الرئيسية » صفحات السياسة » صفحات العالم » في الثورات العربية والثورة المضادة وأمريكا

في الثورات العربية والثورة المضادة وأمريكا

محمود جلبوط
قبيل انطلاق الانتفاضة التونسية المجيدة حذّرت وزيرة خارجية أمريكا هيلاري كلنتون حلفائها العرب بأن أعمدة أنظمتهم “مبنية فوق كثبان من الرمال المتحركة وأنها معرّضة للغرق فيها” وقد أصابت كلنتون باستقرائها , فما كادت تنهي تحذيرها حتى انطلقت لعبة الدومينو , سقط حتى الآن نظامان وثالثهما قاب قوسين وربما يليه رابع بعد قليل إلى أن يأتي دور الآخرين .
إن الشق الثاني من قلقها والذي يمكن قراءته مما أخفته السيدة كلنتون هو ما أظهرته الانتفاضات العربية المتتابعة من عزم لا ينثني لدكّ دعائم سياسة بلادها نفسها في المنطقة إن واصلت هذه الانتفاضات الجميلة إنجاز مهامها الثورية , لذلك نراها اليوم تقود ثورة مضادة بمكرها المعهود في ليبيا ولبنان والبحرين بعد أن امتصت آثار صدمتها .
دلالات كثيرة يمكن استدلالها من سرعة انتشار الانتفاضات العربية في فترة زمنية تعتبر قياسية في مقاييس الثورات العالمية المعتادة وأقربها بداهة للتفكير إلى جانب مشتركات الواقع العربي الدافعة في جميع ساحات الدويلات العربية للانتفاض رغم بعض الفروقات الطفيفة هنا وهناك هي الروابط المشتركة التي تربط بين الشعوب العربية في جميع أماكن تواجدها والتي تدفع بكل بساطة لكسر الحدود المصطنعة التي تفصل بينها , وقد ضاق الجيل العربي الشاب بها ذرعا إلى جانب إرث هذه الأوضاع المزرية في ظل استبداد “وطني” امتد عشرات السنين تمفصل منذ نشوئه بعلاقة بنيوية لاستبداد خارجي أوسع حرص على إعادة إنتاج هذه البنية دون انقطاع مما دفع دائما إلى مضاعفة مشاعر الإحباط والمهانة شكل رافعة مركزية للشباب للانتفاض عليه وعلى تركيبته المعقدة للخلاص من مهانة مركبة فردية جمعية حرص على رعايتها ذلك الشكل المعقد من الحكم المتخارج . انتفض الشعب عساه يستبدل خراب كرامته بإعمار منظومة “المواطنية” الكريمة ببعديها :  الفردي بإزالة استبداد “وطني” مرتهن لاستبداد عدو خارجي صلف سحق من خلال عدوانيته المسعورة وبتواطؤ ذاك الاستبداد “الوطني”الكرامة الجمعية” , وقدر ما كان الاستبداد الوطني يمعن في سحق الكرامة الفردية أمعن الاستبداد الخارجي وتمادى في إذلاله له بعلاقة هندسية متعدية . ولمّا لم تجد الشعوب العربية مناصا للخلاص من مهانتها على يد استبدادها الداخلي انتفضت وسرعان ما ستكتشف أن لا فكاك من مهانتها الوطنية سوى بوضع حدّ لتغوّل هذا الاستبداد الخارجي الممثل بالرأسمال الصهيوامبريالي عن طريق تفكيك بنية التبعية لإنجاز الحرية الوطنية الكاملة والاستقلال الحقيقي وإكمال عمارة الكرامة بهيكلها الجمعي الوطني الجديد.
إنّ المهانة المرّة بشقيها التي قامت قوى الاستبداد “الوطنية” بتحويلها إلى مشاعر عامة لدى المواطنين لم تكن لتصل المدى الذي وصلت إليه لولا نجاح الأنظمة العربية بمجملها باستدخال شعور الهزيمة الجارح إلى السلوك اليومي لكل فرد من أفراد الأمة ورهن أمن ومصير كلّية البنية العربية بمجملها بقضها وقضيضها(غذاء-لباس-سلاح-ثروات..إلخ) إلى أمريكا و”إسرائيل” إن بالاحتلال المباشر أو بالقواعد العسكرية والاتفاقيات الثنائية أو المكاتب التجارية ورهن السياسة الخارجية والداخلية بكليتهما لمصالحهما , بالرغم من أن الحكمة تقتضي عدم إغفال عوامل أخرى آزرت هذين الشعورين: انسداد آفاق المستقبل أمام عامة الشباب التي تمثل الغالبية الشعبية في المجتمعات العربية وخصوصا لخريجي المعاهد والجامعات وانتشار البطالة بين صفوفهم , الفقر المدقع والتجويع اللذان أديا إلى تراجع بل انهيار الفئات الاجتماعية الميسورة(الطبقة الوسطى) , ليس لشحّ في الموارد الوطنية أو الانفجار السكاني كما تدّعي السلطات العربية في الدويلات الغير نفطية(هناك فقر وبطالة أيضا في أغنى الدويلات العربية) بقدر ما هي سياسات هذه الأنظمة التي اتبعتها على مدار حكمها : نهب مباشر وتجريف للثروة وسرقة جهد الشعب وقوته وأمواله , ثم تهريب كلّ ما هو منهوب إلى الخارج لإيداعه في بنوك المركز الامبريالي وكثيرا ما وصل بطرق عدة إلى الكيان الصهيوني على شكل سلاح لقتل العربي وهبات ولدعم استيطانه في الأراضي العربية التي قضمها .
أما حول هدر الكرامة الفردية حدث ولا حرج فقد تبنى الاستبداد المحلي (الوطني)سياسة القمع اللارحيمة لسحق كل الحريات المتعارف عليها : الفردية والسياسية والاجتماعية والقومية والثقافية والدينية واختزلت جميعها إلى حرية واحدة وحيدة : حرية نهب الشعب والأموال العامة والخاصة , حقق ذلك من خلال قيامه بعملية تجويف الوعي وتجريف التربة المجتمعية من أيّ نبتة لرأي مخالف , كان من نتيجتها تدهور الأحوال النفسية “المواطنية” بشكل شامل إلى سيادة مشاعر الاكتئاب والقنوت والرغبة بالموت , تدهور مستوى التعليم والخدمات الصحية , انهارت الصناعة الاجتماعية وساءت الزراعة بعد أن اكتفت السلطات بتشجيع قطاع وحيد متضخم هو قطاع لا إنتاجي خدماتي بتنشيط السياحة والاستيراد والبورصة وبيع العقارات وانتشار “اقتصاد” السمسرة للشركات الأجنبية.
واستعاضت الأنظمة بما جوفته من وعي وجرّفته من التربة الاجتماعية من قيم وأخلاق بزرع خبيث وأكثرت منه : فساد بكل فروعه , مالي-أخلاقي-ثقافي-اجتماعي-قانوني , واحتقانات اجتماعية خطيرة ومتعددة أشرنا إليها كثيرا في مقالات سابقة . ثم بعد أن أنهت هذه الأنظمة عمارتها الخربة خيّرت المواطنين الرافضين السكن في عمارتها بين السكن القهري فيها ومبايعة أميرها بالولاء له وتقبيل أياديه شكرا وإلاّ واجهوا تصفية كربلائية , وكربلاء كما هو معروف ممتدة الجذور في التاريخ العربي قديما وحديثا , وللتنويه لا يخلو الأمر من احتمال عفو يصدر عن الأمير فهو إن عفا سيكتفي بالإشارة إلى أجهزته الأمنية برميهم في بطون السجون والمعتقلات لفترات طويلة بناءا على قانون الطوارئ الذي يدخره لهذه الحالات ليعانوا هناك من آلام التعذيب ويكتسبوا أمراضا جسدية ونفسية مزمنة , ربما تمتد فترة اعتقالهم حتى يموتوا أو  يكادوا ,  أو يموت الأمير(1) , وإن رقّ قلب الأمير أكثر وأفرج عنهم لأسباب صحية أو لإقلاعهم عن النشاط السياسي أو تحت ضغوط خارجية أو وساطية سيتعرضون دون جدل لمحاربة أجهزة المخابرات في لقمة عيشهم حتى يطهئوا حتى ينتحروا أو يختاروا المنفى اختياريا لأن المنفى الإجباري غير مدرج على لوائح الأمير .
لم تكتفِ هذه الأنظمة برهن الوطن وكرامات شعوبها لأمريكا و”إسرائيل” كرمى بقائها في الكراسي بل ساهمت إلى جانبهم بتصفية من تسول له نفسه شق عصا الطاعة (لا ترضى أمريكا إلا أن يؤدّبوه جماعيا) كما حدث مع صدّام وعرفات كمثالين حاضرين , بل يشاركوها في محاصرة وضرب أيّ مقاوم لاحتلالهم الوطن أو استباحة أمنه , كما حصل وما هو حاصل في العراق وفلسطين ولبنان أيضا كأمثلة حاضرة وما خفي أعظم , وذهبوا معه إلى ما هو أبعد من تأديب العربي “المارق” ليشاركوا في تحطيم أفغانستان مرتين على سبيل المثال: مرة وهي شيوعية بحجة محاربة الكفر الشيوعي ومرة وهي إسلامية بحجة “إسلامها الإرهابي” , وقد أعدّت هذه الأنظمة لتجنيد كلّ إمكانياتها لمحاصرة وضرب إيران قبل أن تقلب الانتفاضات العربية الطاولة في وجههم و أمريكا , ومن المحتمل في هذه اللحظة أن تكون قد تحَّضرت لتشاركها في الهجوم على ليبيا لا ندري , وبالطبع وكما حصل مع المثال العراقي والأفغاني ستمول الأنظمة هذه الحروب إمّا بمساعدات عينية مالية أو بإبرام عقود سلاح بالمليارات .
النكتة أن بوش عندما قرّر غزو العراق قد أعلن عن “أجندات للحرية” واكتفاها حجة وحيدة لحربه بعد افتضاح نفاقه وكذبه بالحجج الأخرى(أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع تنظيم القاعدة) وعزم في حينه على نشر”الديمقراطية” وأقسم على أن يجعل من العراق بعد “تحريره” أمثولة لشعوب المنطقة(وقد صدق! بجعله فزاعة لكل مواطن عربي يفكّر في إسقاط دكتاتوره) مما سيشجع نزوعا لدى شعوب المنطقة العربية نحو “الحرية” وبناء “الديمقراطية” فيتحول العراق بقدرة أمريكا إلى “منارة” في “شرقها المتوسط الجديد” بعد أن أنارت”ديمقراطية إسرائيل” منذ إقامتها “الشرق المتوسط القديم” وبالتالي سيتدافع العرب لاستنساخها كاندفاع العديد من ببغاوات لبرالييهم في حينه , ولا نجد غضاضة في هؤلاء لأنهم ثلّة قد تصهينت بمحض إرادتها(على وزن حزب يتخوزق بمحض إراته) أو بمال البترودولار , الطامة الكبرى كانت أن هذه الدعوة البوشية قد دغدغت أحلام “بعضٍ” قد قضى فترة طويلة من عمله السياسي يناضل في ظلّ برامج أحزاب يسارية وشيوعية ضد الاستعمار والامبريالية الأمريكية .
تحول العراق فعلا كما أراد بوش إلى أمثولة للذاكرة العربية ولكنها أمثولة سلبية في ذاكرة مكويّة كلما استعادها العربي كفر بكل “الديمقراطيات” الغربية , المهزلة هي أن بوش بعد ذلك قد اكتفى ب: “أن العراق بلا صدّام أصبح أجمل”!!
لم تصمد دعاوى أمريكا في دعم “الديمقراطيات” و”الانتخابات الحرة” طويلا وذلك من خلال مثالين ظاهرين للعيان:
أولا في تجربة المثال الفلسطيني , وبعيدا عن رأينا  حول “الانتخابات الفلسطينية الحرة” التي أجريت في ظل الاحتلال استحقاقا لاتفاق أوسلو , فإنّ الغرب الداعي والراعي لهذه الانتخابات لم يعترف بنتائجها ولم يكتف بهذا بل بذل كل مساعيه من بعدها لاحتراب الفلسطينيين فيما بينهم منحازا وداعما لجنود دايتون , وعندما عجز جنوده عن تصفية حماس فرض بالتعاون مع الأنظمة العربية عقوبات جماعية وحصار وحشي غير مسبوق في التاريخ البشري على أراضي الاحتلال الثاني في فلسطين مازال مستمرا حتى الآن وأطلق يد “إسرائيل” للاستيطان والقتل المنظم لكوادر المقاومة عقابا للشعب على انتخابه حماس وامتناعه عن انتخاب قوى التطبيع والصهينة جماعة أوسلو .
ثانيا المثال اللبناني وحول تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة ميقاتي المدعوم من حزب الله والأكثرية النيابية الجديدة المتشكلة على أنقاض حكومة آل حريري-جميّل-جعجع عبر”لعبة ديمقراطية” لم تخدش المقاييس الغربية التي تدعو أمريكا والغرب ليل نهار للحرص عليها لتنظيم العلاقة بين الفئات السياسية اللبنانية والحفاظ على وحدة أراضيه (المباحة “لإسرائيل”), فاعتبرت أمريكا ما جرى “انقلابا” على “الشرعية” وراحت تحرّض عليها لدى حلفائها لأن الشرعية من وجهة نظر  أمريكا تعني بكل بساطة سلطة عملائها المرتبطون بتنفيذ أجنداتها , وما أسرع ما يفقد هؤلاء العملاء شرعيتهم لديها فما أن يهتز سلطانهم حتى تسارع بنفضهم من يديها كما شهدت الأحداث الأخيرة .
في مقابلة لغرام بنرمان أستاذ التاريخ الأمريكي ومحلل “الخطط للشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية”  أجراها معه راديو أمريكي محلي قال أن الإدارة الأمريكية , إن في عهد أوباما أو في عهد سلفه بوش , “لا تأبه أبداًََ بما يدور من أحاديث عن التغيير في المنطقة العربية وحقوق الإنسان فيها” بل أوضح قائلا “أن نشر وحماية حرية الرأي في الشرق الأوسط هي ضدّ مصالحنا بشكل كامل” لأن الحكومات والأنظمة الجديدة التي ستتشكل على أنقاض الأنظمة المنهارة على يد الاحتجاجات الشعبية الأخيرة هي معادية لأمريكا ومصالحها وبالتأكيد ستكون أقل ودا حيالها , مما سيشكل في الحقيقة تحديا جديا ومشكلة كبيرة بالنسبة لنا”.
منذ زيارة السادات للقدس قبل ما يقارب 34 عاما وتوقيعه اتفاقية العار في كامب ديفيد والولايات المتحدة ترعى هذا النظام العسكري الدكتاتوري الفاسد حتى سقوط مبارك , ليس لمحبة جمعتها مع السادات ولا لسواد عيون مبارك , بل لأنّ مصر مثّلت له بعد انسحابها من دورها العربي والأفريقي المركزي بعد توقيعها لهذه الاتفاقية حجر الرحى لسياساتها في منطقة ما تسميه “الشرق الأوسط الكبير” الذي يحتوي على أكبر مخزون نفطي عالمي وقناة السويس والممرات المائية الإستراتيجية الأخرى كعقدة للمواصلات العالمية إلى جانب قربها من التخوم الأوربية , واعتبرته ركنا أساسيا من أركان سياستها في حماية أمن كيانها الصهيوني المدلل لتوظّفه فيما بعد كرأس حربة متقدمة للتطبيع معه عربيا(قبل تسليم الراية لجماعة أوسلو) كل هذا مقابل منحة سنوية سخيفة لا تتجاوز نصف ما تحققه مصر من بيع غازها الذي تمده لإسرائيل بربع قيمته العالمية كما بات معروفا , مع العلم أن هذه المنحة تصرف على قذائف ورصاص وقنابل مسيلة للدموع وهراوات استعملتها قوات النظام الأمنية ضد المنتفضين مؤخرا وقد أظهر العديد ممن تعرضوا لها للأجهزة الإعلامية ما كتب عليها : صنع في الولايات المتحدة الأمريكية .
فوجئت الإدارة الأمريكية باندلاع الانتفاضات العربية لأنها أربكت خططها المعدة للمنطقة سلفا , وكرد فعل مباشر حاولت في البداية وكالعادة دعم حلفائها سياسيا عن طريق إدلاء وزيرة خارجيتها السيدة كلنتون بعد ثلاثة أيام من اندلاع الانتفاضة التونسية وقبل هروب الرئيس المخلوع إلى مآله الأخير في السعودية بتصريح عبرت فيه عن قلقها من “أحداث الشغب وعدم الاستقرار” في تونس وأشادت “بعلاقاتهم الإيجابية والجيدة” التي جمعتهم مدة طويلة وأكّدت على موقف أمريكا “المحايد” اتجاه ما يجري في محاولة منها لاستغباء المنتفضين الذين يعلمون جيدا بأنها هي من ساندت ودربت وجهزت أجهزة النظام الأمنية التي تقتلهم طوال فترة حكم بن علي بكل ما يلزم من وسائل القتل والقمع , ثم فجأة , وبعد انهيار بن علي وهروبه , اكتشف أوباما “شجاعة وكرامة الشعب التونسي” كما جاء في خطابه عن وضع حالة الاتحاد وعبر عن “تضامنه ووقوفه إلى جانبه” في حين أن الشعب المصري الذي كان يتعرض في أثناء إلقاء أوباما لخطابه للاعتقال والقتل والدهس في شوارع القاهرة والمدن المصرية الأخرى على أيد أجهزة أمنية جهزت أيضا بعدة قمع أمريكية و”إسرائيلية” من هراوات وقنابل دخانية ورصاص مطاطي وحي لم يحظى بإطراء وكلمات ودية مماثلة , لم يقف النفاق الأمريكي عند هذا الحد فقد أكّد نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن في اليوم التالي لخطاب رئيسه دعمه لرئيس النظام المصري المخلوع قائلا:”كان مبارك حليفا مهما في كثير من المسائل التي تهم أمريكا , وقد عبّر عن تعاون لا محدود في خدمة المصالح الأمريكية الجيوسياسية من خلال الالتزام بالتطبيع مع إسرائيل” مضيفا أنه “لا يحبّذ وصفه بالدكتاتور” و”لا تنبغي استقالته” , واقتصرت “التوصيات” الأمريكية للنظام المصري السابق على كلام أجوف عبر نصحه لإصلاح نظامه أو تشجيع الانتقال السلس للسلطة , كانت الولايات المتحدة في حينه تعيد حساباتها وتحاول استعادة المبادرة التي أفقدتها الانتفاضة التونسية والمصرية لكسب الوقت جاهدة كما عبرت عن ذلك صحيفة وول ستريت “لاستيعاب غضب واستياء شعوب المنطقة من سياسات أنظمة عميلة لها في المنطقة وتوجيه ثورة الغضب هذه إلى مسارب آمنة” فبادرت إلى إرسال مبعوثها جيفري فيلتمان إلى تونس في مناورة مكشوفة للالتفاف على الانتفاضة هناك والحفاظ على أركان النظام دون بن علي , أما في مصر فقد عملت بحذر أكبر من خلف الستار : باركت توجه البرادعي إلى القاهرة وحرصت هيلاري إلى إرسال بعض “أولادها” على وجه السرعة للمرابطة إلى جانب المعتصمين في ميدان التحرير عساها تجد حلاّ تفاوضيا مع مبارك الذي واجه محاولاتها بعناد شديد قبل أن ينصاع أخيرا ويسلم سلطاته إلى المؤسسة العسكرية.
لا تعدم المحاولات الأمريكية حيلة للالتفاف على ما يجري في المنطقة , وليس ذي أهمية ارتباكها الذي أبدته في بداية الأحداث فهي تسرع لاستعادة زمام المبادرة وتتصوّر أنه مازال بالإمكان عمل الشيء الكثير , فما زالت الانتفاضات العربية في كل الأحوال حديثة العهد وغضة العود , وراحت مع حلفائها تستعد لإطلاق ثورة مضادة من سوء حظ الانتفاضة الليبية العاثر أنها تتزامن مع انطلاقتها . تحضر أمريكا الساحة الليبية لتكون حقل المعركة المضادة ليس لإجهاض الانتفاضة الليبية وحسب بل للانقضاض على مكاسب الانتفاضتين التونسية والمصرية واحتواء آثارهما أو نتائجهما , فهل تستطيع؟ لا نرجو ذلك بالتأكيد وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على وعي الانتفاضة الليبية أولا والانتفاضات العربية الأخرى.
إن أكثر ما تخشاه الإدارة الأمريكية أن ينتقل غضب الشعوب العربية المنتفضة ليعم الأصقاع العربية المتبقية وتكنس ما تبقى من دكتاتوريين لتلقي عن كاهلها لباس الذّل والخنوع والتخلف الممتد لعشرات العقود من حكمهم حتى كادوا أن يخرجوها من التاريخ لصالح القوى الإقليمية المحيطة بها , تكنسهم لتبدل طابع المنطقة الاستبدادي إلى واحة الديمقراطية الشعبية الحقيقية المتمايزة عن الديمقراطية الأمريكية التي تسعى جاهدة لاعتمادها وصفة طبية للمنطقة. ينتاب أمريكا فزع شديد أن تنسف الشعوب العربية خططا بذلت من أجلها الغالي والنفيس لتحقيقها واستتبابها حتى خلا لها الجو لنهب حتى تراب المنطقة ورملها , لم يرتقي اعتبار سكان المنطقة ونظمها في ظلّ هذه الخطط مستوى العبيد , و إن سوّلت لنفس أحدهم شق عصا الطاعة تقطع رأسه أو تسممه أو تسحقه بقوتها العسكرية الماحقة على أنه “إرهاب” .
إن “الحرية” التي تسعى أمريكا كزعيمة “للعالم الحر” لتصديرها إلى بقاع العالم وتعميمها على كل مجتمعاته هي لزوم الالتحاق باتفاقية التجارة العالمية تحت مظلّة أمريكا المعولمة التي تدعو لالتحام الجميع ب”سوقها الحرة” المفتوحة والغير مراقبة(سوى من قبل أمريكا). الحرية التي تدعو إليها أمريكا هي دعوة الجميع لنهج سياسة الخصخصة اللامحدودة واللامراقبة سوى من أمريكا حتى في القطاعات الحيوية مثل الصحة والطاقة واستخراج الثروات الإستراتيجية واتّباع إرشادات ووصفات وول ستريت والبنك الدولي المدمرة وكثيرا من الوصفات الأخرى المقدّمة من قبل المنظمات التابعة للرأسمال العابر للقارات التي لا تعنى ولا تلقي بالا أصلا سوى لحفنة طفيلية ضيقة جدا لا يتجاوز تعدادها عشرات الأفراد من التشكيلة المجتمعية يمثلون رأس النظام أو من تربطه به علاقة زواج شرعي أو غير شرعي تنتظم مع بعضها غالبا مافاويّا أو الأصح “بلطجيا” بحيث لا يتجاوز  دورهم دور جابي ضرائب أو سماسرة وكلاء وأحيانا قوادين وقتلة مأجورين عند أمريكا , بينما تترك الأكثرية الساحقة من الشعب نهبا للجوع والبطالة والتشرد , يزدادون فقرا وتشردا وجوعا كلما انخرطت الأنظمة في السوق الرأسمالية أكثر . الأنكى أن هذه الحفنة المتخارجة المغتنية لا تسمح لهؤلاء المنهكون بأي احتجاج حتى ولا بالإيماء تكمّ أفواههم بالقتل أو الاعتقال , حتى في حالة الاعتقال لا تكتفي السلطات العربية بتغييبهم خلف القضبان مدد طويلة وما يستتبع ذلك من مآس لهم ولعائلاتهم , بل تستخدم في حقهم هناك خلف القضبان كل الوسائل المتنوعة لسحق آدميتهم وهدر كراماتهم وكرامات عائلاتهم(2) .
يوجد في الوطن العربي ما نسبته 40% من السكان (باستثناء الدويلات النفطية) يعيشون بدولارين أمريكيين لا غير في اليوم وأحيانا أقل من هذا , في حين أن أميرا أو مسئولا عربيا أو ابنا أو قريبا أو صهرا له يهدر أكثر من مليوني دولار في ساعة واحدة على متع لا ضرورة لها في التقييم الإنساني السوي. تبلغ نسبة البطالة وخاصة بين خريجي الجامعات والمعاهد , أي عمالة فنية وتقنية , ما نسبته أحيانا بين 20-40% ما تعداده الملايين من العمال والفنيين وخريجي الجامعات في الوقت الذي تستورد أنظمة الدويلات الخليجية الغنية بالنفط ما يفوق هذا العدد من العمالة الأجنبية . هناك عدد كبير من الناس في مصر يسكنون المقابر , ومثلهم في سوريا تسكن مناطق مهمشة أو مناطق المخالفات كما يسمونها في سورية , ولو كان في سوريا مقابر على الطريقة المصرية لافترشوها أيضا . المصيبة في نهب الأنظمة أن أمواله تهرّب إلى الخارج وبالذات إلى البنوك الأمريكية فتخسرها البلاد مرتين : مرة حين نهبوها ومرة أخرى عندما لا يستثمرونها  محليا في حين يرهنون أمن الوطن والمواطن لاستقدام الاستثمارات الأجنبية التي لا تشتهي أن تستثمر إلاّ في قطاعات النهب( سلاح , استخراج البترول , سياحة, تجارة, دعارة..إلخ (فتحت لهم الأنظمة في بلادنا مواخير عربية للترفيه عنهم وتخفيف حر شمسنا)  . في ظلّ هكذا سياسة يهمل قطاع الصناعة والزراعة , وقد هجر المزارعون أرضهم أو هجّروا منها في أحايين كثيرة إما إكراها أو إغراءا مقابل وظيفة في أجهزة المخابرات المتعددة أو حرس جمهوري-وحدات-سرايا …إلخ لمواجهة الشعب , لكي نستورد بعد ذلك كل ما نأكل وما نلبس وما نركب من أمريكا وأوربا والصين وحتى من “إسرائيل” .
بعد التصعيد المتوالي من سياسة التحقير التي اتبعتها أمريكا منذ مؤتمر مدريد الذي عقدته بربطة كل من شاركوها  للتخلّص من العراق وفلسطين لتفرض صهينة قصرية تطال حتى الأفراد في هذه المنطقة العزيزة على قلبها تضخم شعور المهانة ليس لدى المواطن المصري فحسب بل لدى كلّ مواطن عربي وتحوّلت المنطقة إلى مرجل من البارود وصل حدّ الانفجار وهاهو ينفجر في وجه أمريكا وعملائها في المنطقة.
نعم إن الشباب المنتفضين اليوم في تونس ومصر وليبيا واليمن والأردن والبحرين والعراق وعمان وغدا في سوريا والسعودية سيثأرون لنا ويردّوا اعتبارنا ويرمموا كبريائنا المجروح , إنهم يصنعون لنا تاريخا جديدا , ينفضون عن كاهلنا ثوب الذّل والهوان .
(1)-كنا في المعتقل بعد أن طالت مدة الاعتقال نتندر إن سأل أحدنا متى الفرج من هذه الكربة فنقول : لا يوجد للفرج سوى احتمالات ثلاث : إما بموت الحمار(أي الدكتاتور) أو بموت صاحب الحمار(أي السجين) أو ما يعود ينبت في المرعى الحشيش أي العشب
(2)-كان الضابط المشرف على تعذيب المعتقلين يجبر أحيانا المعتقل المراد التحقيق معه على تقبيل أو لعق حذائه أو عضّها بأسنانه بعد إدخالها إلى فمه والسجين لا حول له ولا قوة إما قابع في الدولاب مقيد اليدين إلى الخلف ومعصوب العينين أو مشبوح , وفي أحيان أخرى إذا تجلّت خميسة مع الضابط يدخل في دبر السجين”قنينة” أو عصا أو كابل الكهرباء الذين يجلده به , وأحيانا أخرى يلعب بأعضائه التناسلية أو يطبق الكهرباء عليها “ليقطع نسله” كما يصرّح له لكي لا يخلف خلفة نسة للبلد!! . لا يفعل الضابط الذي يأمر بالتعذيب هذا لانتزاع الاعترافات بالتأكيد بل من قبيل التفكه في إذلال ضحيته لأن هذه الوسائل ليست ذا مردود ألمي كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات فهناك مواقع أخرى من الجسد ووسائل أخرى من التعذيب تؤلم أكثر وأكثر نفعا لانتزاع الاعترافات , ولكن لجوء الضابط إلى هذه الأساليب بالذات يوضّح بلا جدال نيّة الجلادين في إيغال إذلال المعتقل حتى أمام نفسه لكي لا يتجرّأ مستقبلا على الاعتراض على الأمير وقول كلمة لا , الفظيع في الأمر أن الجروح والآلام الجسدية تندمل وتشفى ولكن هذا الغلو في تعذيب النفس وإهانتها بهذا الشكل تترك جروحا عليها لا تندمل وإن حدث فبصعوبة كبرى لكنها تترك حرقة شديدة على نفسية المعتقل أنها تمت على أيدي أبناء البلد وتحتاج فترة طويلة لتزول آثارها وأحيانا تبقى راسخة , لنتصوّر بعد ذلك لو كان المعتقل فتاة أو امرأة . إن هذا المثل المضروب ليس منقولا قيل عن قال بل كان من تجربة شخصية لكاتب هذه السطور في أقبية الأجهزة الأمنية في سوريا .
محمود جلبوط
Givara1954@yahoo.de

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.