قبولها بتمديد التهدئة أثناء القصف الوحشي الإسرائيلي المستمر؟
هي دعوة إلى الاستسلام، على حساب دماء الضحايا، وهي دعوة إلى وضع حد لما بقي من المقاومة الفلسطينية يعترض طريق المشروع الصهيوني الشامل في المنطقة، بعد أن ألغت السياسات العربية من قواميسها السياسية وغير السياسية تعبير المقاومة، ووضعت عنوان “خيار السلام الإستراتيجي” وحده بديلا لا يُتخلى عنه، مهما بلغ عدد الاعتداءات الإسرائيلية، عاما بعد عام، وشهرا بعد شهر، ويوما بعد يوم، ومهما ازدادت وحشية وبطشا، ومهما سقط من الضحايا، من أهل فلسطين، وسواهم من العرب والمسلمين في المنطقة.. هل هذه سياسة؟!
إغاثة جزئية متأخرة
تعالت الأصوات الشعبية تتهم مصر بالتواطؤ، وتتالت مظاهر الغضبة الشعبية في العديد من المدن العربية والإسلامية والغربية، وبلغت الضغوط الجماهيرية مدى كان لا بد معه من “التهدئة” سياسيا.
فبدأ الحديث في مصر عن إرسال شاحنات تحمل الأدوية إلى معبر رفح، وأرسلت دول عربية –لا سيما قطر- طائرات تحمل شيئا من الطعام والدواء فوصلت إلى العريش، ومع كتابة هذه السطور مساء الأحد، كانت قد عبرت رفح شاحنات الأدوية المصرية، وبقيت الشحنات العربية الأخرى بانتظار إذن مصري، مرهون بإذن إسرائيلي.
فهل انقلبت السياسة المصرية من تجنيد أجهزة الأمن الداخلي لمنع قوافل الإغاثة الشعبية المصرية من الوصول إلى رفح، وهل انقلبت السياسات العربية من الامتناع عن أي محاولة عملية جادة لكسر الحصار بعد كسره من جانب “سفينة الكرامة” الشعبية الدولية.
أم أن الجديد في تلك السياسات المصرية والعربية يقتصر على وضع ورقة التوت على عورة كشفتها الاعتداءات الإسرائيلية السابقة والعدوان الجديد الوحشي، لتنطلق الأبواق المدربة مجددا فتتحدث عبر وسائل الإعلام عن أن الدول العربية تغيث، ومصر التي تحرس بوابة إغاثة غزة لا تغلقها، وأن معاناة أهل قطاع غزة عبر عامين ليست سوى دعاية مغرضة من جانب حماس.
وهذا ما سبق للرئيس الفلسطيني نفسه أن قال به قبل العدوان الجديد، عندما ذكر في بعض تصريحاته عن “عبثية صواريخ المقاومة” أن المعونات تصل عن طريق الأردن ومصر باستمرار (!) فلا ينبغي اعتبار ما تصنعه “سفينة الكرامة” كسرا للحصار!.. وهل يمكن اختزال السياسة العربية في نطاق تعداد الشهداء وإغاثة الجرحى والمرضى والجوعى… هل هذه سياسة؟!
قمة طارئة.. غير عاجلة
بدأت جريمة العدوان الإسرائيلي على غزة صباح السبت، آخر أيام عام 1429هـ في 27/12/2008م، وبدأت الاتصالات بين الرؤساء والملوك والأمراء العرب، وهم يتداعون حسب اقتراح بعضهم إلى عقد قمة طارئة، للبحث فيما يمكن “قوله أو عمله” إزاء العدوان الوحشي الجديد.

وقيل إن مجلس الجامعة سيجتمع السبت والأحد، وارتفع عدد شهداء الجريمة الجديدة فيما بين أول اتصال وذلك الإعلان من زهاء 150 إلى 200 شهيد وعدد الجرحى من زهاء 450 إلى 700، وتوالت الاتصالات، وأعلن أن القمة “قد” تنعقد يوم الجمعة، وسيسبقها لقاء لوزراء الخارجية يوم الأربعاء، وليس يوم الأحد أو الاثنين كما قيل في البداية.
وإلى أن أعلن عن ذلك كان قد ناهز عدد الشهداء 300 وعدد الجرحى 850 “إنسانا”.. فكم سيبلغ عدد الضحايا قبل أن تنعقد القمة الطارئة الاستثنائية العاجلة فعلا إذا انعقدت؟
وما الذي سيبقى آنذاك لتقرره سوى تأبين الضحايا، وجس نبض المقاومة، إن كان التقتيل أصبح كافيا لإلقاء السلاح والانضمام إلى ركب التسليم الإستراتيجي الوحيد!.. هل هذه سياسة؟!
المحاور هي الأهم
كان على قطر التدخل مجددا في الاتصالات بشأن عقد قمة عربية، رغم أن رئاسة الجامعة العربية ما زالت لسوريا منذ قمة مارس/آذار 2008م، والسبب واضح للعيان.
فأحداث غزة لا تكفي لدفع محور”الاعتدال” وفق التصنيف الأميركي لتجاوز خلافاته مع ما يسمى “محور الممانعة” الذي تُنسب سوريا إليه، ولكن قد يكفي لإنهاء القطيعة انتقالُ المفاوضات السورية الإسرائيلية غير المباشرة إلى مستوى مفاوضات مباشرة ليدخل آخر “عضو” رئيسي في المجموعة العربية العتيدة بوابة السلام الصهيوأميركي.
فهذا ما أصبح موضع الخلاف الحقيقي الأول، بين عرب وعرب، وليمكن عبر ذلك كسر حلقة الربط بين دول “ممانعة” ومنظمات “مقاومة” في فلسطين ولبنان، فهذا ما يمثل الخلاف الأهم، بين عرب وعرب.
وهنا يمكن أن تصل مسيرة “كامب ديفد” الساداتية إلى غايتها المبدئية، التي بدأت وسط “اختلاف” عربي عليها، فتنضم دولة الاغتصاب الصهيونية إلى الأسرة العربية التطبيعية، ويتحقق أحد الأغراض الكبرى للمشروع الصهيوني الغربي في المنطقة.. هل هذه سياسة؟!
خطر الانفجار
هل يمكن وصف هذه السياسات حقا بأنها سياسات عربية؟ هل بقي فيها من أثر لمصلحة عربية، جماعية أو قطرية، رسمية أو شعبية، إسلامية أو غير إسلامية؟
لقد فقدت السياسات العربية إجمالا حتى ما كان يجمعها على “التنديد” بعدوان أجنبي، وفقدت البقية الباقية من أي عنصر منطقي يبيح نسبتها إلى مصطلح “السياسة” بمختلف مفاهيمها، القديمة والمعاصرة، الواقعية والعاطفية، العقلانية والإيديولوجية، الوطنية والقومية، ناهيك عن صلة واضحة للعيان، تربطها بمصلحة العرب والمسلمين في مختلف أقطارهم وعلى اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم.
هذا مع أن العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة يأتي في مرحلة تشهد على الصعيد الدولي انهيارا غير مسبوق لمسيرة الهيمنة الأميركية وعسكرتها، وللهيمنة الغربية المادية الطاغية، وتشهد تحركا متواصلا من جانب مختلف القوى والمجموعات الإقليمية العالمية للمشاركة في رسم خارطة سياسية جديدة لعالم آخر، تضمحل فيه سيطرة القطب الواحد، وتغيب سياسات الصراع وتقاسم النفوذ بين قطبين دوليين.
والعدوان الإسرائيلي الهمجي في هذا التوقيت يعطي المجموعة العربية والإسلامية فرصة أخرى، للخروج من حضيض تبعيات أجنبية، ولتحرك جماعي يستخدم الإمكانات الذاتية على طريقٍ تحررية تسلكه مجموعات إقليمية عديدة.
ولكن مرة أخرى تخنق السياسات العربية هذه الفرصة كما خنقت فرصا سابقة، وتتمسك بمواقعها، أو بقايا مواقعها، وكأنها تعيش في عالم آخر، لا ترصد فيه ما يجري حولها، بل ولا ترصد أنها توجد هي في الساحة الرئيسية والحاسمة لتراجع الهيمنة الأميركية، فهي الساحة العربية والإسلامية التي استهدفتها الحروب، والساحة النفطية التي استهدفتها سياسات الاستغلال الغربية طويلا.. فمتى يكون التحول في اتجاه سياسات سيادية مستقلة فاعلة إن لم يكن الآن؟

ونشهد مرة أخرى كيف تحرك الدماء المسفوكة الجماهير لتنزل بغضبتها إلى الشوارع، ما بين موريتانيا وباكستان، وكيف يظهر الانفصام النكد العميق الذي ترسّخ بين القواعد الشعبية ورأس الهرم في بقايا السياسات العربية الهرمة، ومرة أخرى بعد أيام الانتفاضة الأولى والثانية وحرب احتلال العراق وحرب لبنان، يصل الاحتقان الشعبي إلى مستوى غير مسبوق، ويهدد بانفجار لا يمكن التنبؤ بعواقبه.. فعلى ماذا تبني السياسات العربية وجودها الحالي والمستقبلي؟
إن من أخطر ما يمكن أن يترتب على أحداث غزة الدامية، خارج حدود القطاع، هو أن يتحول الاحتقان الشعبي إلى انفجار شعبي، وأن تخرج المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية المحاصرة ببقايا السياسات العربية، فتتحول إلى معارك شوارع في المدن العربية والإسلامية، وأن يتخذ مجرى الأحداث طريقا عشوائية لا يمكن التحكم في تطوراتها ونتائجها.. فما الذي يجعل السياسات العربية تجازف بأصل وجودها الهيكلي، على طريق الخيار الاستسلامي الوحيد في قضية فلسطين المحورية؟
الانفجار يمكن أن يقع عندما يبلغ اليأس الشعبي من السياسات الرسمية مداه، ولا يظهر في النفق بصيص من ضوء أمل في التغيير “من فوق” كما يقال، ويصبح التغيير انطلاقا من غضبة الشعوب هو البديل.. وهذا أخطر ما يمكن أن ترتكبه السياسات العربية أو بقاياها في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة في رسم معالم مستقبل المنطقة.
فلا ينبغي بحال من الأحوال أن يدع المسؤولون في مواقع صناعة القرار للقذائف الإسرائيلية، ولدماء الضحايا، أن تدفع بالأحداث في هذا الاتجاه، وقد أوشكت أن تصنع ذلك.
فمن تلك القذائف يولد الانفجار، ومن سيل الدماء يولد الغضب، وذاك مزيج خطر، يمكن أن يضع الأنظمة العربية في الصف الأول من “ضحايا” الحدث، بدلا من موقع الصف الأول بين المتفرجين على الحدث داخل حدود قطاع غزة.
ـــــــــــ
كاتب سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى