صفحات سوريةغسان المفلح

الخروج من إيران.. العامل الخارجي سورية

null
غسان المفلح
بداية لا بد من تسجيل ملاحظة, حول الفرح الذي انتاب بعض أطياف المعارضة, التي ما فتئت تهاجم السياسات الغربية, عموما والأميركية خصوصا.
هذا الفرح الذي تولد عن إحساسهم المعلن في الخفاء, بأن السلطة في سورية قد خرجت من عزلتها الدولية والإقليمية. ولنفترض على سبيل الدعابة, أن السيد ساركوزي قام بتوجيه دعوة للمعارضة السورية, بإرسال وفد لحضور احتفالات العيد الوطني الفرنسي, فماذا سيكون عليه حال هذه التيارات المعارضة? هذه الملاحظة العابرة, في الواقع هي لتجديد الحوار, والنقاش حول السياسة الخارجية للسلطة في سورية.
من الواضح جدا أن اللوبيات الإسرائيلية قد تحركت بقوة خلال السنوات الماضية من أجل الوصول إلى هذه اللحظة التاريخية, وهي إخراج السلطة في سورية من عزلتها. رغم أننا كنا نختلف مع كثير من المراقبين, إن السياسة الأوروبية, هي سياسة هزيلة, وليس من مصلحتها, استقرار المنطقة, ولديها شبكة متأصلة من العلاقات المشينة, في هذه المنطقة من العالم, والسياسة الفرنسية الآن ليست خارج هذا الإطار في الواقع.
كان بودنا في الحقيقة أن نطرح سؤالا على السيد ساركوزي: ما الذي قدمته السلطة في سورية, من أجل إحلال الاستقرار في المنطقة? وهذا سؤال يستدعي سؤالا آخر: ما الذي قدمته إسرائيل على نفس الصعيد, حتى تكافأ بمثل هذه المكافأة? إن هذه المقدمة تنقلنا بلا أدنى شك إلى مستوى آخر من النقاش, وهو ما مصلحة إيران وإسرائيل معا, في إبقاء سورية بلدا مأزوما وارتجاليا? ثم ألا يشكل هذان الطرفان عاملا خارجيا في حسابات السياسة ذات الخطاب الممانع? من قال أن هذا التحالف المباشر بين إيران كدولة لها ستراتيجية واضحة المعالم والسلطة في سورية, يريد أن يخرج سورية من أزمتها? ثم من قال أن هذا التحالف غير المباشر الإيراني الإسرائيلي أيضا, يريد إخراج سورية من أزمتها هذه? وهل مهرجانات ساركوزي البهلوانية, ستخرج سورية من أزمتها? والتي هي مهما قلبنا أوجه البحث فيها, هي أزمة السلطة في سورية, وهذه الأزمة هي التي تخيم وخيمت بكل ظلالها على الواقع السوري, حتى وصلت إلى حالة, أصبح فيها المواطن السوري بلا أي ضمان وطني, لا على مستوى السياسة ولا على مستوى حياته اليومية, وأزماتها التي باتت مركبة. نستطيع القول أن المنطقة والتغيرات التي حدثت فيها منذ عقد ونصف تقريبا, قد انعكست على أن تتحول سورية إلى بلد مأزوم, وارتجالي, بمعنى تحولت إلى طرف خفيف في المعادلات الإقليمية, بين المشروع الإيراني- المتوافق ضمنا وتكتيكيا مع المشروع الإسرائيلي- وبين المشروع الأميركي. لذا هنالك نغمة تتردد ساركوزيا, بان السياسة الفرنسية والإسرائيلية تريد إخراج السلطة السورية من إيران. نحن نميل إلى أن هذا الكلام في الحقيقة هو للرأي العام, لتبرير سلوك, لا يريد استقرارا ولا سلاما في المنطقة. فهل من مصلحة هذه الأطراف, باستثناء الطرف الأميركي: قيام نظام إقليمي مستقر لأميركا فيه دور محوري? إسرائيل ببساطة ليست جاهزة للسلام مطلقا, وإيران أيضا ليست هي الدولة- المشروع, الذي يعيش دون حالة تصدير نفسه نحو الخارج الإقليمي, سواء نوويا أو طائفيا. أما أوروبا فهي مريضة, بأوهام السياسات الألمانية- الفرنسية, ومن خلفهما إنكلترا, التي تقف داعمة للسياسة الأميركية, باستثناء ما يتعلق منها بسورية. فالتجارة الألمانية- الإيرانية عامرة, والصفقات التي تمت مع الشقيقة قطر, راعية الأزمة والتأزم بالآن معا, أيضا فرنسا, أزالت برقع الحياء السياسي, عن وجه بعض الإدارات السياسية الأوروبية. واستمرأت الأمر, بحيث يمكن لها في لحظة ما أن تدعو السيد أسامة بن لادن ليقف بجانب يهود أولمرت. الهدف إفشال أي تحول ستراتيجي نحو الاستقرار في المنطقة. هذا كلام تغطيه الأرقام, أرقام الصفقات الأوروبية الإيرانية, ومحاولة كسر الستراتيجية الأميركية دون أن يؤثر ذلك على نشوب خلاف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية. لهذا يلوح ساسة أوروبا بورقة التوجه إلى دول شرق آسيا الصين. أما من الجانب الإسرائيلي: من قال أن إسرائيل تريد من النظام السوري, إيقاف صورايخ حماس? ومن قال أن من مصلحة إسرائيل, استقرار الوضع في العراق, كما هي الحال مع إيران?
من هذه الأسئلة الكثيرة وغيرها, يبقى السؤال الأساس, هل النظام في دمشق قادر على فك التحالف اللا سياسي مع إيران, وهل هو مازال قادرا على التصرف لوحده ضد حزب الله وحركة حماس? ثم هنالك من يتحدث عن جهل الساسة في أوروبا, لطبيعة العلاقة التي تربط إيران بالنظام السوري اعتقد أن هذا الأمر على غاية من السذاجة. عندما تفشل أميركا أوروبيا وإسرائيليا, فإن أوروبا قادرة من جديد على تحجيم ايران, بينما لا تستطيع أن تحجم السياسة الأميركية فيما لو نجحت بما تتحدث عنه من قيام نظام إقليمي, شرق أوسطي.
هذا إذا أضفنا العامل الروسي الصيني إلى اللوحة, يصبح المشروع الأميركي مخترقا من أقرب حلفائه. ولهذا فالعالم يعرف ويعي طبيعة العلاقة السورية الإيرانية, وعدم قدرة النظام في دمشق على التخلص منها ومن حمولتها السورية داخليا وعلى كل المستويات, كما هي حال لبنان الشقيق. النظام يرى في إيران الحليف الوحيد في هذا العالم, الذي يسانده في مشروعه اللا مشروع سورية, ومن دون أن يؤثر على سلطته في الداخل السوري. أما بقية دول العالم فما تطلبه منه أكثر بكثير من قدرته على تحمله وهو علاقات طبيعية وقانونية ومستقرة. حتى تتغير الستراتيجية الإيرانية, تكون سورية قد شارفت على حرب أهلية, وبذلك يعود الفرنسيون والإنكليز والألمان لكي يتدخلوا من أجل لملمة الدم السوري. وهذا ما يفسر أيضا تناقض المنطق هنا, الأوروبيون وإسرائيل بحاجة فقط, لتمديد الفشل الأميركي, وعدم دفع الفاتورة الفلسطينية. ولن يجدوا حليفا أكثر من الحلف الإيراني السوري. إن زعامة العالم الأميركية, باتت حملا بشكل أو بآخر على السياسة الأوروبية, التي تريد زعامة على العالم بالمحاصصة الواضحة, ولهذا بحثه الخاص. مع ذلك فإن الخطوة الفرنسية هذه ليست سوى شهر عسل مؤقت, سيرمي عليها النظام في سورية يمين الطلاق في القريب العاجل, لأن عينه على واشنطن ليس ألا. فهل واشنطن بعد الانتخابات جاهزة لكي تدخل عرين العار الأوروبي? هنا يبقى السؤال معلقا.
* كاتب سوري
السياسة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى