صفحات العالمميشيل كيلو

بين الداخلي والخارجي!

ميشيل كيلو

في رد على موقف اتخذه في سبعينيات القرن الماضي من كانوا يسمون في حينه ‘العلماء السوفييت’، تساءل أستاذنا الراحل إلياس مرقص بدهشة : ما هو الداخلي في المجال القومي العربي وما هو الخارجي؟. هل الوضع في بلد عربي كمصر خارجي بالنسبة إلى بلد عربي آخر كسورية، على سبيل المثال أم هو وضع داخلي أيضا؟. وهل علاقات العراق مع إيران مثلا شأن داخلي يخصه وحده أم هي شأن عربي، قومي، بامتياز أيضا؟كان ‘ العلماء السوفييت ‘ يتحدثون آنذاك عن الوحدة مع مصر باعتبارها شأنا خارجيا بالنسبة إلى سورية، فرد عليهم المفكر العربي الكبير بأسئلة ذكرت باثنين منها، وبين لهم، عام 1971، أن المجال العربي واحد ومتشابك، وأن انقسامه إلى داخلي وخارجي لا يعني أن لديه مجالين منفصلين لا تربطهما رابطة عضوية، كما هو الحال مثلا بين الداخل والخارج الياباني تجاه الصين أو منغوليا مثلا .وأكد أن ما بين العرب من أواصر تاريخية وآنية رسمية وشعبية، يختلف في طبيعته وبنيته عن تلك التي تشدهم إلى أي مجال غير عربي، وأن علاقات مجالهم القومي ليست سياسة خارجية بمعنى الكلمة التقليدي، ليس فقط لأن حامل هذه العلاقات هو في حالات وأحداث كثيرة المواطن العربي في سائر أقطار العرب، كما يظهر بجلاء حين يقع حدث داخلي أو خارجي خطير يمس الأمة فيصل الشعور بالخطر عليها إلى جميع فئات وطبقات المجتمعات العربية، ويثير رد فعل مواطنيها في كل مكان ويجعلهم يتفاعلون بطريقة متشابهة معه أو ضده، مثلما وقع مرات متكررة خلال الاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين، والعدوان الإجرامي الراهن، الذي يشنه نظام معمر القذافي على الشعب الليبي .ليس المجال القومي خارجيا بالنسبة لأي شعب عربي، وإن كان كذلك بالنسبة للنظم غير القومية الراهنة، التي تعاني الأمرين من موقفها ‘ الخارجي ‘، الديبلوماسي، تجاهه، وتتسبب بمعاناة غير قليلة للشعوب العربية، حين تشعر عند وقوع أزمات تعصف به أن حكامها يخونونها، وأنهم معادون لأمتهم، كان من المفترض أن يحملهم انتسابهم إليها مسؤوليات جدية تجاهها، لكنهم يتنكرون لها ويقصرون في القيام بواجبهم تجاهها، فيظهرون على حقيقتهم كأعداء لها.واليوم، ونحن على مشارف عصر عربي جديد، بدأ من بلد عربي هامشي هو تونس، يتجدد إشكال العلاقة بين الداخلي والخارجي في وطن العرب، ويستعيد راهنيته، ويظهر في صورة جلية مدى التداخل والتشابك بين مشكلات المجال القومي، وكم هي مشتركاتها متماثلة، والحلول المطلوبة شعبيا لها موحدة أو متقاربة، وردود أفعال ومشاعر المواطنين حيالها متطابقة، وكم تتقاطع مخترقة حدود البلدان العربية و’سيادتها’، ويغلب القومي فيها على المحلي، وبالأحرى كم يكتسب المحلي في أيامنا طابعا قوميا وسحنة أموية ما بعد قطرية، وكم ‘قومن’ ظلم وقمع واستبداد الأنظمة مجتمعات ومشكلات أرادت لها أن تكون مصدر حصانتها ضد أمتها، ومنبع قطرية جديدة، بنيوية ومحدثة، محمية بالقهر والعزلة والتمييز، فإذا بها تستدعي موقفا عربيا جامعا، يخترق الكيانات القطرية من شتى الأصناف والألوان، ويتجسد في نداء قومي تطلقه حناجر عشرات ملايين العرب كل يوم في كل قطر ومصر، يقول باختصار سهل وممتنع: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، بينما يتوجه إلى حاكمه بكلمة واحدة آمرة هي ‘ارحل’.هل تعبر ثورة العرب الراهنة عن وحدة الأمة؟. نعم، وذلك من جانبين: عند القاع المجتمعي وفوق في القمة: عند القاع المجتمعي من خلال مطلب التغيير الديمقراطي والحريات، الذي لا تكاد تخلو منه اليوم نفس عربية، في أي مكان.وفوق من خلال الخوف من هذا المطلب والمسارعة إلى التعامل معه بشتى الوسائل: من رشوة الشعب بتلبية بعض مطالبه المعيشية والمادية – كأنه لا يتمرد إلا من أجل الطعام!- إلى العمل على شق صفوفه ووضعه بعضه في مواجهة بعض الآخر، إلى استنفار طاقات النظم الأمنية وإعدادها لحرب أهلية ضروس كالتي يحمل لواءها اليوم معمر القذافي: قاتل شعبه وعدو أمته، الذي ظل يرفع لواء الجماهير إلى أن تحركت، فواجهها بلواء حكامها ووبخها لأنها لم تجعل بن علي التونسي رئيسا مدى الحياة، ولأنها ‘ظلمت ‘ حسني مبارك، الفقير المسكين الذي لم يكن قادرا على أمين لقمة عيش لسوزان وعلاء وجمال، دون مساعدات القذافي الشهرية له!.اندمج الداخلي بالخارجي وبالعكس، مع حركة الشعب العربي الواحدة الموحدة ضد نظمه، ووحدت القاعدة وطنها الكبير، وقربته بعضه من بعض في المشاعر والتطلعات والوسائل والأهداف، وشحنته من جديد بالقوة والأمل، ونقلته إلى ما بعد حقبة الاستبداد، التي خال بناتها من الحكام أنها عصية على التحدي، فانهارت قلاعها الأقوى خلال أيام، وها هو نظام القذافي ينهار بدوره تحت ضربات مكونها الليبي، بينما ينتظر الآخرون دورهم في يوم غير بعيد . أليس هذا الحدث التوحيدي حجر الزاوية في بناء أمة جديدة هي أمة المجتمعات والشعوب الديمقراطية والمواطنين الأحرار، التي ستقوم على أنقاض ‘أمة ‘نظم استبدادية ركبت على طموح شعوبها القومي، فأحبطت نموها كأمة حديثة، مبدعة ومنتجة، بافتعال تناقض وجودي بين القومية والديمقراطية، وبين السياسة وحقوق الإنسان والمواطن، وبالإمساك بخناق شعوبها ولعب أخطر الأدوار في إطفاء جذوة القومية في صدور بناتها وأبنائها.ها هي الأمة تعيد تأسيس نفسها سياسيا على أرضية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية، وبالمصالحة معها باعتبارها رافعة الاختراق الإستراتيجي / التاريخي الجديد، الذي يعصف الآن بنظم لم يبق لها من وظيفة غير كبح الجديد لإدامة الاستبداد، رغم أنها تشهد هدم بيتها الكرتوني في بلد تلو الآخر، وكنس وسخها من الحياة العربية العامة والخاصة، وإزالة ما أفسدته من وجود المواطنين المادي والروحي طيلة نصف قرن طويل. وإنه لأمر يسعد نفس العربي ويبهج قلبه أن يرى انهيار واختفاء نظم لم تنجح في شيء غير قمع شعوبها وتخريب هياكل وأبنية الأمة، أكثرها تعبيرا عن هذه الحقبة السوداء نظام سفاح ليبيا، الذي سيكون لانهياره من النتائج الإيجابية ما لا يمكن وصفه بالكلمات، وما ستظهر بركاته في كل واحد من أبناء الأمة، وستنعكس على حياة بناتها وأبنائها، لأن انهياره سيعتبر واحدا من الفصول الأخيرة لاختفاء كل المجرمين والفاسدين والسفاحين، الذين صعدوا إلى سدة الحكم وحكموا وتحكموا، مع أن مكانهم الحقيقي هو سجون عتاة القتلة والجنائيين.ينبلج صباح الأمة العربية، التي ستنتج قوميتها على صورتها ومثالها، بعد أن أنتجت نظم الاستبداد مجتمعاتها ضد المجتمع العربي وأمتها ضد الأمة، فجاءت هزيلة، مهزومة، غائبة عن الوعي، يتلاعب أعداؤها الداخليون والخارجيون بمصائرها كما يحلو لهم، فهي مفككة ومتعادية، تعيش خارج عصر يتعاون جبابرته وعتاته على طحن عظامها، والإمعان في نهبها وإضعافها، فلا عجب أن تكون قد آلت إلى وضع فقدت معه السيطرة على مقدراتها، وغدت ككرة تتقاذفها أرجل كل من هب ودب وطمع فيها أو تطلع إلى إذلالها. واليوم، وقبل أن يبلغ التطور الثوري غاياته جميعها، تبدو الأمور وكأنها انقلبت رأسا على عقب، فالمواطن العربي العادي يصرخ في كل مكان معلنا انتماءه إلى هويته، مع أنه كان يتنكر لها البارحة، ويفيض في صدورنا جميعا الاعتزاز بالنفس وينبعث قدر من الشجاعة في أرواح نسائنا ورجالنا وأطفالنا وشيوخنا كان يظن أنه ضاع إلى الأبد، بينما تقف النظم مربكة لا تعرف كيف تواجه شعوبها ومجتمعاتها أو كيف تتفادى الهلاك على يديها، بعد أن بدأ غضب كاسح يخترق حدودها الجغرافية وحصاناتها الأمنية، وانكشف المستور وذاب الثلج وبان المرج، وشرعت رياح التغيير تعصف بكراسيها وعروشها.إذا كان القومي ليس داخليا بامتياز، وكان برانيا وخارجيا، كيف نفسر ما نعيشه منذ قرابة ثلاثة أشهر، ويتجلى في أنه لم يعد هناك في أي مكان نظام عربي لا يرى نفسه اليوم بدلالة ما حدث في تونس ومصر، ويحدث في ليبيا؟ أي نظام عربي يستطيع اليوم تجاهل الإرادة الشعبية والمجتمعية، التي كان يعلن بمناسبة وبلا مناسبة تحديه لها واحتقارها، بالنسبة إلى وجوده؟ وأي نظام لا يدرك أن ما وقع في البلدان الثلاثة يجبّ ما قبله من أوضاع، أو يدخل إليها لحظة حاسمة هي التي ستقرر مصيره، وأن من يتمسك بالحسابات التي أنتج انطلاقا منها في حقبة سابقة، سيحكم على نفسه بالإعدام، إن هو تجاهل المستجد الشعبي والمجتمعي، وواصل رسم سياساته انطلاقا منها، لأنه سيكون عندئذ كمن يخوض معاركه خارج أي زمان ومكان، بعقلية لا تنتمي إلى الواقع، وأشخاص غير مؤهلين للقتال، وأسلحة فات زمانها . ألا يفسر هذا، بالمناسبة، سرعة انهيار نظم رفضت الإصلاح والتغيير، واستكانت إلى قوة أجهزتها القمعية، التي ما لبثت أن انهارت في أيام قليلة ( خمسة أيام في تونس (140000عنصر أمن )، وأسبوع في مصر (1300000 عنصر أمن وأمن مركزي) !. لقد دخلنا إلى وضع جديد، لا يستطيع فيه أي نظام مد يد العون إلى غيره، فالجميع بحاجة إلى قواهم جاهزة وتحت التصرف، والجميع يشعرون بالغرق، في ظروف محلية وعربية ودولية مفعمة بالمخاطر، بلغت في ليبيا حد التلويح بالتدخل العسكري ضد النظام!.أخيرا، نصيحة لوجه الله: إذا كان هناك من يرى نفسه بدلالة الجديد الذي يجري، ومن يريد التخلي عن الأوهام التي كان قد أقام عليها وجوده وأدواره، فليستخلص العبر اللازمة مما يحدث وليفهم بإخلاص معنى العاصفة الجوالة في أرض العرب، وليربح معركته بالإصلاح والتغيير والحوار مع مجتمعه وشعبه، بدل أن يخسرها ويخسر نظامه، ثم يعيش بقية أيامه، أن عاش، على الندم!.إن التكوين البنيوي للأمة يجعل داخل أي قطر قوميا، يتفاعل، شاء نظامه ام أبى، مع ما يجري في مجال الأمة، وينعكس عليه. ذلك يعني أن لا نجاة لأي بلد عربي من مصير تونس ومصر وليبيا، ما لم يبادر حكامه إلى إنقاذ أنفسهم: بإصلاح يلبي مطالب شعبه، كي لا ينتزعها منهم بالتمرد!.
‘ كاتب وسياسي من سوريةالقدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى