الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات العالم » التغيير العربي مصلحة حيوية لأميركا

التغيير العربي مصلحة حيوية لأميركا

ماجد كيالي
جاء خطاب الرئيس الأميركي باراك اوباما، تعقيبا على ثورة الشعب المصري، التي أطاحت الرئيس حسني مبارك، لافتا جداً في مضامينه، حيث انه تجاوز الأعراف والتعابير الديبلوماسية، التي اعتادت عليها الإدارات الأميركية، في مثل هذه المناسبات، ذاهبا حد تمجيد هذه الثورة، والاحتفاء بمعانيها، واعتبارها مفصلا مهما في تاريخ العالم، طالبا من الشعب الأميركي التعلم من المصريين.
ما الذي يعنيه ذلك؟ هذا يعني أن السياسة الخارجية الأميركية إزاء العالم العربي تتغيّر. لكن من دون أن نذهب بعيدا ينبغي التوضيح بأن السياسة التقليدية الأميركية في هذه المنطقة، كانت تعتمد على ركائز عدة، أهمها: 1) ضمان تدفق النفط من المنابع إلى الممرات. 2) الحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها النوعي. 3) حماية استقرار الأنظمة الصديقة في العالم العربي. 4) بقاء الهيمنة الأميركية في هذه المنطقة، وضمان عدم سيطرة أية قوة دولية وإقليمية عليها.
هكذا يمكن الاستنتاج بأن الولايات المتحدة أعادت النظر في أركان هذه الإستراتيجية، والمتعلقة بالحفاظ على استقرار الأنظمة “الصديقة”. ويمكن إحالة ذلك إلى حدث 11 أيلول (2001)، وتنامي خطر الإرهاب العالمي، حيث رأت الولايات المتحدة، وعديد من القوى الغربية (حينها)، بأن هذا الخطر يأتي من الفقر والحرمان، ومن الاستبداد والفساد، في النظم السائدة في البلدان العربية، ما يتطلب إحداث تغييرات سياسية حقيقية فيها. ولعل هذه القناعة هي التي دفعت الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لطرح مبادرات إصلاح النظم السياسية، في العالم العربي، وضمنها خطته حول “نشر الديموقراطية” فيه.
لكن خطة بوش تلك لاقت معارضة شديدة من قبل الحكام، وأيضا من قبل المحكومين، في البلدان العربية، بسبب سياساته المتغطرسة، واعتماده طرق التغيير القسرية، التي ترتكز على القوة العسكرية، وبسبب غزوه العراق، ودعمه المطلق لإسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين.
وعموما فإن إدارة اوباما استنتجت العبر المناسبة من ردة الفعل الشعبية على السياسات الحمقاء التي كان ينتهجها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش (الابن)، والتي أدخلت الفوضى إلى المنطقة، من خلال تجربة غزو العراق، وتركيبه على أسس طائفية ومذهبية واثنية.
القصد من ذلك القول أنه، وبغض النظر عن نيات الرئيس اوباما وثقافته وتطلعاته الخاصة (التي تختلف عن الرؤساء السابقين)، ثمة تغير في السياسة الأميركية بدأ يشقّ طريقه منذ فترة، في ما يتعلق بكيفية التعامل مع العالم العربي، يتأسس على ركيزتين: أولاهما، التشجيع على إصلاح النظم السياسية ودعم التحولات نحو الديموقراطية فيه، من الداخل وبالوسائل الهادئة. والثاني، يتأسس على إيجاد حل للصراع العربي -الإسرائيلي، باعتبار هذه القضية تمس الأمن القومي الأميركي، وتساهم في نزع فتيل التوتر في الشرق الأوسط، وفي الحد من تنامي نزعات التطرف والأصولية فيها. وفي هذا الإطار فإن الولايات المتحدة الأميركية باتت تتكلم صراحةً، على لسان مسؤوليها العسكريين والسياسيين، بأنها ستبقى ضامنة لأمن إسرائيل، واستقرارها وتفوقها، ولكن بدون استيطان وفي حدود العام 1967، وفي ظل قيام دولة مستقلة وقابلة للحياة للفلسطينيين.
على خلفية كل ذلك فقد شهدنا خلال الأيام الأولى للثورة المصرية مفارقة تتمثل في قيام النظام المصري السابق، الذي كان يقدم الخدمات المجانية للسياسة الأميركية، والذي كان طوال حكم مبارك (أي طوال ثلاثين عاما)، طوع الاملاءات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، يتحدث بكل صفاقة عن رفضه التدخلات الأميركية في الشؤون الداخلية لمصر.
كذلك فقد شهدنا أن قادة إسرائيل والعديد من كتاب الأعمدة في الصحف الإسرائيلية يتحدثون عن خيانة الولايات المتحدة الأميركية لأصدقائها في المنطقة، وأن اوباما يطعن الأصدقاء في ظهورهم (أي بن علي ومبارك)، ويتخلى عنهم، لمجرد دعمه
للتغيرات الديموقراطية، وللإرادة الشعبية، في تونس ومصر.
ويبدو أن في ذلك مفارقة شديدة، حيث أن إسرائيل التي تدعي بأنها واحة للديموقراطية في المنطقة، تخشى من التحولات الديموقراطية فيها، لأنها تفقدها مكانتها بصفتها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتبيّن زيف ادعاءاتها بعدم قابلية العالم العربي للديموقراطية، وتنزع منها مبرر معاندتها لعملية التسوية، ومبرر إصرارها على وجودها كقلعة عسكرية “إسبارطية” في هذه المنطقة من العالم.
المهم الآن، أن الولايات المتحدة باتت تنتهج سياسة جديدة إزاء العالم العربي، بعد أن استنتجت العبر من دعمها للأنظمة الفاسدة والفاشلة والاستبدادية، والتي باتت ترى فيها مجرد أنظمة مستهلكة، أكل عليها الدهر وشرب، مثلما باتت ترى فيها عبئا عليها (وهذا يشمل إسرائيل أيضا). وهذه السياسة تتأسس على التشجيع على التغيير السياسي، وتقبّل التحولات الديموقراطية في العالم العربي، باعتبار ذلك يشكل مصلحة حيوية لها، للحفاظ على استقرار هذه المنطقة، وتحسين صورتها ومكانتها فيها، كما أن ذلك يساهم في دمج هذه المنطقة في إطار التاريخ العالمي.
ولكن يجب الانتباه هنا إلى حقيقة مهمة مفادها أن هذه الإدارة ما كان بإمكانها الحسم في اتجاه التشجيع على التغيير لولا حضور الشعب من الغياب، كما حصل من خلال الثورة الشعبية العارمة في كل من تونس ومصر.
كما يجدر الانتباه إلى أن هذه اللحظة الداخلية في تاريخ البلدان العربية تواكبت أيضا مع لحظة دولية تتمثل بتعثر الترتيبات الأميركية في هذه المنطقة، وتضاؤل مكانة القيادة الأميركية للعالم، بواقع صعود أقطاب دوليين وإقليميين، من مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل والأرجنتين وماليزيا وتركيا، إلى جانب أوروبا.
هكذا، فإن الثورتين المجيدتين في تونس ومصر ليس فقط أسهمتا في تحرير الشعب في هذين البلدين من كابوس التسلط والفساد، ووضع العالم العربي على سكة الحرية والمستقبل، وإنما بيّنتا أيضا بأن هذه المنطقة ليست لعبة في يد الولايات المتحدة الأميركية (والسي آي إي خاصتها)، تحركها كما تشاء، كما قد يعتقد البعض.
والأهم من كل ذلك أن هاتين الثورتين أثبتتا بأن الشعوب العربية قادرة على تقرير مصيرها بحرية، بل إنها قادرة حتى على دفع الإدارة الأميركية لحسم الأمر بشأن مراجعة سياساتها في هذه المنطقة، على أساس احترام إرادة شعوبها، في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة.
(كاتب فلسطيني)
النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.