ثورة تونسياسين الحاج صالح

قضايا في شأن تونس الجديدة

* ياسين الحاج صالح
في الكتابة عن الشأن التونسيّ من خارج تونس، فيما هو لا يزال متحرّكًا وسائلاً، مجازفةٌ بقولِ ما قد يتكشّف، بعد حينٍ وجيزٍ، سذاجةً أو خطأً أو سلسلةً من الأخطاء الكبيرة. لكنّ هذا ليس مهمًا كثيرًا إلاّ إذا تصوّرنا أنّ ما نقوله اليوم “معرفةٌ علميّةٌ” بالأحوال التونسيّة، أو هو “الحقيقة” عن تونس. لا نتطلّع إلى شيء من ذلك، ممّا نراه متعذِّرًا اليوم على الأدرى بشعابِ بلدهم أنفسِهم، مثقّفي الديار التونسيّة. ما نتطلّع إليه هو التفاعلُ مع تونس المتغيّرة، وأن نَشْهدَ على حالنا وحالها، وأن يكونَ لِما نقوله معنى عامٌّ بعض الشيء. وهذه مجموعةٌ من النقط التي تحاول الانضباطَ بالمقتضيات المذكورة.
1 ـ حصل التحوّل في تونس بفعل سلسلةٍ من التحرّكات الاجتماعيّة الديناميكيّة التي انطلقتْ من بؤرةٍ طرفيّة، وبفعل حادثةٍ مدشِّنةٍ كان يمكن أن تكون عارضةً، ألا وهي حرْقُ محمد بوالعزيزي نفسَه. سمةٌ جوهريّةٌ لهذه التحرّكات أنّها غيرُ نخبويّة. فالمشاركون جمهورٌ شعبيٌّ متنوّع، يتراوح بين مفقرين وعاطلين عن العمل وعمّالٍ وكوادرَ من الطبقة الوسطى، وبمبادرةٍ ومشاركةٍ شبابيّتين أساسيّتين، ومشاركةٍ نسويّةٍ طيّبة. وهي غيرُ نخبويّة من حيث الوسائلُ أيضًا: لا عنف (والعنف منهجٌ نخبويّ مجرَّب في السيطرة)، ولا قياداتٌ مكرّسة، ولا شخصيّاتٌ مصنّعةٌ خارجيًا. وهي غيرُ نخبويّة من حيث الوعيُ الذاتيّ: فشعاراتُها اجتماعيّة ووطنيّة وديمقراطيّة، تتمحور حول العمل والعيش والحريّة والكرامة الوطنيّة. ولم تبرزْ فيها شعاراتٌ ورموزٌ حصريّة، لا إسلامويّة ولا قومويّة عربيّة، ولا فرانكوفونيّة أو عَلمانويّة في المقابل.
2 ـ بنظرة خلفيّة، يمكن القول إنّ الثورة التونسيّة سارت في خطّ مستقيم حتى فرار بن عليّ، ثم يبدو أنّها فقدتْ قدرًا كبيرًا من زخمها. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على فرار الدكتاتور، فإنّ رئيسَ وزراءِ ما بعد الفرار هو ذاتُه رئيسُ وزراءِ ما قبل الفرار. هذا يعني ثورةً غيرَ مكتملة، إنْ لم نقل إنّها مجهَضة. ليست هذه هي الكلمةَ الأخيرةَ في شأنها بالطبع، لكنْ يبدو أنّ المضيّ إلى حدّ الاستبعاد التامّ لرموز حكم بن عليّ يزداد تعذّرًا. وهذا قد يكون غرامة على افتقار الثورة التونسيّة إلى مركزٍ قياديٍّ متمرِّسٍ ومجرَّبٍ وذي صدقيّة، كان من شأنه أن يحدِّد أهدافًا للانتفاضة لا تقف دونها، وأن يكون أيضًا حلاً جاهزًا لمخاطر الفراغ السياسيّ؛ علمًا أنّ هذا الافتقار ربما كان له فضلٌ في انتشار الثورة وتعمُّمِها وعدمِ تعرّضها لتعويقاتٍ إيديولوجيّةٍ وحزبويّةٍ وفئويّة. من جهةٍ أخرى، يبدو أنّ أوضاع تونس الراهنة محصّلةٌ إجماليّةٌ لتعادل مطلبَي التغيير والاستقرار. ثمة أحزابٌ معارضة، ولها ثلاثةُ وزراء في حكومة الغنوشي، اكتفت من التغيير بالتخلّص من بن عليّ. وثمة مجموعاتٌ وتنظيماتٌ، يساريّةٌ بخاصّة (تحالف 14 جانفي)، تسعى إلى التخلّص من البنْعليّة ممثّلةً في محمّد الغنوشي والمفزع وأضرابهما، لكنْ ربّما تفتّ في عضد الأخيرة خشيةٌ من عدم الاستقرار والاضطرابات الأمنيّة. ومعلومٌ أنّ مجموعاتٍ مرتبطةً بالأجهزة الأمنيّة وبحزب التجمّع الدستوريّ عملتْ إثر فرار بن عليّ على الدفع نحو الخيار العدميّ: تفجير الأوضاع الأمنيّة من أجل رفع سعر الأمن مقابل الحريّة. لكنّ مسعاها أُحبط سريعًا بفضل الجيش، وبفضل تجربة اللجان الشعبيّة التي تشكّلتْ لحماية ممتلكاتٍ خاصّةٍ وأملاكٍ عامّة.
3 ـ قال رئيسُ الوزراء محمد الغنوشي مبرّرًا نفسه: كلنا كنّا خائفين! كلامُه جديرٌ بالتصديق؛ فنظمُنا لا تخوِّف شعبَها من دون أن يكون الخوفُ هو دستورَها والمعنى الأساسَ لوجودها، وهو معنًًى يصادِِق عليه فرارُ بن عليّ على نحوٍ مشينٍ وغيرِ متوقّع. نُظُمُنا هذه نُظمُ الخوف. لذلك، فإنّ تغييرها ممتنعٌ من دون كسر جدران الخوف. وللأسف هذا لا يمكن تصوّرُه بلا شهداء، وربّما عددٍ كبيرٍ من الشهداء.
4 ـ كان جيلُ الشباب دون الخامسة والثلاثين هم “مادّةُ” الثورة التونسيّة. تعريفًا، هذا هو الجيلُ الأكثرُ حيويّةً وشجاعةً ومثاليّة. ومعلوم أنّ الهرم العمريّ فتيٌّ جدًا في المجتمعات العربيّة، وأنّ هرمَ السلطة في المقابل مائلٌ إلى الشيخوخة؛ وهذا وحده يجعل الشبابَ قطاعًا متضرّرًا من هياكل السلطة القائمة. تضاف إلى ذلك قضايا البطالة التي يعاني منها الجيلُ الشابُّ أكثر من غيره، لتسهم في تفسير دورهم النشط. ثم إنّ هذا الجيل هو الأكثرُ تمكّنًا من تقنيّات الاتصال التي جرى التركيزُ، بصورةٍ مُبالغٍ فيها في تقديري، على دورها في الثورة التونسيّة. ولعلّ الفضل يعود إلى الجيل الشابّ أيضًا في نزع الأدلجة عن الثورة… لكنْ لعلّ ذلك، بالذات، له ضلعٌ في تعثّرها السياسيّ بعد سقوط بن عليّ.
5 ـ كانت مساهمةُ النساء معقولةً أيضًا. الطابع اللاعنفيّ للثورة سهّل ذلك كثيرًا: فحيث يسود العنفُ، يتمّ عمليًا إبعادُ النساء عن المجال العامّ. وسهّل من ذلك أيضًا غيابُ الشعارات الإسلاميّة، والطابعُ الاجتماعيُّ والمدنيُّ والوطنيُّ للثورة. كانت النساءُ المتظاهراتُ سافراتٍ ومحجّبات، لكنّهنّ تصرّفن في وصفهنّ مواطناتٍ تونسيّات. والحقّ أنّ مستقبل تونس رهنٌ بتوسّع، لا تقلّص، دور النساء فيها، وبالبناء على التحقّق من مكاسب النساء التونسيّات، لا بالعودة عنه أو مراجعته.
6 ـ تكلّم كثيرون على تجانس المجتمع التونسيّ، وغيابِ الطوائف منه، في وصف ذلك عنصرًا أساسًا مساعدًا في الثورة. يبدو لنا هذا الكلامُ مبالغًا فيه. ففي تونس تمايزاتٌ جهويّة بين مناطقَ داخليّةٍ مهمَلةٍ ومناطقَ ساحليّةٍ محبوّة نسبيًا؛ وفيها تمايزاتٌ ثقافيّة مهمّة؛ وفها ما يشْبه التمايزَ الطائفيّ بين فرانكوفونيين يشكّل ضربٌ مطلقٌ من “العلمانيّة” وعيَهم الذاتيَّ، وهم أقربُ إلى النظام، وبين جمهورٍ عامٍّ متنوّعٍ لا يعي نفسَه بالضرورة تحت يافطتي العروبة والإسلام، وإنْ كان يسوؤه النيلُ منهما. من جهةٍ أخرى يوحي الكلامُ على غياب الطوائف في تونس بأنّ مجرّد وجود الطوائف في المشرق يتسبّب في تنازعها ويعزِّز الاستبداد، وهو ما يغفل واقع أنّ الطائفية استراتيجيّةُ سيطرةٍ سياسيّة محتملة، موظّفة لضمان مواقع امتيازيّةٍ في هياكل السلطة والثروة في بلدان المشرق.
7 ـ تواجه تونس الجديدة تحدّي استيعابَ الإسلاميين في النظام السياسيّ. والحقّ أنّه لا يمْكن تسويغُ استبعادهم، وهم الذين كانوا من أبرز ضحايا نظام بن عليّ، وكان إقصاؤهم ركيزةً أساسيّةً لشرعيّة حكمه في نظر شركائه الغربيين، كما في عين قطاعٍ فرانكوفونيّ من المجتمع التونسيّ (بعضُه معادٍ للإسلام كيفما كان). لكنّ إدماجهم ليس سهلاً في المقابل: فهناك تعارضٌ بين “الشريعة” ومنطقِ الدولة الوطنيّة الحديثة الضامنةِ لحريّة الاعتقاد، والمسوِّيةِ بين المواطنين على اختلاف أديانهم، وبين الرجال والنساء. التصريحات الإيجابيّة لراشد الغنوشي، رئيس “حركة النهضة الإسلاميّة،” مؤشِّرٌ طيّب، لكنْ ليس من حسن السياسة الاعتمادُ على التصريحات. ما يمْكن أن يحدّ من تطلّعاتٍ هيمنيةٍٍّ محتملةٍ صادرةٍ عن الإسلاميين (أو عن غيرهم) هو نظامٌ تتوفّر فيه القدرةُ على التنظيم والاحتجاج والتدخّل في الشأن العامّ من طرف جميع القوى الاجتماعيّة والسياسيّة غير المتورِّطة مباشرةً في جرائر النظام السابق. على كلّ حال، يبدو أنّ المشهد السياسيّ التونسيّ أضحى اليوم أكثرَ تركيبًا بعد عودة راشد الغنوشي؛ وقد يستخدم حضور “حركة النهضة” دورًا في تعزيز موقع قوًى صاحبةِ امتيازٍ في الحكومة كثقل موازٍ للإسلاميين، وتاليًا للحدّ من دمقرطة النظام وإضعاف القوى الشعبيّة. لكنّ استقلال هذه القوى وتنظيمها المستقل من شأنهما أن يوسِّعا الساحة السياسيّة التونسيّة، وأن يسهما في ضبط القوى الإسلاميّة والنظاميّة معًا.
8 ـ قدّمتْ تونس نموذجًا إيجابيًا للعالم العربيّ، يَقْطع مع النموذج السلبيّ الذي مثّله التغييرُ العراقيّ، أي التغييرُ من الخارج مصحوبًا باحتلالٍ أجنبيّ وبتدمير الدولة وبصراعاتٍ أهليّةٍ محرَّضة. لا ذنْبَ للعراقيين في ذلك، فهم أوّلُ ضحاياه؛ لكنّ هذا لا يغيّر من أنّ العراق كان عنوانًا لنموذجٍ سلبيّ. في تونس جرى العكس، تغييرٌ من الداخل، فاجأ النظامَ الحاكمَ والقوى الدوليّة والإقليميّة، ولعلّه فاجأ التونسيين أنفسهم. وهو، من بعدُ، جرى بمشاركةٍ شعبيّةٍ واسعة، فكان مضمونُه ديمقراطيًا بعمق. ولقد كان لافتًا أنّه لم يكد يجري تداول كلمة “الديمقراطيّة” ذاتها في الاحتجاجات الشعبيّة. الواقع أنّ التغيير التونسيّ لم يستخدمْ أيّة عناوين إيديولوجيّة، لا إسلاميّة ولا قوميّة ولا يساريّة ولا ليبراليّة على ما سبق الذكرُ، ولا استخدم في المقابل ضدّها. ولعلّه، لذلك، كان واسعَ القاعدة الاجتماعيّة. وتظهر قوةُ تأثير المثال التونسيّ في الانتفاضة الشعبيّة المصريّة بدءًا من 25 يناير، وقد كانت واعيةً في الاقتداء بمثال تونس. كما تظهر في التجاوب العريض معها من قِبل الجمهور العامّ في البلدان العربيّة، بل في محاكاة الحدث المدشِّن للثورة التونسيّة، أيْ حرْقِ محمد بو عزيزي نفسَه، في غير بلدٍ عربيّ ــ وهي محاكاةٌ نجْزم أنّ انتشار الاحتجاجات الاجتماعيّة في الشوارع، والانتفاضة المصريّة الشجاعة بخاصّة، سيَقطعان معها.
9 ـ للثورة التونسيّة مفاعيلُ ثقافيّةٌ وسيكولوجيّةٌ محرِّرة. طوال عقدين من السنين، وبخاصةٍ في العشريّة التي تفصلنا عن 11 أيلول 2001، هيمن مناخٌ ثقافيّ وسيكولوجيّ مريض، يجعل من العرب والمسلمين اسمًا آخر للإرهاب والعنف والاستبداد والفساد، واستثناءً عالميًا من الديمقراطيّة والحريّات، بل من الجدارة الإنسانيّة أيضًا. والتقت مصالحُ نُخب السلطة العربيّة مع القوى الغربيّة المسيطرة، ومع مثقفين وإيديولوجيين ينسبون أنفسَهم إلى العلمانيّة والحداثة، لحصر مستقبل بلداننا بين نُخب الحكم المستبدّة الفاسدة والإسلاميين. وتواطأ الإسلاميون مع هذا الاختزال الذي يناسبهم. وعلى هذا النحو ألغيتْ متونُ مجتمعاتنا، أو الأكثريّات الاجتماعيّة فيها؛ هذه التي رأيناها في تونس، ثم في الانتفاضة المصريّة. ومن هذا الباب نتوقّع أن يكون هذان الحدثان الثوريّان مبعثًا لتغيير نفسيّ وثقافيّ مهمّ، ودافعًا إلى تغيير كبير في التمثيلات المعرفيّة للمجتمعات العربيّة، وإعلانًا عن موت العقيدة الثقافويّة الهزيلة، بنسختيْها العلمانويّة والإسلامويّة معًا.

10 ـ أظهرت الثورة التونسيّة والانتفاضة المصريّة وجودَ نظام عربيّ متفاعلٍ متضامنٍ من وراء الاختلافات السياسيّة والواجهات الإيديولوجيّة العارضة، لا فرق في ذلك بين “معتدل” و”مواجِه” “المعتدلون” منزعجون من التغيير التونسيّ، لكنهم عدوانيّون حيال الانتفاضة المصريّة. ونُظُمُ “المواجهة” تجاهلت التمرّداتِ الشعبيّةَ في النظم “المعتدلة،” أو عملتْ على تأويلها بأنها موجّهة حصرًا ضدّ الانحيازات الدوليّة للأنظمة المعنيّة. وواقع الأمر أنّ الانتفاضات كانت ضدّ النظام السياسيّ الاقتصاديّ في تونس ومصر (والجزائر والأردن واليمن…)، أو ضدّ نوعيّة ترابط السلطة والثروة فيها. على هذا المستوى يتضاءل، حتى الانعدام، الفارقُ بين “المعتدلين” و”خصومهم،” فيظهر الجميعُ رجعيين، ويظهر النظامُ العربيُّ على حقيقته: سجنًا للشعوب، للعرب قبل غيرهم. وفي حلول “العلمانيّ” بن عليّ ضيفًا على الحكم السعوديّ السلفيّ الوهّابيّ ما يدلّ على أنّ السلطة (أو البقاءَ الأبديَّ في الحكم) هي “دينُ” الحاكمين الأوحد. على أنّ الثورة والانتفاضة أظهرتا أيضًا أنّ هناك رابطةً عربيّةً حيّةً متفاعلة، ليست في رأينا من النوع القومويّ العربيّ (التقليديّ) أو نموذج العروبة المطلقة، ولكنها ليست مخاصمة للعروبة في المقابل كما ذكرنا.
11 ـ انتفضتْ مصر بعد تونس. لا شكّ في وجود أثر إيجابيّ تحريضيّ تونسيّ في مصر. لكنّ من شأن نجاح الانتفاضة المصريّة، وتمكّنِها من إسقاط نظام مبارك، ومن إرساءِ أسس حكم أكثر شعبيّة واستقلاليّة وتمركزًا حول مطالب المصريين الاجتماعيّة والسياسيّة والمعنويّة، أن تكون دفعة مشجِّعة للقوى الديمقراطيّة التونسيّة. وربما يكون ذلك علامةً كبرى على درب التمرّد على قوى الهيمنة الداخليّة والخارجيّة في العالم العربيّ والعالم.
دمشق، 7/2/2011
* كاتب من سوريا، ومراسل الآداب فيها.
المقالة منشورة في مجلة الآداب, ١-٣ /٢٠١١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى