ثورة مصرصبحي حديدي

القطرس والبعبع

صبحي حديدي
نموذج المواطن المنغلِق على عقائده وحدها، المصادِر لعقائد الآخرين، المطالِب بإلغائها وبإلغائهم تحت ذرائع لا ديمقراطية ولا تسامحية ولا تعدّدية، هو آخر ما تحتاجه مصر المعاصرة، ومعها المجتمعات العربية قاطبة، قبل الإنتفاضات، وبعدها خاصة. ذلك لأنّ المخاض واعد بقدر ما هو شاقّ، والآمال رحبة لكنها تتزامن مع اشتداد الآلام. وفي ضمير هذه السطور نموذج بطرس بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر (الذي احترق مقرّه، وقدّم رئيسه وأعضاؤه استقالة جماعية إلى المجلس الأعلى للقوّات المسلحة، بعد تظاهرات اتهمت المجلس بالتبعية للنظام المخلوع، وفقدان المصداقية). إنه، فضلاً عن هذا، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وأوّل عربي ـ أفريقي يتولى المنصب؛ والأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية الدولية، ووزير الدولة الأسبق للشؤون الخارجية في عهدَيْ أنور السادات وحسني مبارك، بين مناصب ومسؤوليات أخرى.
ففي الأسابيع والأشهر التي سبقت انتفاضة 25 كانون الثاني (يناير)، ظلّ سلوك غالي محابياً للنظام، راضياً عن الكثير من مؤسساته (بما في ذلك دورة مجلس الشعب الأخيرة، التي اتسمت بدرجة فاضحة من التزوير)، موافقاً على ترؤس هيئة لحقوق الإنسان يتألف غالبية أعضائها من رجالات النظام والحزب الوطني الحاكم (أمثال مقبل شاكر، مصطفى الفقي، وحسام بدراوي). وحول الموقف من التيارات الدينية، و’الإخوان المسلمين’ تحديداً، كان أقصى الرأي عنده هو اعتبارهم ‘عقبة’ في طريق الإصلاح، لأنّ تفكيرهم ‘رجعي’. وهذا كلام صحيح بالطبع، خاصة إذا كان يشمل جميع التيارات التي ترفع الدين فوق كلّ اعتبار مدني أو حقوقي، أو تجعله مصدر التشريع، أياً كانت الديانة أو المذهب أو الطائفة.
لكنّ آراء غالي، ما بعد الإنتفاضة والإستقالة، تجذّرت أكثر بصدد الموقف من ‘الإخوان المسلمين’، والأحرى القول إنها تشدّدت على نحو غير مسبوق، لا يخون الحقوق الأساسية للتعبير والتجمّع وتشكيل الجمعيات والأحزاب، فحسب؛ بل يسير على نقيض تامّ مع فلسفة الرجل الليبرالية المعلَنة (الفضفاضة تماماً في الواقع، لأنها جعلته يعلن، قبل أشهر قليلة، أنه لا يرى مشكلة في أن يحكم مصر ‘خواجا’ أجنبي، على غرار ما يجري في ميدان كرة القدم!). وقبل أيام، في تصريح وجيز ليومية ‘مترو’ الفرنسية، اعتبر غالي أنّ ‘الإخوان المسلمين’ هم جماعة ‘مثل أيّ حزب فاشي في إيطاليا، أو أيّ حزب نازي في ألمانيا’، وبالتالي يتوجّب ‘فرض الحظر’ عليهم؛ رغم اعترافه بالمبالغة في تقدير قوّتهم، وأنهم ‘هوس أوروبي’.
غنيّ عن القول إنّ تصريحات كهذه، مطلقة وتعميمية، تنهض في الجوهر على مقارنات مغلوطة ومغالِطة، وتستعين بطراز من التمثيل يستحثّ التخويف والترهيب، إنما تشارك بدورها في تصنيع الهوس؛ بل تكتسب خصوصية إضافية إذْ تصدر عن مصري هذه المرّة، وليس عن مستشرق متحامل هنا، أو مستعرب جاهل هناك. الفارق الآخر هو أنّ تصريحات غالي عن ‘البعبع’، جماعة ‘الإخوان المسلمين’، لا تُنشر في مطبوعة نخبوية أو فصلية أكاديمية أو دورية رصينة، بل في جريدة يومية خفيفة، تُوزَّع مجاناً على الأرصفة! فإذا كان المخيال الشعبي الأوروبي مثقَلا، لتوّه، بهواجس ‘الإرهاب الإسلامي’ و’الغزو الثقافي الإسلامي’ و’الأصولية الإسلامية’… فكيف تصير حاله حين يستبشر بانتفاضة العرب ضدّ حكّام طغاة فاسدين، من جهة؛ ثمّ يفزع، من جهة ثانية، إزاء تحوّلات ديمقراطية تنذر بأنّ ‘البعبع’ إياه هو البديل، نظير الفاشي والنازي، ولا سبيل إلى ردّه إلا بالحظر المطلق!
والمرء هنا يتذكّر كتاب غالي ‘طريق مصر إلى القدس: قصّة دبلوماسي عن الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط’، الذي صدر سنة 1997، حيث يقول: في مطلع القرن أقدم متطرفون مصريون على اغتيال جدّي (رئيس وزراء مصر آنذاك) لأنه تساهل مع الإستعمار البريطاني؛ ولو أنني كنت إلى جانب السادات يوم مصرعه، لكان المنطق يقتضي أن أخرّ إلى جانبه برصاص المتطرفين أنفسهم، حتى ولو اختلفت التواريخ وتباعدت الأزمنة! لكنّ فصول الكتاب الأخرى تنبئنا أنّ غالي مُني بأقدار متتالية لم تضعه في وجه الأصوليين، بل أمام بشر أقرب إلى الأرباب والأساطير: السادات بوصفه فرعون مصر والعقل الوحيد البراغماتي في العالم العربي، أو جورج بوش الأب بوصفه الملك آرثر ما بعد الحرب الباردة، أو مادلين أولبرايت بوصفها ميدوزا معاصرة تحيل خصمها إلى تمثال حجري.
الثابت أنّ الرجل لم يتمكن من حيازة صورة برسيوس، البطل الإغريقي الذي أجهز على ميدوزا بالحيلة، سواء في سنوات صعوده الساداتية، أم في سنوات صعوده وأفوله في أروقة الأمم المتحدة. صورته، على العكس، كانت أقرب إلى القطرس، الطائر الجنوبي التراجيدي الذي ينهك قواه بالتحليق قريباً من البشر في عرض البحر، دون سبب مفهوم، ودون نتيجة ملموسة أيضاً. وكان الصحافي الأمريكي مايكل ليند قد اكتشف القرابة اللفظية بين القطرس Albatross والبطرس Alboutros، فاستخدم اللقب في مقالة شهيرة تتهكم على هذا الطائر الغريب الذي يعتمر القبعة الزرقاء، ويستخدم لغة لا تستسيغها الصقور والجوارح.
والحال أنّ آخر ما تحتاجه مصر الراهنة هو هذا الصراع، المفتعَل الزائف والوهمي الإستيهامي، بين البعبع والقطرس. لدى مصر، والمصريين، مشاغل أخرى أهمّ وتحدّيات أوضح، بما لا يقبل المقارنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى