ثورة ليبيا

عن القذافي والإمبريالية.. وعن كاسترو أيضاً

راسم المدهون
توقفت ملياً خلال الأسبوع الماضي أمام مقالة لكاتب فلسطيني نشرها بغزارة عبر المواقع الإلكترونية، خالفت في مضمونها وتفاصيلها كلّ ما يجري أمامنا على الشاشة الصغيرة من وقائع دامية في المدن الليبية.
الكاتب ينطق منذ السطور الأولى لمقالته إلى الحديث عن مؤامرة تحاك لاحتلال ليبيا والقضاء على نظامها المعادي للإمبريالية وإسرائيل لمصلحة نظام جديد يفتح بلاده للنفوذ الأمريكي ويتصالح مع الدولة العبرية.
ما يلفت في فكرة المقالة بالذات، انطلاق الكاتب من موضوع يراه حكما وأساسا. فالقذافي كما يقرر ليس عميلا للإمبريالية كما هو حال الرئيسين المخلوعين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، فلماذا تسارع الولايات المتحدة لإسقاطه وهي التي تباطأت في إسقاط بن علي ومبارك؟
الكاتب هنا يقرر كما يشاء وخلافا للوقائع على الأرض. فالوقائع تقول أن الولايات المتحدة لا تزال تراوغ في مجرّد فرض حظر جوّي على الأجواء الليبية رغم المخاطر الكبرى التي يشكّلها استمرار استخدام القذافي للطائرات العسكرية في قصف المدن الليبية التي تساقطت بسرعة في أيدي الثائرين على النظام.
لم أكن لأتوقف عند هذه المقالة بالذات، لولا استشهاد الكاتب بموقفين دوليين يرى فيهما دلالات خاصة تدعونا للتأمُل فيها، وهما موقفا فيديل كاسترو وهوغو شافيز الرئيس الفنزولي.
من الواضح أن ساعة الرجل توقفت منذ زمن طويل، وتحديدا عند زمن الحرب الباردة، حيث هناك بالذات نمت وترعرعت فكرة اشتراط تأجيل العدالة الاجتماعية والمواطنة والحريات العامة بدعوى العداء للإمبريالية والصهيونية. ومرة أخرى لم أكن لأتوقف عند تلك المقالة بالذات، إلا لأعرّج من خلالها على مصادرها ونبعها الذي تستقي منه.
ثمة في العالم من لا يرى الديمقراطية أمراً ذا بال، ولعل فيديل كاسترو الرئيس الكوبي السابق، والثائر الأسبق، واحداً من هؤلاء. فكاسترو الذي حكم بلاده طيلة عقود بسياسة الإقصاء والفردية وإلغاء الحريات، وأوصلها لحالة خانقة من الحصار والعزلة والفقر في المجالات كلّها، لا يزال يرى سبب ذلك في السياسة الأميركية وحدها، ولا يرى لنظام حكمه أي قسط في كل تلك الأهوال.
هكذا لم يكن موقف كاسترو من أحداث ليبيا غريبا عن منطقه، فالعقيد معمر القذافي من وجهة نظره زعيم معاد للإمبريالية الأميركية لا يجوز إقصاؤه مهما تكن أسباب الشعب الليبي لفعل ذلك وجيهة أو منطقية، بل ومهما تكن سياسة القذافي قمعية، ومستعدّة لتدمير البلاد على رؤوس أهلها لضمان بقائه في السلطة واستمرار حكمه في المرحلة القادمة.
هو حال يدفعنا للسؤال الأهم : هل العداء للسياسة الأمريكية ولإسرائيل غير ممكن إلا بتكميم الأفواه وقمع الحريات العامة والخاصة، ونهب الثروة الوطنية وتحويلها لحسابات شخصية له ولأولاده؟
واستطرادا في السؤال يحضر سؤال آخر وثيق الارتباط به: هل الدولة الديمقراطية بالضرورة دولة تابعة للولايات المتحدة؟
في الجدل السياسي العربي حول قضايانا الكبرى والمصيرية، ظلّ الكثير من تلك القضايا أسيرة القمع والاستبعاد والتسويف بذريعة الانشغال بمقاومة إسرائيل والنفوذ الأميركي. ومن المثير للسخرية هنا أن الحالة الليبية بالذات لا تسمح بترّهات كهذه. فالعقيد الليبي لم يمارس يوما عداء حقيقيا للدولة العبرية، وكلُنا نتذكر أن أبرز موقفين له في هذا المجال كانا إرسال مئات “الحجاج” الليبيين لفلسطين، ثم تشريد العائلات الفلسطينية الى الصحراء بين ليبيا ومصر لمدة عامين كاملين بذريعة احتجاجه على توقيع القيادة الفلسطينية لاتفاق أوسلو. أما موقفه من الولايات المتحدة الأميركية، والذي شهد سنوات الثمانينات تجاذبا ساخنا أوصل لقصف الطائرات الأمريكية لمقرّه في “ثكنة العزيزية” فقد أصبح مجرّد ذكريات، إذ سارع بعد ذلك لدفع تعويضات مجزية لضحايا طائرة البانام التي سقطت فوق لوكربي، وأتبع ذلك بالتخلي عن برنامجه النووي وفتح صفحة جديدة مع الغرب أوصلته لاستعادة العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة، كما مع كلّ الدول الأوروبية الكبرى، وبالذات إيطاليا وبريطانيا وفرنسا.
ليس خافياً على متابع أن دول أوروبا الكبرى قد زوّدت نظام العقيد القذافي في السنوات الأخيرة بكميات من أحدث الأسلحة، وخصوصا الطائرات، والطائرات المروحية منها بالذات، ناهيك عن الصفقات التجارية الكبرى التي أعقبت زيارته “التاريخية” للعاصمة الإيطالية، وتنامي صداقته مع رئيس الوزراء الإيطالي بيرلسكوني.
في المشهد السياسي الليبي اليوم ما يلفت الانتباه بقوة: العقيد معمر القذافي الذي تنازل عن كلّ مواقفه “الإعتراضية” السابقة أمام الغرب، وانتهج سياسة انفتاح غير مسبوقه، لم يشأ أن يستكمل ذلك بانفتاح داخلي على شعبه يسمح بتغييرات كبرى تستعيد الحياة السياسية لليبيا التي أثخنتها سياسات التجريب. بدلا من ذلك حاول استثمار تحييد الغرب الأميركي والأوروبي، وعقد الصفقات الكبرى مع دوله لممارسة ذات السياسة في الداخل الليبي، وكأنه يقول لشعبه لقد انتهت مشاكلي مع الخارج وتفرّغت لكم تماما.لم يعد منطقيا ولا ممكنا استمرار عزل المواطنين الليبيين وراء نظام الفوضى الذي يزعم حكم الشعب نفسه بنفسه باسم اللجان الشعبية، ولا أضحوكة أن القذافي ليس رئيساً أو مسؤولاً، فنحن في زمن بات العالم فيه قرية صغيرة يعرف فيها الناس كلّ شيء عن كلّ شيء.
جاء العقيد معمر القذافي للحكم عبر انقلاب عسكري أطاح بالنظام الملكي للملك إدريس السنوسي، واستبشر المواطنون العرب يومها بأن البلد الذي انطلقت منه الطائرات البريطانية لقصف الأراضي المصرية إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، قد تخلّص من تلك القواعد وبات حرا مستقلا، غير أن ما انتهجته قيادة القذافي بعد ذلك من سياسات داخلية أولا، وعربية ودولية بعد ذلك لا علاقة لها لا بالقومية العربية، ولا بالعداء للسياسة الأمريكية وإسرائيل في شيء.
يكفي أيّ مراقب اليوم أن يتوقف أمام الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون الليبيون رغم أن بلادهم تتمتع بثروة كبرى من النفط والغاز، ناهيك عن مظاهر العزلة الخانقة وراء أسوار من القوانين الغريبة والشاذة التي تثير سخرية العالم بأجمعه، والتي جعلت النظام السياسي الليبي حالة غريبة لا شبيه لها في العالم كله.
هي وقفة أمام فكر سياسي يستبدل رؤية الواقع بالتوغُل في أحلام الشعارات القديمة والمستهلكة، فحاضر العرب يدعونا جميعا وأكثر من أي وقت مضى لرؤية القضايا الكبرى ومنها فلسطين والقومية العربية في معانيها الحقيقية التي تعني المواطنين العرب حقا، ولا تجعل من مسألة الوحدة العربية أو فلسطين نقيضا شاذا لأحلامهم وطموحاتهم المشروعة في العيش بكرامة في أوطانهم، وفي التمتُع بحرياتهم، لبناء أوطان عادلة، تليق بهم ويليقون بها، تستحقهم ويستحقونها.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى