صفحات مختارةمحمد علي الأتاسي

أن نردّ لا لننتحر ولكن لننتصر

null


محمد علي الأتاسي

انطلاقاً من الاقتناع أن إسرائيل لن ترضى بالسكوت على الخسارة التي منيت بها في حرب صيف العام 2006، وأنها ستعاود الكرة من جديد، وإدراكا لأهمية صون المقاومة للمقبل من الأيام بالنقد لا بالمديح والتبجيل، تحاول هذه المقالة أن تقدم بعض الملاحظات النقدية من حول فكرة إزالة إسرائيل التي عادت للظهور أخيراً في خطاب المقاومة.

في الكلمة التأبينية التي ألقاها أخيراً السيد حسن نصر الله في جنازة عماد مغنية القائد العسكري في “حزب الله” الذي تم اغتياله في العاصمة السورية دمشق، اعتبر قائد المقاومة أن اغتيال مغنية يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع مع إسرائيل وقال منبهاً المجتمع الدولي: “فليكتب العالم كله وعلى مسؤوليتي، يجب ان نؤرخ لمرحلة بدء سقوط دولة إسرائيل”. وحذر السيد حسن بأن “دم عماد مُغنيّة سيخرجهم من الوجود إن شاء الله” وبأن دماء القادة الشهداء سالت “لتجرف ان شاء الله بصدقها ونقائها وطهرها، هذا الكيان السرطاني الغاصب، المزروع في قلب جسد امتنا العربية والإسلاميّة“.

وفي معرض حديثه أقام السيد حسن نصر الله الحجة على من يشكك بجدية كلامه من خلال استشهاده بمؤسس دولة إسرائيل بن غوريون الذي قال يوماً إن إسرائيل تسقط بعد خسارة أول حرب لها. لكن يبدو أن ما فات السيد هو أن بن غوريون قال كلامه الافتراضي هذا لغاية الحشد والتعبئة في صفوف المجتمع الإسرائيلي، الذي لا شيء آخر أكثر من الخوف من الهزيمة والرعب من تدمير الدولة الصهيونية، يمكن له أن يرص صفوفه ويشد من عزيمته ويدفعه لتجاوز تناقضاته ومشاكله الداخلية! هذا ناهيك عمّا يمكن أن يولده هذا النوع من الخطاب التهديدي من مشاعر التعاطف والتضامن الدولي مع إسرائيل التي لا تلبث أن تصرخ بأنها “مهددة بالفناء”، وهو ما سيجد ترجمته العملية في المزيد من المساعدات الاقتصادية والتعاون العلمي وعقود التسلح!!

لا بل إن القول بسقوط إسرائيل هو خير دليل على الابتعاد، لا الاقتراب، من تحقيق هدف كهذا. والحقيقة أنه عند استماعي لكلام السيد حسن انتابني شعور عميق بالقلق على المقاومة بشكل خاص وعلى لبنان بالمجمل، فأن يأتي القول ببدء سقوط إسرائيل وبإخراجها من الوجود وبدماء الشهداء التي ستجرف هذا الكيان السرطاني من جانب قائد بوزن نصر الله، فهذا في رأيي المتواضع يمكن أن يفسر على أنه علامة من علامات الضعف لا على كونه دليلاً من دلائل القوة. فالقوي القادر على إسقاط إسرائيل أو حتى الساعي إليه يعمل من أجل ذلك بالفعل لا بالقول، لا بل إنه يحرص على أن لا يأتي على لسانه مثل هذا القول، الذي لا يؤدي إلى شيء آخر سوى تقوية اللحمة الداخلية الإسرائيلية وزيادة التعاطف الغربي مع الدولة العبرية. وهذان الأمران ليسا بالتأكيد في مصلحة من يعمل من أجل إسقاط إسرائيل.

قد يقول قائل إن السيد أدلى بكلامه هذا لشحذ الهمم في لحظة من لحظات الحزن والفقد الكبيرة، لكن من يتتبع ردود فعل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الموالية لـ”حزب الله” والتي اعتبرت أن إسرائيل باتت في حكم المنتهية لا لشيء سوى لأن السيد قد بشّر بذلك، فإنه لا بد له أن يشعر بالقلق من المنحى العاطفي المشخصن الذي راح يحيط أكثر فأكثر بالسيد حسن نصر الله وينسج من حوله هالة من القداسة، في الوقت الذي هو في أمس الحاجة إلى النقد، المحب ولكن الصادق.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ألم يتنبه احد من قادة “حزب الله”، أو يلفت انتباه السيد حسن نصر الله، إلى الخطأ الفادح الذي ارتكب في جنازة عماد مغنية، عندما ألقيت ثلاث كلمات تأبينية بالفارسية لممثلي الهرم السلطوي الإيراني، هي كلمات المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ووزير الخارجية منوشهر متكي، في حين أكتفي من الجانب العربي واللبناني بكلمة السيد حسن نصر الله؟! ألم يكن من الممكن أن يلقي أحد قادة منظمتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتين كلمة باسم حلفاء “حزب الله” العرب، هذا حتى لا نتكلم عن غياب كلمات الطرف الرسمي العربي الصديق والحلفاء اللبنانيين؟!

وفي العودة إلى السؤال الذي طرحناه في المقدمة، نقول إن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود، بمعنى أن الدولة الصهيونية بشكلها الإسبارطي الحالي لا مستقبل لها في منطقتنا على المدى البعيد. والصراع هو صراع وجود بمعنى أن الحل الوحيد لهذا الصراع هو في قيام الدولة الديموقراطية التي تعطي حقوق المواطنة الكاملة لكل سكانها وتعيد للاجئين الفلسطينيين حقوقهم المسلوبة. وإذا كان صحيحاً أن الوصول إلى هذا الحل الأمثل لا يرتبط بالرغبات والتمنيات، بقدر ما يرتبط بالعمل الدؤوب لتغيير ميزان القوى على أرض الواقع وصولاً إلى تحقيق هذا الهدف، فإن ميزان القوى المقصود هنا لا يرتبط فقط بالقدرة العسكرية والجهوزية القتالية اللتين أبلى فيهما “حزب الله” بلاء حسناً، ولكنه يرتبط أساساً بالصراع الحضاري بكل أبعاده العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

نعم سننتصر على إسرائيل عندما ندرك أن صراعنا معها هو صراع حضاري طويل الأمد، ونؤسس على هذا الإدراك إمكانات نهوضنا الحضاري في مواجهة تحديات المشروع الصهيوني. نعم الانتصار على إسرائيل المدججة بالسلاح النووي ممكن، لكنه بالتأكيد لن يأتي فجأة ولن يكون بالضربة القاضية. ففي عصر القنابل الهيدروجينية والصواريخ العابرة للقارات وحرب النجوم وهيمنة القطب الواحد، أن تفكر بإزالة إسرائيل من الوجود مع ما تملكه من جيوش ودبابات وطائرات وقنابل نووية، وذلك من خلال قدرة “حزب الله” العسكرية المؤلفة من بضعة آلاف من المقاتلين وعشرات الآلاف من الصواريخ معناه أن هناك خلل ما في طرح المعادلة بهذا الشكل وهناك مشكلة في حساب التوازنات بهذه الطريقة! فهذه القوة بشبابها وصواريخها تردع إسرائيل وتمنعها من التمادي في عدوانها، لكن لا تستطيع أن تزيلها من الوجود. اللهم إلا إذا كان هناك أمور خارقة للعادة وخارجة عن المألوف في يد قيادة “حزب الله” تتجاوز مقدرة المحاكمة المنطقية للإنسان العادي على التحليل والفهم والإدراك!

إعرف عدوك هي الفكرة المفتاح في كل صراع مصيري. فهل يكفي أن نقول في واحدة من لحظات الخطابة إن لا مدنيين في إسرائيل أو نقول في مرة أخرى أن هناك فقط المتطرفين ومتطرفي المتطرفين! وهل هذا الكلام ينم فعلاً عن معرفة حقيقية بالعدو؟

ماذا نعرف، نحن العرب قيادات وشعوباً، عن هذا الكيان وعن مشاكله وصراعاته وعن مواطن قوته وضعفه وعن قواه السياسية والعسكرية وعن تحالفاته الخارجية وعن تيارات الرأي العام فيه وعن قدرتنا في التأثير عليها؟ وهل يكفي ترجمة بعض برامج القنوات التلفزيونية الإسرائيلية ونشرات الأخبار ومقالات الصحف الإسرائيلية لندعي أننا نعرف إسرائيل؟

أين هي الدراسات الأكاديمية العربية الرصينة عن هزيمة 67 وحرب 73 واجتياح 82؟ أين هو أرشيف الحكومات العربية المفتوح للباحثين؟ بل أين هم هؤلاء الباحثون و أين هي معاهد الأبحاث والأقسام المتخصصة في الجامعات بدراسة المجتمع والدولة العبريين؟ أين هي صناعاتنا الثقيلة والخفيفة، الإلكترونية والحربية؟ أين هي زراعتنا المنتجة وعمراننا المتمدن؟ أين هي تجاربنا العلمية ومختبراتنا المتطورة؟ أين هي السوق العربية المشتركة والتنسيق والتعاون العربي والإسلامي؟ هذا حتى لا نتجرأ ونتكلم عن مشاريع الوحدة والإتحاد العربيين في الوقت الذي نحن أعجز ليس فقط عن عقد مؤتمر قمة عربي، ولكن عن ضمان التعايش السلمي وحسن الجوار بين المذاهب في أحياء مدينة بيروت الواحدة؟!

نعم الرد على اغتيال مغنية مطلوب وضروري، لكن السؤال هو في كيفية الرد وطبيعته؟

السؤال كيف نرد بالأفعال الدقيقة لا بالكلمات المنبرية؟ السؤال كيف نرد بتقوية عيشنا المشترك لا بإضعاف لحمتنا الداخلية؟ السؤال كيف نرد ونجنب شعبنا وبلدنا المزيد من الدمار المنفلت العقال؟ السؤال كيف نرد لتحييد قوة إسرائيل الرادعة لا لنعطيها الحجة أمام العالم لتقتل وتدمر وتستبيح؟ السؤال كيف نرد ونوجع إسرائيل من دون أن نكون مضطرين لأن نتبنى علنياً هذا الرد؟ السؤال كيف نرد لا ثأراً ولا انتقاماً ولا تشفياً ولكن لنردع عدونا وندفعه للتفكير ألف مرة قبل أن يعاود مثل هذه الأعمال؟ السؤال كيف نرد لا لنقتل نساء وأطفالاً ولكن لنبعد القتل عن نسائنا وأطفالنا؟ السؤال كيف نرد بذات الحرفية وبذات الدقة وبذات القوة ولكن بما يميزنا عن عدونا من أخلاق وعدالة؟ السؤال كيف نرد لا لننتحر ولكن لننتصر؟

محمد علي الأتاسي

(كاتب سوري)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى