الرئيسية » صفحات الحوار » يولا خليفة: ‘آه’ مغلف بحرية موسيقى الغجر ونكهة التراث

يولا خليفة: ‘آه’ مغلف بحرية موسيقى الغجر ونكهة التراث

منشئة الفنانين من رامي الى بشار ومارسيل اطلقت ‘سي دي’ خاص بها
بيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: أنجزت يولا خليفة أمومتها على أكمل وجه، وفي السياق العاطفي والعملي كان مارسيل خليفة من أولويات حياتها. وهكذا كنا نتداعب بتسميتها منشئة الفنانين وراعيتهم من رامي إلى بشار ومارسيل. وعندما تناقشنا في الشغل مرة وسألتني متى سأنجز حواراً معها اُحرجت رغم الصداقة وتخلصت بالقول متى يصبح لديك سي دي خاص بك. لم تكذب يولا خبراً ومنذ سنوات كان الأمر يختمر في مخيلتها. والآن هو حقيقة بين أيدينا حيث قالت يولا ‘آه’ قبل أن تنفجر.
في ‘آه’ يولا خليفة صوبت نحو التراث وألبسته ذاتها، جنونها وفنونها فوصلنا لذيذاً بنكهة خاصة بها وحدها. صوت قرر البحث عن أناه بعد طول إنتظام في تحقيق أنا الآخرين. وإحساس فيه كم من عشق وحنين ورغبة بالتحليق.
قالت يولا خليفة ‘الآه’ مغلفة بحرية موسيقى الغجر، وظهرت في صور الغلاف، والكتيب على وجه شبه بهم. حافظت على ثنايا العمر مرسومة بعناية على الجبين. فلم تقصد فناناً يشمِّع التعابير ويمسمرها على ضفاف العشرين. فهي فنانة تشبه نفسها في قول شجن، حب، ولدي، وفوق النخل، ويا حادي العيس وغيرها.
يولا خليفة التي كانت من أركان فرقة الميادين في بدايتها في أواخر السبعينيات، انسحبت لصالح تأسيس عائلة. وها هو صوتها يناديها فقدمت لنا اختيارات راقية وبحلة مشوقة لتكرار الإستماع إلى ‘آه’ مرات ومرات.
مع يولا كان هذا الحوار:
*أن يكون لك سي دي خاص بعد كل هذا التمرس في الكورال هل هو إختمار صوت أم هي جرأة إكتملت في هذه اللحظة؟
*هي جرأة بكل تأكيد. ففي رحلة هذا العمر رافقتني الأسئلة. لم أتقبل الأمور بتسليم وسلام. التمرد رفيقي منذ الطفولة والمراهقة والشباب وحضوره متواصل إنما تعبيراته مختلفة. تمرد هذه المرحلة عبّر عن نضج وإختمار للتجربة على صعد فكرية وإنسانية وسياسية. شعرت بداخلي وكأن ثمرة نضُجت لا ينقصها سوى القطاف. وفي بحثي عن هويتي والسؤال أنا من، وجدت إجابته في محطات، إنما لم تكن مرة نهائية. هكذا ولد السي دي وهذا لا يعني نهاية الأسئلة.
*’آه’ سي دي إختياراته أكثرها تراثي فولكلوري هل هي رغبة بتقديم الصوت عبر أصيل معروف بدل المجازفة بلون وهوية تبحثين عنها في الفن؟
*مطلقاً. عندي إصرار على اللون والهوية الخاصة في الفن. الهوية موجودة ضمن النسق الخاص الذي قدمت فيه التراث. كنت ملحاحة في إنجاز السي دي أمام مشاعر الوقت الداهم. قررت ولم أكن في وارد البحث عن نصوص وألحان جديدة الآن. وهذا سيحدث في المستقبل. صحيح قدمت التراث المنغرس في الذاكرة إنما بحلة جديدة جداً ومن ضمن شخصيتي وأسلوبي الخاص بالتعبير. قدمت هذه الأغنيات التي هي جزء مني ومن ذاكرتي بإحساسي ولغتي.
* وصلتنا أغنيات الفولكلور بصوتك والحلة التي نسجتها لها. من أعد الموسيقى ونوطها؟
*كنت أرى السي دي بكامل تفاصيله. وإحساسي مع الأغنيات ظهَّرها في مخيلتي. وبقي الدور الأساسي للموسيقيين بعد إنجاز النوطا من قبل مارسيل. قسم كبير من هذه التجربة ولد في لحظة تسجيل السي دي. إحساسي المسبق قادني إلى مقدونيا لمعرفة مسبقة بهؤلاء الموسيقيين الذين سجلت العمل معهم. كذلك أعرف إحساسهم ونمط تفكيرهم وكيف يعيشون. هم بكل ما لهم وما عليهم يشبهونني وخاصة فيما أريد قوله. لهذا إخترت المكان والناس الذين سأتعاون معهم. إذاً للموسيقيين دور أساسي في تنفيذ هذا العمل.
*هل جاءت الـ’آه’ على ضفاف منتصف العمر لتأكيد الأنا الخاصة بعد أن نذرت نفسك لمشروع فناني العائلة من زوج وأبناء؟
*ماذا أقول عن الأ’آه’؟ ما قمت به خلال حياتي أتى بدافع الإيمان والحب والرغبة نحو الزوج والأبناء. إنما كان في شخصيتي جزء مطمور يناديني بين الحين والآخر غير راضٍ بالركود. بين الفينة والأخرى ظهرت بعض التعابير، ومع تبدل ظروفي صارت مساحتي واسعة. حين كانت العائلة تحتاجني في مرحلة التكوين لم أكن أسمع تنبيهات ذاتي، فالوقت ليس لها. حجتي الآن إنتفت. تجربتي مع عائلتي تشبه حال الكثير من النساء العربيات الفاقدات للهوية الخاصة من خلال تعدد الأدوار في الحياة. فنحن النساء، زوجات، ربات منازل، عاملات خارج البيت، قائمات على كافة الشؤون ومبدعات في آن. ربما للرجل ذات الإلتزامات لكن يبقى مشروعه الخاص أولوية تسبق غيرها. لهذا على المرأة أن تختار. فليس لها كل شيء في الوقت نفسه وبذات الأهمية والمرتبة.
*هل ترافق صدور سي دي ‘آه’ مع مشاعر إطمئنان أم قلق؟
*بل ترافق صدور السي دي مع مشاعر تحرر. كنت أعيش ضغطاً شخصياً ونفسياً، وبقول الـ’آه’ تحررت. هذا الثقل الذي كنت أشعره في جسدي وروحي إنزاح. عشت ما يشبه راحة ما بعد الولادة. أشبّه حالي بما هو حاصل من ثورات في الدول العربية. منهم من يقول الآن إستفاقوا؟ وأنا سمعت من قال لي ذات سؤال التعجب. فليس لأني لم أستفق في لحظة سابقة يجب أن أبقى على حالي. للحظة الإستيقاظ الحالي نكهتها التي تبشر بحياة جديدة. الإنطلاقة وفي هذا الوقت تعطي الأمل والحافز. كثيرون يصلون لمنتصف العمر ويعتقدون أن الحياة إنتهت ويسألون ماذا بعد؟ في كل مرحلة من العمر يمكننا أن نجدد ذاتنا.
*مشاريع فنية مماثلة تشكل طموحاً لدى الشباب. فهل صدرت الـ’آه’ منك مشبعة بتجارب الحياة من فرحها، حزنها،ألمها وأملها؟
*بكل تأكيد. ما قدمته هو حصيلة ما عشته. الـ’آه’ سيرة حياة تشبه حيوات أخرى غيري. هو التراكم الكمي الذي وصل إلى نوعية عبرت عنها في سي دي ويمكن لآخر أن يعبر بما هو مختلف. ما قدمته يوحي بتعايشي لعقود مع ما قلته، ويستحيل أن يلد في لحظة.
*حشرية السؤال عن بصمة مارسيل خليفة موجودة لدى الجميع. فكم عشت في جلبابه وأنت تعدين زادك من الغناء وأين هو وجوده؟
*لم يكن له تدخل بما قمت به. طينتي البشرية ليست من النوع الذي يفصح. في داخلي مساحة خاصة إسمها حديقتي السرية. أحلم وأعيش مع ذاتي دون معرفة أحدهم. منذ صغري كنت أذوب مع رواية أقرأها دون دراية من الآخرين بما يحدث لي. هو عالم يصعب إختراقه. فكرة السي دي راودتني من حوالى ثلاث سنوات، سبقتها إرهاصات وأحاسيس مرتفعة. كنت على تفاعل مع كل ما يختزن كماً من الفرح والألم والحزن وحتى الجنون المعشش في داخلي وأنا أسكته. كل هذا عشته وحدي دون أن يلمسه ربما أحد. وعندما قررت التنفيذ كان الإختمار قد تمّ، وكنت على معرفة بما أريد. أفصحت في أحيان عن رغباتي إنما أحدهم لم يصدق بل كانوا يبتسمون. عندما شعروا بإصراري وجديتي كانت المفاجأة الكبرى في البدايات. ولا شك كانوا يدركون أني سأحقق رغبتي. فهم يعرفون وقوفي إلى جانبهم في مشاريعهم الفنية، وكم كانت تعني لي قصصهم. كانوا جميعهم يهتمون برأيي وإحساسي، فثلاثي العائلة الفني يعرف تماماً ويدرك ماذا يعيش في داخلي. إنه الفنان الذي لا يقول أنا. في حين أن مساحة الأنا الواسعة على درجة عالية من الأهمية في الفن. كنت أقلهم إنتباها للأنا ولم أسمح لنفسي بمساحتي الخاصة كي لا أترك انعكاساً على مشاريع الآخرين في العائلة. وعندما أعطيت ذاتي مساحتها الخاصة، وركزت على فكرتي اجتهدت في سبيل خلقها. وهكذا صار التعبير حاجة ولو لم أعبر لإختنقت.
*في السي دي مقطوعتان موسيقيتان من مارسيل ورامي لماذا غاب بشار؟
*بل هو كان شديد الحضور وبدعم صامت يشبه إحساسي. بشار هو الذي عرّفني إلى مقدونيا. ألكسندر بتروف الموسيقي الذي تعاونت معه لإنجاز السي دي هو صديق بشار ويعمل معنا في الفرقة. قال لي بشار إن سافرت لإنجاز عملك في مقدونيا ستغرمين بهذا البلد. وهذا ما حصل. إنهم الغجر والموسيقى التي تعيش في الطرقات. هم يتنفسون موسيقى ورقص وغناء. مع بشار أعيش أذواقاً مشتركة. لم يكن موجوداً مباشرة إنما روحه كانت في كافة مراحل الإنجاز. عندما كنت في مقدونيا تحادثت مع رامي هاتفياً وأخبرني بأنه سيهديني قطعة موسيقية إن أردت إضافتها للسي دي. ففرحت بهذا الإهداء. كنت بحاجة لأن أقنعهم. لأني أعيش وسط مختصين ومحترفين ومهنيين لدرجة رفض أي غلط. وحتى مارسيل الذي كان في خوف شديد لم يتمكن في النهاية سوى أن يقول لي برافو هو عمل فيه بحث. ومارسيل قليلاً ما يصرح بهكذا موقف.
*كم تمكن الموسيقيون الأجانب من الإحساس بالكلمة التي تتضمنها أغنياتنا الفولكلورية للتعبير عنها نغماً؟
*وضعتهم في أجواء حضوري إلى مقدونيا وأجواء السي دي. هم شعروا بأنهم حيال إمرأة تريد أن تخبر شيئا. هم فنانون على درجة عالية من الإحساس، كان يكفيهم ترداد النغم مرة واحدة أمامهم ليجعلوا منه حقيقة. كما أنهم مسحورون بالشرق وكانوا يعيشون لحظات فخر بأن موسيقاهم ستسمع في الشرق. صار بيننا نوع من التواطؤ لتحقيق النجاح.
*يبقى السؤال الأخير مشروعاً بعد قول الـ’آه’ هل من آهات أخرى؟
*أكيد. كسر حاجز الخوف وكبرت ثقتي بنفسي في هذا الجانب. وعندما كسرت حاجز الخوف شعرت بأني حيال صوتي الحقيقي. وفي هذا العمل الصوت هو الأساس. هذا الإنجاز قاد روحي لحدود التحليق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.