صفحات مختارة

قراءة في تقريرين مختلفين حول الثقافة والمعرفة في العالم العربي

رستم محمود
في السنوات الخمس الأخيرة نشطت، بشكل متصاعد، صناعة التقارير التي ترصد حال الثقافة والمعرفة في العالم العربي، بالرغم من الصعوبات التي يواجهها منظمو هذه التقارير،من حيث عدم توفر البيانات الرقمية الدقيقة والأمينة من قبل الدول العربية بالعموم، لأنه بتلك الأرقام الدقيقة ستكشف سواء حال ثقافة ومعرفة – المواطن العربي الذي يحيا في ظل أنظمة ما تزال تقمع الحريات الثقافية العامة و”حرية المبادرة” كبيئة أولية لتشكل المناخ الثقافي والمعرفي الحيوي، بل وأن الكثير من هذه الأنظمة السياسية، ما زال يعتبر “الأمن الثقافي” جزءاً من منظومته الأمنية العامة. إضافة الى “عدم أمانة ودقة” الأرقام التي تقدمها هذه الدول، فإن منظوماتها المؤسساتية بروحها البيروقراطية واحتكاريتها للبحث والرصد في كل جوانب الاستطلاع، تضع العراقيل قدر الممكن أمام معدي وباحثي هذه التقارير. بالرغم من ذلك فإن تلك التقارير استطاعت أن ترصد وتحدد بعض الملامح والدلالات عن الواقع الراهن لحال الثقافة والمعرفة في بلدان العالم العربي. لكن تلك التقارير بالعموم لم تكن محكمة الضبط والمعيارية في ما بينها لدلالات ومعاني ومؤشرات العبارات “غير الأبيقورية” مثل الثقافة والمعرفة… إلخ. ستسعى هذه المقالة إلى كشف تلك المفارقات في ما بين تلك التقارير، من خلال المقاربة بين تقريرين من هذه التقارير.
التقرير الأول، هو تقرير المعرفة العربي لعام 2009، الذي أطلق في دبي من خلال المنتدى الاستراتيجي العربي، بشراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. والذي سنسميه طوال هذه المادة بالتقرير الأول. أما التقرير الثاني فهو تقرير التنمية الثقافية الأول الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي بالتعاون مع المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ومركز دراسات الخليج العربي، والذي سنسميه في هذه المقالة بالتقرير الثاني.
ففي شأن الأمية المعرفية يبدو التقرير الأول بالغ التشاؤم في رصده لهذه الظاهرة الثقافية. فقد عبر عن ذلك بـ”في العالم العربي ما زال ثلث السكان الكبار عاجزين عن القراءة والكتابة، ولا يزال هناك 60 مليون أمي عربي، ثلثاهم من النساء، وما يقارب 9 ملايين طفل في عمر المدرسة، لكنهم خارج أسوار الدراسة”. وهذه دلالة لا تقبل الجدل في الحالة السوداوية لواقع انتشار الأمية في العالم العربي، فستون مليون أمي معرفي غير قادرين على القراءة والكتابة وهم كتلة سكانية بحجم الأمة الفرنسية، ما زالت دون القدرة على أبسط أشكال التفاعل الحديثة، وبالذات منهم نحو أربعين مليون امرأة، أي أن أربعين مليون عائلة عربية، راهناً ومستقبلاً، ستحيا في ظل رعاية أم أمية.
لكن التقرير الثاني يذهب إلى زاوية أخرى لتشكيل نوع من التفاؤل في هذا الجانب. فقد عبر عن ذلك بـ”إن واقع وجودة التعليم في العالم العربي يتصاعدان بطريقة ممتازة، فقد قفزت نسبة مرتادي المؤسسات التعليمية في كل مراحلها إلى 800 في المئة بين عامي 1975 2006، وهي من أعلى نسب التنمية التعليمية في العالم”. ما يلاحظ أن التقرير الأول أعتبر أن الأرقام هي المعيار في رصد تشاؤمها عن واقع الأمية في العالم العربي، ومن دون أن تراعي أن الزيادة السكانية الهائلة في العالم العربي، خلال العقود الثلاثة الماضية، هي من شكلت هذا العدد الهائل من الأميين، ومن دون أن يعني ذلك زيادة في نسبتهم. فلو كان عدد سكان العالم العربي منذ نصف قرن يبلغ 100 مليون نسمة ومنهم 30 مليون أمي، ومن ثم بلغ عام 2009 عددهم 300 مليون، والأميون منهم 60 مليوناً، ذلك لا يعني فقط أن الأميين العرب قد ازدادوا ثلاثين مليوناً فحسب، بصورة متشائمة، بل أيضاً يعني أن نسبة الأميين في العالم العربي قد خفضت من 30 % إلى 20 %. لذا تبدو الأرقام المجردة من دون النسبية، تعاني نوعاً من الانزياح إلى رؤية إيديولوجية في حقل معرفي. وعلى عكس ذلك يمكن أن يقال بشأن النسب التي أوردها التقرير الثاني، حيث رصد النسبة المطلقة بين مرتادي المؤسسات التعليمية في ما بينهم فحسب، غير ملاحظ أن تلك النسبة لا تعني الزيادة في ارتفاع نسبتهم بين مجموع المواطنين، وأيضاً لا يعني نموهم بالنسبة وبالمقارنة مع غير مناطق بالعالم. وهو أيضاً لغط معرفي آخر.
التقريران يؤسسان بطريقة غير محكمة لنوع من الرضا عن الواقع الإعلامي في العالم العربي مثلاً. فالتقرير الأول يذهب إلى “أن معدل زيادة مستخدمي اللغة العربية هو الأعلى بين مجموعة اللغات العشر الأولى على الشبكة العنكبوتية، حيث بلغ معدل الزيادة العربية 2064% خلال الفترة من عام 2000 2008، أي نحو 60 مليون شخص.. الخ”. أما التقرير الثاني، في رصده لنفس الظاهرة، فإنه يأخذ ذات الصورة وبأرقام ودلالات أخرى: “بلغ عددها الإجمالي للصحف اليومية في الدول العربية عام 2006 حوالي /267/ صحيفة ووصل عدد الصحف الأسبوعية إلى /507/ صحف وبلغ عدد القنوات الفضائية العربية/482/ قناة مضافاً إليها قنوات التليفزيون المشفرة إضافة إلى نمو معدلات أجهزة توفير خدمة الانترنت وارتفاع عدد مستخدمي الانترنت في العالم العربي من/ 700 ألف/ عام 1998 ليصل إلى /5،1 مليون/ مستخدم عام 1999 بزيادة 104 في المئة، علاوة على الزيادة الكبيرة في عدد المواقع العربية المسجلة على الانترنت بنسبة بلغت 353 في المئة خلال الفترة من عام 2000 2007″.
في مثل هذه الفقرات ثمة انزياح بالغ لتشكيل صورة عمومية وأقل دلالة في رسم الملمح الحقيقي العام. فهل حقاً أن زيادة عدد المواطنين الذين يرتادون شبكة الانترنت يعني فعلاً زيادة فاعلية هذه الشبكة في تكوين وعيهم العلمي المعرفي، ويعني ذلك نمواً ايجابياً في درجة تفاعلهم وعاملاً مساعداً في التنمية الإنسانية. فكم هي نسبة المرتادين للمواقع المعرفية والإعلامية والفكرية من بين الذين يرتادون مواقع الدردشة والألعاب والتواصل الافتراضي مثلاً؟. طبعاً لا جواب لذلك في التقريرين. وهل حقاً أن زيادة عدد الصحف اليومية والأسبوعية والمواقع الالكترونية، دليل مجرد وإيجابي على تطور في حقول الحريات العامة والتعبيرات السياسية والاجتماعية في هذه البلدان. ففي بلد مثل سوريا مثلاً، تم الترخيص في السنوات الخمس الماضية لإصدار المئات من الدوريات الإعلامية، لكن بينها دورية سياسية يومية واحدة، ومضبوطة بخطاب إعلامي يقارب ويزايد على الخطاب الإعلامي الرسمي نفسه. فهل حقاً من الاتساق المعرفي رصد الجانب الكمي العددي المجرد مقابل عجز عن كشف دلالات وتعبيرات هذه الأرقام المرصودة في حقول غير الكمية الوصفية الحسية. فهل يصح مثلاً أن نتفاءل بتقرير يقول إن بلداً ما شهد نمواً في عدد صحفه اليومية، في الوقت الذي يصدر تقرير آخر عن نفس البلد يصف حالة الحريات بـ”لا مجال للتنفس”!؟.
غير الانزياح في اختيار شكل وزوايا الرصد للدلالة على الرؤية، والاعتباطية في توصيف جانب من التشكيل العام، فإن تلك التقارير تبدو متناقضة في ما بينها من حيث الأرقام نفسها. ففي التقرير الأول يلاحظ: “لو وزع مجموع الكتب المنشورة سنوياً على عدد السكان، سيكون لكل 19150 مواطناً عربياً كتاب واحد فقط…”، أما في التقرير الثاني فقد جاء: “لو وزع مجموع الكتب المنشورة سنوياً على عدد السكان، سيكون لكل 12750 مواطناً عربياً كتاب واحد فقط…” أي أن الفرق بين الرقمين هو حوالى الثلث. وطبعاً ذلك يعود إلى عدم الاعتماد على نمط ومعيار واحد.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى