الرئيسية » كتاب الصفحات » ابتسام إبراهيم تريسي » رواية المعراج – الحلقة الثالثة

رواية المعراج – الحلقة الثالثة

null
ابتسام إبراهيم تريسي
قرر أخيراً مواجهة نفسه بنسيان كلّ ما حدث، صار يذهب إلى الدُّكان، يشتري حاجيات البيت، ولا يعير ثرثرة فتنة انتباهاً، حتّى حين أخبرته أنّ فاطمة تنتظر مولوداً، هزَّ كتفيه بلا مبالاة، ومضى إلى شأنه. مع حلول الشّتاء وانتظامه في الدّراسة وسفره كلّ يوم إلى القدس، صار يتخلّف عن مراقبة نوافذ فاطمة المغلقة دائماً، لم تعد نفسه تميل إلى اكتشاف أماكن جديدة في الجبل، وغرق في الكتب، يلتهمها، ولا يشعر بالشّبع، ويعيش فيها بعيداً عن أيامه حتّى جاء اليوم الذي سمع فيه تلك الصرخة المفزعة من نافذتها. للوهلة الأولى اعتقد أنّ كابوساً مرعباً اقتحم منامه ليوقظه بشراسة، لكنّ خطوات أمُّه المتعثرة بظلال الأشجار واللهفة، وهي تغادر صحن الدّار أكّدت له أنّ الأمر لم يكن مجرد كابوس. تردد كثيراً ـ وهو يقطع المسافة بين البيتين ـ  في طرق الباب والسّؤال عما يحدث، فقد أثقل السّكون صدره بتساؤلات مرّة وهواجس لا تنتهي.لم تطل تلك اللحظات المشؤومة كثيراً، صرخاتها المفجعة قطّعت نياط قلبه، ثمّ فجأة همد كلّ شيء، واعترى الكون سكونٌ مريب، تقطعه خطوات حذرة وصوت نحيب مكتوم! لم ينتبه ليد أمُّه الّتي هزته برفق وهي تقول:ـ  ليش واقف وحدك والدّنيا عتم؟ الجو بارد، تعال معي.سار وراءها دون أن ينبس بكلمة، لم تكن بحاجة لإخباره، لم يكن بحاجة لسماعها، مع هذا راحت تقول، وكأنّها تواسيه:ـ إنّها إرادة الله.
***
عزلته بعد موت فاطمة أثرت على نفسيته، فلم يعد يُقبل على الاختلاط بأحد ، وصار يعيش داخل عالمه الخاص معتقداً أن في ذلك سلامه الروحي. مع بداية الربيع رأى أغناماً تجوب الوادي، وتتوغل في الطريق الجبلي،  ولم يرَ لها راعياً!في البداية لم يهتم للأمر، ثمّ لفت انتباهه طيف امرأة، تمرُّ بين أشجار الوادي لتلجأ قريباً من الدّرب إلى ظلِّ زيتونة، تلامس أغصانها الأرض. راح يراقبها زمناً، فعرف أنّها راعية تلك الأغنام، تُطلق الكلب وراءها،  وتجلس وحيدة بعيداً عن الأنظار حتّى العصر،  ثمّ تنهض لتجمعها.دفعه الفضول في البداية لنبذ أفكاره كلّها والجري وراء خيالها، كلّما مرّت قريباً من الدّرب.  ثمّ وجد نفسه ينشغل بها كلياً، صار يقترب من مكانها أكثر ليستطيع تأملها جيداً، أوّل ما صعقه ذلك البياض الملفت للنظر في بشرتها وجبينها الواسع والشّعر الأسود السّبط، الذي تجمعه دائماً في ضفيرة واحدة مهملة خلف ظهرها، وتعصب رأسها بمنديل شفاف، وعلى الرغم من أثوابها الفضفاضة الطويلة لمح تلك التكورات الجميلة لجسدها. هذا الصباح التفتت ناحيته وابتسمت. عند الظهر اقتربت قليلاً، ونادته بصوت مبحوح:ـ هيا، معك ماء؟ قال منساقاً وراء الحديث:ـ وإن لم يكن معي، أحضره لك.قالت باستغراب:ـ من أين؟ضحك:ـ أذهب إلى العين، وأعود لك بالماء. قالت:ـ لا ، لا أريد أن أتعبك، أذهب أنا. استوقفها: ـ يبدو أنّك غريبة؟هزت رأسها، ورفعت كتفيها بحركة لا مبالية:ـ كلّنا غرباء في هذه الدّنيا. ومضت دون أن تلتفت.تركته جالساً ينتظر أوبتها حتّى شعر بالتّعب فتمدد على العشب.في عمق الوادي رأى فتنة تصعد متجاوزة منطقة الصخور الوعرة، فخفق قلبه، ما الذي أتى بها في هذا الوقت؟ كانت ترتدي ثوبها الرهباني الجميل، وتسدل منديلاً شفافاً من الحرير على وجهها. حين اقتربت من الدّرب التّرابي، أيقن أنّها جاءت تقصده، أربكه حضورها، وراح يحضّر نفسه للفرار، حين وقفتْ أمامه بكلّ بهائها وفتنتها، أزاحت المنديل، وحدّقتْ فيه بعينين نجلاوين تفيضان سحراً وعذوبة، صاح في سرّه “يا إله السّماوات، أيعقل هذا؟” دفعها فوق العشب، وهو يتخيّل لقاءهما الأوّل، حين همَّ بها، صعقته تلك العذوبة في سواد العين، حتّى أحجم قليلاً، وتراجع، لكنّها جذبته “ألا تريد أن تعرف ما يجري هناك خلف الباب المغلق؟”أغمض عينيه على ذكرى فاطمة، وآلمه أن تذكّره فتنة بذلك، كاد يصرخ بها، ويصفعها، حين رأى بوضوح أنّ الفجر التمع فوق الجبين الواسع، وغاصت غمازة في الخد الأيسر لتكشف عن ابتسامة ملائكية، لم يعرفها في وجه فتنة من قبل. حاول أن يرفع يده، لكنّه أحسَّ بالعجز، حاول الصراخ، لكنّ صوته اختفى! حاول النّهوض، فأقعده الخدر، ورآها تبتعد عنه، وهي تضحك ضحكتها الشّيطانية المجلجلة، تنزل الدّرب بسرعة قبل أن يتيقن أنّها لم تكن فتنة!. لسعه نسيمٌ بارد ففتح عينيه ليجد المساء قد اقترب، والأغنام غادرت الوادي ولا أثر للراعية! ***لا تعرف دريّة لماذا اختار زوجها هذا المكان للإقامة فيه، بعد تنقل دام أشهراً، جابوا فيه مدناً وسهولاً وقرى كثيرة. تطلّعت من شق الخيمة إلى الشّمس المشتعلة بلون أرجواني، ضرّج زرقة السّماء بوهج الشّوق والحنين إلى ما وراء الجبال العالية، حيث تمتد السّهول، وتتسع الصحارى، وتخيّم أشجارٌ لها نكهتها اللاذعة على مداخل بيوت الشعر، والسّراب يَعِدُ بقادمٍ يلوح طيفه مع الغروب. هل تكره الجبال؟ تنازعتها عاطفتان، إحداهما تجرّها بقوة بعيداً عن أسوار الجبال التي تحجب الأماكن الفسيحة والفضاء الرحب، وأخرى تهيب بها إلى الصعود حيث القمة لتصبح أقرب إلى السّماء! كانت تعتقد أنّ الغناء يُنبت لها أجنحة تحملها في الفضاء حيث يمكنها مراقبة الكائنات من الأعلى، ترى كيف تشعر العصافير الواقفة هناك أعلى الشجر؟ سمعت همهمة صادرة عن الخيمة، فركضت لتجد أمّها تحاول الاقتراب من جرّة الماء، صاحت بها: ـ لماذا تفعلين ذلك؟ قلت لك ألف مرّة أنا آتيك بما تريدين، لا تغادري فراشك، أرجوك، أنت تذبحينني بإصرارك على قتل نفسك. اخترقتها نظرة أمّها بقسوة، فهمت دريّة أنّها رفعت صوتها أكثر مما يجب، التمست لنفسها عذراً، لقد سرقت أمّها الحلم، دائماً تصرّ على إعادتها إلى الأرض، وتبقى هي حبيسة هناك حيث استقرّت روحها، كاد غضبها ينفجر بشتائم تطال ذلك الذي غاب، وتركهما لأقدارهما دون أن يهتم لحقيقة واضحة، وهو أنّه مركز هذا الكون بالنسبة لهما، وعمود البيت الذي انهار برحيله. عادت للغناء علّها تهدأ تلك العاطفة المستفزة، التي تحملها إلى ذكرياتها المرّة، وغالباً تنهرها مُحاولةً النسيان.سمعت صوته، وهو يتنحنح قريباً من باب الخيمة، حدّقت فيه، وكأنّها تراه للمرّة الأولى، قسماته الحادّة، بشرته المائلة إلى السّواد، قامته المفرطة الطول حتّى ليبدو كنخلة تكاد تنقصف، بطنه الضامر ، وتلك النّظرات الغامضة! ما الذي جعلها توافق على الزواج منه؟ سؤال يتبادر إلى ذهنها كلّما وجدته قادماً من المرعى، يقف كضيف في باب الخيمة قبل أن تطلب منه الدخول . أحياناً تتصوّر نفسها تحبّه، وتتساءل “كيف ستكون علاقتي به عندئذ ؟”تطلّع حمدان في وجهها، رأى نظرة عينيها الغارقتين في الشّهد تغمرهما شمسُ الأصيل فتأتلقان شهوة! شعر لأوّل مرّة برغبة تحرق جسده، وتحطم تلك الحواجز المضروبة بينهما، شدّها من يدها، ودخل المخدع، لم تقاوم، في هذه اللحظة اشتهى ذلك، رغب أن تقاومه، أن ترفض، لكنّها استلقت باستسلام، وأغمضت عينيها كالعادة، وسحبت حواسها وحرارة جسدها إلى حيث تحلّق روحها، وتركت له جثة باردة ساكنة. لم يستطع أن يستمر في عناق جسد ميت، شعر بالبرودة تتسلَّل إلى أعضائه، فيرتخي كلّ ما فيه، ويفقد إحساسه بالرغبة. ابتعد عنها، لف سيجارة، وغرق في سحب الدخان الكثيفة، حتّى كادت العلبة المعدنية تفرغ من التبغ. بقيت صامتة دون حراك، فغادر الخيمة، وجلس في الخلاء ينفث حقداً سيطر على أعصابه، وراح يكسر فروع الأشجار، ويرميها بعنف، ثمّ أشعل ناراً، وقعد مقابل اللهب، خطرت له فكرة: ماذا لو أحرقها؟ إنّها تستحق، تلك الأفعى تشعره بالعجز كلّما اقترب منها. لماذا تفعل ذلك؟ لماذا رضيت بالزواج منه؟ توقفت أفكاره عند السؤال، هل رضيت حقّاً؟
***
صار يوسف يترقب حضورها بلهفة، وحين تغيب يوماً ينتابه القلق، ويقضي نهاره في التّفكير بالأسباب الّتي منعتها من الحضور، لم يتوقع أنْ تسيطر على مشاعره إلى حد اختراقها الحلم، وتربصها به أثناء دراسته، لتطلع له من الصفحات بغمازتها اليتيمة وابتسامتها السّاحرة، الّتي تنحسر عن أسنان صفّها الخالق بعناية مفرطة!. أخذته على حين غرة، وتغلغلت كالنّسيم ما بين القميص والجلد، فخبّأ رائحتها في جسده. أسابيع طويلة مضت، وهو يتعثر بين تدفق مشاعره العجيب نحوها وبين ضوابط يخشاها، حتّى شعر بالعجز عن الاستمرار في تجاهل تلك المشاعر المستفزة، وقرر أن يبوح لها بمشاعره. كعادتها اقتربت منه قليلاً، حدّثته عن أشياء عادية، وغادرت بلا مبالاة. استوقفها قبل أن تجمع أغنامها:ـ إلى أين تمضين؟ـ حيث يشاء لي القدر .إجاباتها أثارت تساؤلاته واستغرابه، وربّما كانت أحد أسباب تعلقه بها. قال:ـ ألا تبقين قليلاً:ـ قالت:ـ وهل في يدي أن أبقى؟ لا أحد يملك أن يبقى!قال:ـ أحتاجك.قالت: ـ تحبني؟لم يجب، توقفت الكلمة في حلقه، يعرف تماماً ما الذي منعه من التّلفظ بتلك الكلمة. هزت كتفيها، وقالت:ـ لا تهتم، تريدني؟فتح فمه دهشة، فقالت، وملامحها تنطق بالحياد:ـ يكفيني الآن أن تريدني، لأنّك ستحبني حتماً.لم يفهم ما الذي قصدته بكلماتها، وإن توقف كثيراً عند تلك العبارة، وخمَّن بأن صاحبتها حمقاء ومغرورة، وفي أحسن الأحوال تربط علاقة الجّسد بالرّوح. أطلق عليها اسماً فاح من جسدها، فأنعش الخلايا الميتة في جسده!صارت خُزامَى تأتي من منطقة “عين الخارجة” لتلقاه في سكون الليل قريباً من نبع العذراء، يقطعان الطريق المؤدي إلى المزار، يلفهما الصمت المهيب وأشجار السّرو الشّاهقة، أصبح أسير رغبتها بأن يلتقيا في مكان له قدسيته بالنّسبة إليها، وله ذكريات حارّة عنده. قالت له: ـ أشعر أنّ الزمن هنا يتلاشى، فأرى أحياناً بعينيّ أنّي العذراء، تحمل بين ذراعيها طفلاً جميلا ً، تكاد تغرقه بتلك النّظرة العطوفة المتأملة، أهو حلم بعيد أن أكون عذراء ولي طفل مثلها؟! لمَ يكون ذلك حكراً على الأنبياء؟لم يعرف بم يجيبها، بل لم يكن يهتم بهلوسة امرأة شبه مجنونة وغامضة، لذا لم يبحث عن سر تلك الكلمات ولم يعِ عمق الألم الذي تعانيه تلك الرّوح المتقلّبة بين المرح والشّراسة. نفضت عنها الكآبة في لحظة، ونهضت لترقص بوحشية، هزَّت جسدها بعنف، وهي تضرب الأرض بباطن قدمها، رقّت حركاتها حتّى دارت بخفة حول نفسها على ساق واحدة، تمايلت كنسمة، قفزت وكأنّها تريد الطيران، ثمَّ ارتمت منهكة القوى فاتحةً ذراعيها للسّماء، التفتت إليه لتقول بحزن: ـ ليتك لي، لكنّ الفرح بعيد كالسّماء، وأنا لن أطالها يوماً. صمتٌ مهيب على قمة جبل العقود، هما وأحجار “بيت العزب”  وشجرة السّرو تخيّم بظلّها الثقيل على جسديهما، عتمةٌ انسدلت على حواسه تدريجياً، جسدها المستلقي دون حراك ، حوافه باردة كحواف تمثال حجري. تردد في لمسها، دموعها الّتي تنفستْ وراء الأهداب، أمطرتْ في روحه.حكت له عن ذلك العذاب الذي اجتاحها وتلك الاختلاجات الجبّارة الّتي قطّعت الشّرايين، وأسالتْ دماءها، حين أرادت التّمرد على زواجها ممن لا تحب، ثمّ ما لبثت أن استيقظت على فجيعتها القاسية، الرضى بواقع الحال! لكنّه لم يجرؤ على البوح بقصّته مع فاطمة.حين حدّثته عن حياتها بحياد، اكتسحته قشعريرة باردة، سحبته من قوقعة الأمان، اقتلعته من جدرانه العظمية، فوجد نفسه عارياً، طرياً، وهشاً. لم يعد هناك ما يحميه من اندفاع مشاعره، وتدفقها، ارتطمتْ روحه بالأرض مُحدثةً دويّاً أصمّ أذنيه. بات يخشى أن يلمس جسدها ليتأكدَ من حرارة النَفَس داخله، حدّق فيها جيداً، شعر بالقلق والحيرة، لكنّه سمعها تقول:ـ هي قصّة حبّك الأولى! دائماً تجرحنا تلك القصص بنصلٍ حاد، يحتفظ بحرارة الدّماء، وتدفقها المريع على مرِّ السّنين.أدهشه قولها، أمسك يدها، وهو مستلق قربها، يحدّق في السّماء الزرقاء الصّافية، وقلبه ينتفض، وحواسه كلّها معطلة، مع هذا سمع صوتها في أعماقه، يهزه بنغمه الشّجي، ويخبره تفاصيل تلك المأساة الّتي عاشها، ويواسيه برقة ماسحاً موضع الألم، منتزعاً البقايا المرّة من نفسه. أدار وجهه نحو الوادي ، حينها لم يعد للتمثال وجود، لم يعد للدّمع وجود، سكونٌ عميق في صفحة السّماء الفضية، سكونٌ في أعماقه، سكونٌ يجمّد أوراق الشّجر، لم يعد يستطيع التقاط صوت نبضه. لمس يده بحذر، لا أثر لحرارة أو صوت. اقتحمه الرعب “أهو ميت؟”صوتُها يقتحم السّكون، وينتزعه من حيرته:ـ هل كان يهوى غيري؟ دائماً يجرحني بوجود أخرى، ربّما لن تفهم ذلك لأنّك رجل، لن تفهمه أبداً… أبي فعل ذلك أيضاً، يغيب زمناً طويلاً، وحين يعود برائحة امرأة في ثيابه، تبكي أمُّي في الفلاة مُطلقةً عويلاً مُرّاً.. تُراكَ تفهم ما أقول؟ في عينيك تكذيبٌ واضح ـ ذلك لا يهم ـ أمُّي أصبحتْ حبيسة جسدها، لم تنطق بعد ذلك قط، وأبي تابع رحلاته إلى النّساء اللواتي ينتظرنه في محطات بعيدة بعد أنْ رماني في حضن زوجٍ لم أرَ يوماً شكله؛  يستحمُ في البركة، بعد أن يبعدني إلى الحظيرة. لم ألمس لحمه يوماً حتّى ذاك الذي ينكشف حين يضاجع جثتي المذعورة… لن أكون مثل أمُّي، لا، لن أكون مثلها، هؤلاء العابرون فوق جثتي سيدركون يوماً أنّ النتن الذي اعتقدوه في جسدي يفوحُ من أرواحهم. هل تسمعني؟ لا يهم، المهم أنْ تعرفَ أنّني أحببتُه، قد تضحك وتقول: ومنْ أينَ لمثلكِ أنْ يعرفَ الحبّ؟. لكن هذا ما حدث، أحببته، وانتظرته طويلاً، وكان دائماً يعود إليّ برائحة أنثى، ويكذب مدّعياً أنّه لي، كنتُ أفهم، وأتغابى، هو يجد متعة في تصديقي لأكاذيبه، ونار الحقيقة العارية تلتهمني، لم يكن لي يوماً، ولا أحبني، لن تفهم معنى أن تحبّ أنثى بروحها حتّى يسقط الجسد ، تراك تسمعني؟ لا يهم، المهم أنْ تعرف أنّني حين ترصّدتُك أوّل مرّة كنتُ أنوي الإيقاع بك انتقاماً لنفسي من نفسي، لكنّني أحببتك، وقتذاك شعرتُ بروحي تسمو، وترتفع نقيّة إلى السّماء، وتترك هذا الجسد الفاني على الأرض. تراك تفهم؟ ليس مهماً… ليس مهماً أبداً…  أذهله كلامها، كيف لها أن تكتشف كلّ هذا؟ لم يكن الجواب عصيّاً على ذهنه، فالنّساء يتمتعن بقوة الكشف وإن بدون ساذجات أحياناً. أهو إلهام تكتسبه النّساء ساعة الخطر فيدركن الغيب؟ لا بدّ أنّها واحدة من هؤلاء اللواتي يملكن قدرة ذهنية تكشف أمامهن ما غمض في غور النّفس البشرية! أراد طردَ تلك الصور المزعجة نهائياً من مخيلته، والقبض على ثباته ليخرجَ من حالة البلل المقلقة. لم يكن على استعداد لطمأنة روحها الهشة الّتي تكسّرت بين أصابعه!  تشبثتْ به:ـ ألن أراك ثانية؟ عدني فقط.لم يجب،  تراخت يدها، همستْ بلطف:ـ أعرف أنّ الحلم بعودتك ليس من حقي، هل تعرف معنى الوعد بعودة مستحيلة؟ وأعرف أكثر أنّك لن تحبني الآن، ولن تصدّق أحاسيسك تجاهي. لكن لعنتي ستلاحقك طوال حياتك!بدت كلماتها شهقات متتالية، شهقات خالها تنفث رائحة خُزامَى خفيفة، تسربت إلى يده المرتعشة. اقتربتْ أكثر، شعر بحرارتها مع برودة الجسد وحياديته!أراد التّأكد من أنّها حيّة، مدَّ يده، انسابت بسلاسة فوق البياض الشّمعي لجسدها، ودَّ لو نهضتْ، لو لفحتْ أنفاسُ الخُزامَى وجهه، لو … أدرك تلك الحالة الّتي تلبَّسته عنوة. قليلاً ما يشعر بمزاج عاطفي رائق يدفعه للاعتقاد بعظمة الكون وأزلية الوجود، ما يلبث أن يطغى عليه إحساسٌ عقيمٌ بوحشةِ الكون وفراغه. وقف على حافة الوادي، الصمت زاد إحساسه بأنّه وحيد في الكون الشّاسع، آخر البشر على الأرض، إحساسه ذاك جعله يعتقد أنّه مجرد ذاكرة! لم يعد يشعر بجسده، هل حلّق عالياً؟اكتسح السّماءَ طائرٌ أسود، فتحَ مزلاج أذنيه فجأةً على صحوة العالم، وأدرك أنّ ما عاشه يشبه حلماً أخرس، يقاتل فيه أشباحاً ضبابية، تدخلُ سكاكينه في لحمها، ولا يرى آثاراً للدّماء!قالت:ـ للطيور لغةٌ موجعة تذكّرني دائماً بالرحيل والفقد. أراقبها في مواسم الهجرة ، فتنبت لي أجنحة، أحسُّ أنّني لا أطيق البقاء على الأرض. ***
دخل البيت على غير عادته واجماً، حتّى أنّه نسي أن يرمي تحية المساء، قالت صفية بغصّة:ـ إيش فيك يا حبيبي؟ لم يستطع أن يرد، سؤالها البسيط أشعره بالذنب، فدخل غرفته، ورمى جسده على الفراش، واحتلّ وجه خُزامَى مخيّلته لساعات مانعاً النّوم من السيطرة على جسده. كان يسمع حديثها كأنّه السّحر. تتناوب النّسمات الثقيلة في تحريك السّتارة، فيندفع الهواء السّاخن ليلفح الوجه والقلب، تذكّر حديثها: “لماذا ارتسمت الدّهشة على وجهك واعترتك البلادة؟ أغريبٌ ما أرويه لك؟ نعم تلصص عليّ وأنا أستحم في البركة، رأيتُ عينيه تومضان بشرر مخيف من خلل شجرة الزيتون الضخمة، كان يختبئ هناك، ويتأملني، في البداية كنتُ أفزعُ من تصرفه، بعدها صرت أتحدّى نظراته بلا مبالاتي، وكأنّي لا أراه، مع الأيام صارت اللعبة تستهويني، كلّما رأيتُه خارجاً إلى المرعى، أذهب للاستحمام، وأرمي أثقالي عني، وأتحرّر من نفسي، أعوم ساعات طوال، وهو حبيس تلك الشّجرة. تغيّرت معاملته لي منذ ذلك الوقت، كثيراً ما مارس أنواعاً من التّعذيب على جسدي لكنّي لم أعد أهتم، الصمت جوابي الوحيد. أتريد أن تعرف أكثر؟ أعرف أنّك لا تهتم، لكن ليس مهماً أبداً، ليس مهماً…  خرجتُ في الربيع إلى البركة، أتأمل بقايا الزهور تنثرها الرّيح على صفحة المياه الفضية، أنعشني نسيمٌ يحملُ لسعة شتاء رحل، فتمددتُ على العشب، ونظراتي تصافحُ الزرقة اللانهائية، هل كنتُ وقتها أحصي الغيوم البيضاء؟ بل كنتُ أحصي السّنوات الهاربة من عمري وأنا أتأرجحُ بين شك ويقين، نعم كنتُ أشكّ أنّي ابنة هذا الوادي، فالرّوائحُ الّتي تسكنُ تحت الجلد تهيبُ بي أن أبحثَ عن مكانٍ آخرَ لموتي. لماذا ترتسمُ الدّهشة على ملامحك كلّما حدّثتك عني؟ أكاد أجزم أنّك تستكثر على راعية أنْ تمتلكَ روحاً شفافة وذهناً متوقداً، ماذا لو أخبرتُك أنّي لستُ راعية، وأنّي الغريبة في هذه البلاد ، ولا أنتمي إلى تلك الخيمة! أتدري؟ أنا سعيدة جداً لأنّي استطعت أنْ أحوز اهتمامك.”تحدّثت خُزامَى بلسان غريب هذه المرّة، اللهجة تغيّرت، اللغة أيضاً، حلّقت بعيداً في فضاء لا يعرفه، جابت مدناً أخرى، تتخيّلها أم عاشت فيها؟ لا يملك إجابة دقيقة، لكنّها انتبهت سريعاً إلى حيرته، وقاطعت أفكاره مبتسمة:ـ أتسمح لي بمناداتك باسمك؟ وجد نفسه يوافق مستسلماً رغم إنكاره جرأتها في الاقتراب منه، قالت باستخفاف:ـ أتدري أنّ زوجي ربحني في لعبة قمار؟ تحفزت حواسه كلّها، واستنفرت روحه، ما الذي تقوله هذه المجنونة؟ تابعتْ خُزامَى بمرارة:ـ أرى أنّ كلّ أحاديثي تبهرك، لكنّها حقائق، حقائق شديدة القسوة والواقعية. وراحت تروي بصوت هادئ عميق حكايتها:( كان جدي من رجال طبل علي زعيم الدالاتية في جسر شغر، أرسله إلى قلعة المضيق في مهمة سرية ليلتقي هناك مع ميلي إسماعيل الزعيم الآمر في القلعة ـ قد لا يعنيك أن تعرف أنّ الدالاتية هؤلاء جماعة من الطائشين، سيطروا على منطقة نهر العاصي: ــ ( Deli).رددتْ خُزامَى العبارة بتركية رخيمة اللفظ، وهي تحدّق في الأفق ـ  ودون أن تلتفت إلى يوسف أكملت بحسرة:ـ نعم، هم جماعة من المجانين الحمقى من جنسيات مختلفة، جاؤوا من الأناضول، تجمَّعوا حول قائدهم دلي باشا. وقد اغتصب طبل علي السّلطة على الجسر من محمّد رجب باشا، واستقلَّ بالحكم.سار جدي إلى قلعة المضيق ليلاً، في طريقه لاحظ حركة مريبة للعسكر العثماني، لكنّه لم يبالِ، وتابع طريقه حاملاً الرّسالة المهمة إلى ميلي إسماعيل. لم يكن يدرك ما خبّأه له القدر في تلك الرّحلة الشّاقة. عبَرَ مستنقع الغاب، الطريقُ الموحش كافٍ لإدخال الذعر في نفسه، وجعله يتردد في التقدّم، لكن تلك الرسالة اللعينة ظلّت تفرضُ عليه النزوع للمغامرة وطرد الخوف، وتدفعهُ قُدماً للقاء ميلي إسماعيل، حلَّ الظلام قبل وصوله القلعة، فعرّج على خان أفاميا حيث تقيمُ مجموعةٌ من البدو، بقي مستيقظاً طيلة الليل خشية أن يُسرق أو يُقتل، تذكّر قول طبل علي:”إياك أن يغمض جفنك، في يدكَ هلاكُنا”. حين بزغتْ خيوطُ الفجر الأولى، شدَّ رحاله صوب القلعة صاعداً ذلك الطريق الوعر القاسي. بعد تجربة مريرة مع حرس البرج الغربي، استطاع أن يدلف إلى أقبية القلعة بانتظار اللقاء السّري الموعود، لكنّ أحد الحرّاس وجّه الحَربة إلى صدره فجأة، وانتزع منه الرّسالة، وقيّده، ورماه على الأرض الرّطبة. صراخه شقّ الفضاء الأخرس من حوله، فعاد الصدى موجعاً كئيباً، لم يدرك مباشرة ما يحدث، ظن أنّه وقع في فخ، وربّما يريدون التّخلص منه بعد قراءة الرّسالة! هل كتب صاحبه طبل علي إلى ميلي إسماعيل آمراً بذلك؟عندما استيقظ من غيبوبته، لم يعرف كم مرّ عليه من الوقت وهو لا يشعر بالعالم من حوله. رأى الشّمس تمضي لا مبالية إلى حضن الغرب، وجسده مرميٌ  على فراش رث ووسادة بالية تسند رأسه. تطلّع جيداً، فعرف أنّه عاد إلى مساكن البدو قريباً من أفاميا، ولم يستطع حلَّ ذلك اللغز الغامض لدخوله ومغادرته القلعة في تلك الليلة الرهيبة. فوجئ  براعية مفرطة الحسن، تنتشله من ذهوله بوقوفها في باب الخيمة، ابتسمتْ، فغاصت الشّمس في خدرها، مدَّت يداً ناعمة لتناوله دلو الحليب، فارتعش قلبه. لم يكن في حالة ذهنية تسمح له بالتفكير، ارتجفتْ يدُه، وهو يدلق في حلقه حليباً فاتراً، ردّ إلى عروقه ليونتها. وعبّر عن امتنانه بنظرة شكر، التقطتها الرّاعية الحسناء بود وشرحتْ له كيف أنقذه قومها بعد رحيل الجند من القلعة. لم يجرؤ على السّؤال عن هوية الجند، وحاول أن يبدو أبله لا يفهم حديثها. بعد مضي أيام شعر بارتباط عجيب بتلك الحياة البسيطة لهؤلاء البدو، لكنّ شيئاً مريباً بقي يشغل تفكيره، هل يمكن أن تكون هذه الحسناء بدوية وهي تحمل هذه الملامح الملكية؟ ونسي في غمرة حبّه لدريّة السّؤال الموجع والأهم، هل يمكن لطبل علي أن يغدر به؟ ورغم تلك الحياة الهادئة بقي طبل علي كابوساً ينغص عليه تلك الهناءة، يقتحمُ ساعات نومه لائماً معنفاً، يراه أحياناً يغوص في بحيرة من الدّم وأحياناً يوجّه حربةً إلى صدره، وغالباً ما يشعرُ بحبلٍ يلتفُّ حول عنقه فيستيقظُ مذعوراً.أخيراً قرر العودة ومواجهة قدره وإنهاء حالتي الصراع والرّعب اللتين يعيشهما.مال في طريق عودته على خان الكوبرلي ليستريح. حين أطلّ  على الغروب متنفساً الصعداء لوصوله سالماً، لاحظ تبدّل فرسان البرج وحرّاسه، حدّق جيداً، فاكتشف بخوف أنّ العسكر يملؤون المكان. تسلل من الخان بعد أن أيقن أنّ صاحبه طبل علي قد فرّ بأمواله من البلد ملتمساً الأمير بشير في لبنان. وما لبث أن استقرّ الأمر لآل رستم. تعاظم قلقه وخوفه من بطش علي آغا رستم، الذي قتل ابن عمه، واستلم السّلطة، ونهب المدينة، فلم يجد بداً من الفرار، ولحق صاحبه الذي ترك لبنان إلى بغداد ومنها إلى مصر. عاش هناك سنوات قليلة قتله فيها الندم لتركه وراءه زوجة رائعة الجمال لا يعرف عن مصيرها شيئاً، قيل إنّه تدرّوش، ومات في التسعين من عمره مخلّفاً وراءه أولاداً لا يُعرف عددهم، وقيل إنّه مات شاباً إثر مرض لم يُعرف ما هو.جدتي الجميلة الّتي آلت ملكيتها لآل رستم مع الأموال والأرض، أنجبت بعد رحيل جدي صبياً جميلاً شغلها عن دنياها، حتّى جاءتها المنية حين ضرب المدينة الهواء الأصفر عام 1910، وفتك بأهلها عدّة أيام، حدث ذلك في شتاء قارس كثرت أمطاره وزوابعه الثّلجية . كان والدي حينها في أوّل صباه. غادر المدينة بحثاً عن أبيه الذي لم يعرفه أبداً. وروت لي أمُّي، أنّه لجأ إلى خيمة أبيها في ليلة شديدة العتمة، وهو منهك من العطش والجوع. آواه جدي وزوّجه ابنته، وجئتُ إلى هذه الدنيا، وكبرت، وأنا لا أكاد أعرف أبي أو أراه إلاّ مرتحلاً! ربّما عرفتَ الآن لمَ أسموني دريّة؟.عرف يوسف أنّ خُزامَى تمتلك شخصيّة متفردة، واسماً جميلاً حملته جدتها التّركية، وأدرك كنه ذلك الغموض الذي تضج به أنوثتها الفذة، وتمردها على واقعها، ورفضها أن تكون كأمِّها حبيسة الجسد! نعم، عرف كلّ هذا، لكنّه لم يستطع تفسير تلك القوة السّحريّة لحكاياتها، الّتي تجتثه من تصلّبه، وتدنيه من عوالمها، فترقّ مشاعره حتّى يكاد ينكرها! هل يمكن أن تكون تلك المشاعر الّتي يحملها لخُزامَى حبّاً؟.أكثر ما أثاره في حكايتها علاقتها بوالدها، يعرفُ أنّ الحبَّ أمرٌ واقع بين الآباء والأبناء، لكنّ علاقتها بوالدها أثارت استغرابه! قالت له يوماً:” لاشكّ أنّكَ تساءلتَ عن علاقة ما رويتُه لك بتخلي أبي عني بهذا الشكل المشين؟ هل كان والدي رجلاً عابثاً خليعاً؟ ما عرفتُ منه سوى حنانٍ دافق، وأحاديث غريبة عن الحياة في الطرف الآخر من العالم. كنتُ أشاهد في أحاديثه ـ بمتعة كبيرة ـ مدناً بهية كبيرة، وبيوتاً واسعة، وغابات، وأنهاراً ونساء!. نساءٌ كثيرات يخرجن من جعبة الحواة متألقات بجمالٍ تزيّنه أثوابٌ يسرفُ خيالي في منحها الغرابة والنعومة. يصادقني في تلك الأيام القليلة الّتي يزورنا فيها، فتصبح صحراؤنا واحةً، أطيرُ بعيداً عن عالمي وأحلم أنْ يجيء “حسّان” ابن الخال على فرسه ليحملني بعيداً عن شقاء الوحدة والغنم. كنتُ أتغاضى عن مغامراته الصغيرة الّتي تجرحُ فؤادي في سبيلِ جعله يحبني يوماً.حتّى جاء يومٌ عصف بقلبي، قال لي إنّه سيرافق أبي في رحلته القادمة. تشبثتُ بالدّمع، فلم ينفع في استبقائه، تشبثتُ بما أحمله له من حبّ جرف تربتي حتّى تعرّت، وأصبحتْ أرضي جرداء غبراء. ومضى عني! قال إنّه سيعود، ولم يعد. أبداً لم يعد، رجع أبي وحده ليقول لي بأسف: لقد وجد بغيته في مكان آخر من هذا العالم!لماذا فعل أبي ذلك ؟ نعم، هذا هو السّؤال الذي ألحّ عليّ وقتها، لمْ أتساءل عن خيانة مَنْ أُحب، لأنّي أعرفُ أنّه لم يحبني، وإنْ بذلتُ الغالي والرخيص له. ما أصابني في مقتل، لماذا زيَّنَ أبي له السّفر؟ لماذا خلعه من هذه الأرض ليزرعه في أرض غريبة لا تطالها يدي؟ تساؤلاتي غاضتْ في بئرٍ من الأحزان حين أطال أبي غيبته الأخيرة. عاد بعد سنوات، لا ليمكث بيننا، بل ليخطفَ ما تبقى من لون في جلدي حين صعقني بخبر زواجي! الأمرُ أبسط عليه من تناول كأس ماء قراح، شربه بهدوء، وغفا وقت الظهيرة، وعندما دنا المساء، لمحتُ ذلك الزَّول القادم من الغرب، تحيط به زوبعةٌ عاتية، وتتوارى الشّمس وراء كتفيه، ويكتنفه السّواد، وكأنّي به طلع من الرمال، وانتفض عالياً، ثمّ ارتمى كرمح في مرمى الضوء، وسادت العتمة، بعدها بلحظات، انزاح طيفه قليلاً، جلس قريباً من الجمر، صبّ القهوة، وتناولها بيد ثابتة، وهو صامت! لم تعُزه الكلمات، غايته واضحة، وعليّ أن أقبل بذلك القدر الصاعق، وأسير إلى فراشه مستسلمة. هل كنتُ من الغباء بحيث أسلِّم جسدي للذبح؟ بصراحة، حينها لم أكن أجدُ فرقاً، الأمور كلّها سواء. لم يكتفِ أبي برمي جسدي بتلك الطريقة المهينة، بل لم يعترض على رغبة زوجي في مغادرة صحراء النّقب طلباً للرزق كما ادّعى! غادرنا شمالا ً، في البداية كنتُ أشعر وكأنّي سمكة غادرت بحرها، مع الأيام اعتدت حياة التنقل، وصرت أجد في كلّ الأمكنة ملاذاً لغربة روحي، حتّى اعتقدت أنّي كنتُ في جيلٍ سابق حرباء تُغيّر لونها بتغيّر المكان! كانت الرحلة شاقّة على جسدي، فأصابني الهزال، تنقّلنا في أماكن عدّة حتّى اختلطت عليّ الأسماء، فكنت أجدُ نفسي أحياناً على حافة صحراء، وأحياناً على شاطئ واسع وأفق لا حدود لزرقته، وأخيراً احتضنتنا الجبال، ربّما رأى زوجي أنّ هذا المكان مناسب للعيش، لا زلت إلى اليوم لا أعرف أين التقى أبي، وكيف صرت ملكه؟ لم يعد للسّؤال معنى، فقد أدركتُ من اللحظة الأولى لرحيلنا أنّها المرّة الأخيرة الّتي سأرى فيها أبي، لكنّي لم أكن أعرف أنّي سأفقد أمُّي أيضاً. لم أكن يوماً قريبة منها، مع أنّها احتوتني تلك السّّّّنوات، وهو في ترحاله الدّائم ، ومع هذا ، كنتُ أنتظره على مشارف الغروب كلّ مساء ، أحدّثه حاضراً وغائباً ، وأخترع له الحكايات ، وأسجد بوجد لطيفه الذي يبرز هنيهة وراء جفنيّ المغمضين . لكنّه قتلني مرتين بمنتهى القسوة . هل كانت الثانية أعنف وأقسى بتسليمه جسدي لرجل لا أعرفه، ولم أحبه بعد ذلك أبداً؟ لا، لا تظن ذلك، لقد استلم جسداً ميتاً، قتلته الطعنة الأولى، ولم يعد يشعر بالألم، حتّى رأيتك! لا تجفل هكذا، هل يصعقك أنْ تُحبَّك راعية ؟ أرى ذلك بوضوح، لكن لا تهتم، لا تهتم لذلك أبداً، إنّه حبٌّ محكوم عليه بالإعدام سلفاً، الجميل في الأمر أنّي أدركُ ذلك، نعم أعي أنّك ستقوم من مجلسك هذا، مغادراً روحي وجسدي إلى غير عودة، أعرف أنّك متى ما دخلتَ هذا الكهف المعتم لألمي ستفرّ منه طالباً صفاءك. تعساً لي!.صمتت خُزامَى، لم يفته ما في لهجتها من سخرية ومرارة، مع هذا بقي صامتاً حيادي المشاعر.
***
لجأ يوسف إلى النّوم لدفنِ ذلك القلق الذي سيطر عليه زمناً، شعرَ بفتورٍ في جسده وارتخاء في أطرافه، وخمول في ذهنه. يمضي النّهار والليل دون أن يشعر بحاجة للتحرك خارج جدران غرفته الصغيرة، ملَّ الكتب، ملَّ الدّراسة وكلّ شيء حوله، وسيطرت خُزامَى على حواسه، تحاصره في يقظته فيهرب منها إلى النوم! حين غافله صحوٌ مفاجئ كأنّه بُعث من موتٍ أكيد ، نهض حاملاً قلقه وتوتره ليطفئهُ بكأس ماء. ارتجفت يده وهي تحمل الكأس الزجاجي، ولم يكن تحطمه يعني له أكثرَ من صوت نبّه حواسه لحركة النّهار من حوله. دخلتْ أمُّه مسرعة، تعوذتْ بالله من الشّيطان، ومسحت بابتسامتها الرّائقة بقايا شروده:ـ أخَدْ الشّر وراح. ترك كأس الحليب الفاتر ـ الذي تصرّ أمّه على تقديمه له كلّ صباح مرفقاً بدعائها ـ  على طاولة من الفوضى، وخرج. في هذا الصباح الرّبيعي تسللت رائحةُ الأعشاب النّديّة إلى جلده ورافقته في طريقه إلى القدس، في الصفحات المغلقة، أصرَّت الخُزامَى على افتراسه بنعومتها. أكان غريباً حضور أزهارها في صفحة كتاب؟ خُيّل إليه أنّ الزهور تنهضُ من يباسها، تتفتح في لون الورق التّرابي، وتنشر رائحتها المسكرة أبخرةً تلفُّ رأسه. عرف خُزامَى امرأة لا تحفل بإيمان ولا خوف، أسئلتها المعقدة شديدة البساطة، الشيء ونقيضه، تحمل وجهين لعملة واحدة في كلّ سؤال تطرحه ، ثلجٌ ونار، ضوءٌ وعتمة، حتّى خالها عرّافة متخفية في ثوب راعية بسيط، تهمس له بثقة:ـ في عالم غير هذا سألقاك،  ستكون لي يوماً، حينها لن أنتظر وعداً بعودتك، لا، حينها لن تستطيع الفرار مني، ترى في أيّ هيئة ستعود؟ استفاق من شروده ليعيد طرح ذلك السّؤال المقلق: (هل يمكن لأيّ إنسان سليم العقل أن يعود ليشاهد فصول الحياة في روايتها السّخيفة؟ وإن كانت بظروف مختلفة وأشكال أخرى؟). ما أعجب هذا الكائن الفاني المسمى إنسان! يصرّ على الاحتفاظ بذاكرة تقتله بتفاصيل مرعبة! كلّ تلك الأشياء الّتي لا يرحمه حضورها، كلّ تلك الخبرات الّتي يختزنها جسده، وتلك الآلام الّتي تحتويها روحه. كيف ينسى؟ وأيُّ حياة يريد أنْ يعيش دون ذاكرة وخبرات وآلام؟ تظهر صفية في الباب فجأة، تنظر إليه بحنان:ـ صوتك واصل لعندي، إيش بدك تنسى يا حبيبي؟ عارفة وجعك، بس ما بإيدك تغيّر شي، الحل الوحيد تتزوج، وتضحك من ها الأيام لما يصير عندك أولاد، كلّ إنسان يا حبيبي بدّو يمر باللي مريت فيه.خطر بباله وقتها قول الشّاعر: (ما الحبُّ إلاّ للحبيب الأوّلِ ؟).انتبه فجأة إلى نظراتها، لأوّل مرّة تيقن أنَّ أمَّه الهادئة الطيبة بوجهها الذي يطفح بشراً وحناناً تعرف أكثر مما يريدها أن تعرف؛ تعرف وجعه! أمُّه تريده أن ينسى ما هو فيه بالزواج! هل هي جادّة في قولها؟ أكّد أبوه جديتها مساءً حين أطلَّ من باب غرفته، وقال له بلهجة لا تحتمل نقاشاً:ـ وعدت عمك “أبو محمود” بزيارة لنطلب ابنته، حضّر نفسك.وجد نفسه في بيت عمه، أمُّه تكاد تطير من الفرحة، وأبوه يرسم المستقبل، وعمه يهز رأسه موافقاً، وهو يبتسم:ـ حصلت لنا البركة، ما رح نلاقي أحسن منه لبنتنا.  وهو ذاهل عمّا حوله، لم يستطع أن يقول إنّ الوقت مبكّر، وأنّه لا يصلح للزواج، أو …كالنّار في الهشيم انتشر خبر طلبه لجميلة! اعترضت فتنة طريقه وهو في طريقه إلى السّوق:ـ مبروك يا سبع، قالوا لي رح تتزوج؟ ما رح تعزمني على العرس؟وضحكتْ وهي تُحرّك رأسها بإشارة ذات معنى، جعلت الدّم يتصاعد إلى رأسه، وتضرب حمرته وجهه، واندفعت شتيمة مقذعة من شفتيه. لم يكن يقصدها حتّى أنّه فكّر بالاعتذار من فتنة الّتي فتحت فمها دهشة، ثمّ قطّبت ما بين حاجبيها وقالت بجدية:ـ بتعرف؟  ها الحين مليت عيني، ما كان من زمان!تساءل في سرّه “أيّ نوع من النّساء هذه المرأة؟ كدت أشعر بالارتباك والندم لأنّي شتمتها فإذا بها تتمنّى أن أفعل أكثر من شتمها، ربّما تمنّت أنْ …”أصرّت فتنة على مضايقته بوجودها دائماً في طريقه، وتلميحاتها المكشوفة للقاء حميم تريده، وذهبت محاولاته في صدها أدراج الرياح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.