صبحي حديديصفحات ثقافية

أحوال الشاطر حسن

صبحي حديدي
انتفاضات تونس ومصر وليبيا، والتظاهرات الشعبية في الجزائر واليمن والأردن والبحرين وسورية والعراق، أسقطت الكثير من المقولات التي بدت راسخة مكينة في التفكير الغربي عن مجتمعاتنا، كما أشار غيرنا وأشرنا في مناسبات سابقة؛ ولكنها، من جانب آخر، أرسلت إلى العراء المكشوف، وإلى ميادين التعرية الأقرب إلى التفضيح، سلسلة سلوكيات اقترنت على الدوام بطبائع سواد عريض من المثقفين العرب. ولقد رأينا مَنْ كانوا في صفّ المطبّلين للمستبدّ، اللاهجين بفضائله، المسبّحين بحمده… ينقلبون، في التوقيت الدقيق القاتل، إلى منتفضين عليه، منقلبين ضدّه، لاهجين بفضل الديمقراطية، مسبّحين بحمد الثورة!
تلك، بالطبع، حالة كلاسيكية، وعتيقة مكرورة متكررة، قد يصحّ أن لا تُحتسب في أيّ مسرد يرصد تقلّبات المثقف، السلطوي وشبه السلطوي بصفة خاصة، في المنعطفات الحاسمة من تواريخ الأمم. وإلى جانب أحاسيس الإستنكار أو الإدانة، وربما الإشمئزاز أو الإحتقار، ماذا يقول المرء عن مثقف كان في خيمة معمّر القذافي قبل أشهر قليلة، وهو اليوم يتنافخ في الفضائيات ويقول في شتم الدكتاتور الليبي ما لم يقله الإمام مالك في الخمر؟ وما ظنّ المرء بإعلامي كان ردّاحاً مدّاحاً صدّاحاً بنِعَم المستبدّ؛ ثمّ شوهد يذرف الدموع المدرارة وهو يستذكر صنوف ما تعرّض له من ظلم ومهانة، في عهد المستبدّ ذاته؟
طريف، مع ذلك، أن يتابع المرء حفلات تبديل الجلد، قبيل سقوط المستبدّ، أو خلال الزمن الفاصل، أو بعده بقليل؛ إذْ يُضبط المثقف الموشك على تبديل جلده وهو
يتفادى ـ ببراعة مثيرة للإعجاب، حقاً! ـ توريط الاسم والقلم في قضايا متفجرة، أو توشك على الإنفجار، مفضّلاً التمرّغ في حرير العموميات، والمواقف الغائمة، وأحابيل المعنى الآمن، القابل دائماً للتأويل الآمن. وكيف لا يفعل، يقول لك اللوذعي فيهم، وهو أصلاً ساكن البرج العاجي (التهمة ـ النعمة التي يسهل قلبها على قفاها، كلما اقتضت الحاجة)؟ وكيف لا يحتقر، ويحقّر، فكرة ‘الإلتزام’ بأية قضية، وهو صاحب الإمتياز المقدس في أن يكون الحرّ المتحرر من أي قيد؟ وعلى سبيل المثال الفاقع، وقبل ما كشفته انتفاضات الشوارع العربية من نماذج، ألم يكن عشرات المثقفين العرب ـ ممّن ركبوا دبابات صدام حسين في الفاو، أو اعتلوا منابره في المربد، وارتزقوا وأنفقوا وعربدوا من أموال شعب العراق ـ هم أقذع مَنْ شتمه حين خرّ، وأسرع مَنْ طلب رأسه؟
وثمة، هنا، ‘خيانة’ من طراز خاصّ فريد، لأنّ المثقف الخائن (أو ‘الخوّان’، في التعبير البدوي الجميل)،
يحسن استخدام الكثير من الأقنعة، فيرتدي هذا أو يخلع ذاك أو يسدل قناعاً على قناع، بحيث تبدو الخيانات محض تنويعات لـ’صحوة ضمير’ هنا، أو ‘مراجعة للذات’ هناك، ليس دون صخب وضجيج حول التمرد والإنشقاق والإنسلاخ. إنها، بالطبع، نقيض الخيانة التي امتدحها جوليان بيندا، حين ألحق الخزي والعار بكلّ مثقف لا يجازف بحياته (على المحرقة، أو الصليب، أو المقصلة!)، دفاعاً عن الحقيقة. ولا صلة تجمعها، البتة، بـ’الخيانة شبه القسرية’ التي اعتبر ميشيل فوكو أنّ المثقف يمارسها، وهو يرابط وسط شبكة معقدة من السلطات والأنظمة والقوى. إنها، في المثال العربي، ‘شطارة’ التخفي أثناء الإصطفاف على هامش قطبَيْ العزلة والإنحياز، بدل انتزاع موقف نقدي يليق بمثقف لا يليق به أن يكون واحداً من اثنين: صانع إجماع محايد، أو بائع كليشيهات وحقائق مسبقة الصنع، على حدّ تعبير إدوارد سعيد.
لكنّ الشطارة تتطلّب درجة عالية من المرونة مع السلطات الآتية، مثلما كانت عليه الحال مع السلطات البائدة، ممّا يحيل المثقف إلى ‘عطّار’، أو بائع متجوّل يعرض كلّ ما هبّ ودبّ من بضائع، فيبيع أرباع الحقائق لهذه السلطة، أو أنصاف الحقائق لتلك السلطة الأخرى، النقيضة أو الحليفة، سيّان. بيد أنها، في كلّ حال، ليست الأرباع أو الأنصاف المرشحة لتأسيس حقيقة واحدة تامة، من جهة أولى؛ أو التي يمكن أن تعرّض العطّار إلى أية مساءلة، في حلّه وترحاله بين السلطات، من جهة ثانية. وأمّا ذروة الأداء الشاطر، فهي أنّ المثقف ـ وهو هنا بهلوان، ليس أقلّ ـ قادر على التماهي مع السلطة/ السلطات على اختلاف أنماطها، دون التنازل عن أقنعة سيزيف (حامل الصخرة الأبدية)، أو إرميا (نبيّ المراثي)، أو روبن هود (المتمرّد الشريف)، أو الشاطر حسن (كما أجاد تصويره الراحل الكبير صلاح جاهين)… دفعة واحدة، أو بالمراوحة بين وظيفة وأخرى، حسب الحاجة.
ولقد تقصدت هذه السطور التوقف عند النماذج بدل الأشخاص، ليس لأنّ لوائح الأسماء طويلة ملقاة على الأرصفة، وتعجّ بها أسواق أنظمة العرب، فحسب؛ بل كذلك لأنّ من أصول اللعب، المضادّ، مع المثقف الخوّان أن يُترك حبيس الشبكات ذاتها التي يخال أنه يستدرج البشر إليها، ويصطادهم بها. لكنّ حبال الكذب صارت قصيرة، جدّ قصيرة في الواقع؛ وبات الشاطر حسن في حيرة من أمره أكثر من أيّ زمن مضى في تاريخ العرب المعاصر، الآن إذْ يتسارع مسير الطغاة العرب إلى مزابل التاريخ. السوبر ـ شطّار تساقطت أقنعتهم تباعاً، وانكشفت عوراتهم، فما بالك بالحواة العراة أصلاً!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى