الرئيسية » كتاب الصفحات » صبحي حديدي » النظام السوري: استقرار الواجهة واعتلال البنيان

النظام السوري: استقرار الواجهة واعتلال البنيان

صبحي حديدي
ساعة كتابة هذه السطور، وابتداء من يوم 10 آذار (مارس) الجاري، يكون 13 من معتقلي الرأي في سورية (حبيب صالح، مصطفى جمعة، علي العبد الله، محمود باريش، كمال اللبواني، محمد سعيد العمر، مشعل التمو، أنور البني، خلف الجربوع، سعدون شيخو، اسماعيل عبدي، مهند الحسني، وكمال شيخو) قد باشروا الإضراب عن الطعام؛ والمعتقل الأخير، شيخو، يواصل إضراباً كان قد بدأه منذ أيام، وسبق له أن واجه أسئلة القاضي، خلال جلسة المحاكمة، بالصمت المطبق، وبفم مغلق بقطعة قماش. وهؤلاء، للإيضاح المفيد، عرب وكرد، أبناء أديان وطوائف شتى، وحَمَلة أفكار سياسية متغايرة، ولكن يجمعهم الحلم بسورية ديمقراطية حرّة، حاضنة لجميع مواطنيها، حافظة لكرامتهم، تحكمها دولة الحقّ والقانون.
والإضراب يتزامن مع ذكرى انقضاء 48 سنة على ‘إعلان حالة الطوارىء من قبل سلطة عسكرية انقلابية، غير منتخبة’؛ ومع ‘الذكرى السابعة لاستشهاد الكورد السوريين في مجزرة 12 آذار’؛ ولأنه ‘ما تزال حالة اللاقانون تحكم سورية حتى الآن، وما تزال سطوة أجهزة الأمن تكرّس حالة الإستبداد السياسي، وتستخدم القضاء الذي تهيمن عليه، للقضاء على حرّية الرأي والتعبير والتنكيل بالمعارضة، عبر التهم الملفقة والأحكام التعسفية’، كما جاء في بيان المضربين. والسلطة، يتابع البيان، تتذرّع بحالة الحرب، ولكنّ الحرب الحقيقية هي تلك التي ‘تشنها السلطة على المجتمع وحقوقه وأرزاقه، مما جعل الشعب السوري بكلّ مكوّناته، يعاني الأمرّين على يد سلطة الإستبداد والفساد’. ولقد ‘حان الوقت لإلغاء هذه الحالة الإضطهادية الشمولية، تماشياً مع رياح التغيير الديمقراطي التي تجتاح العالم العربي، مجسدة الحقوق التي تطالب بها الشعوب، والتي لا يعقل أن تكون محقة ومشروعة في تونس ومصر وغيرهما، ولا تكون محقة في سورية أيضاً’.
السلطة، من جانبها، لا ترى البتة أنّ الوقت قد حان لهذا الطراز من التغيير، ومن غير الممكن أن ترى هذا في الأساس، لأنّ أية خطوة إصلاحية حقّة كفيلة بتقويض ركن من أركان نظام الإستبداد والفساد والتوريث الذي يحكم سورية منذ 41 سنة، من الأب إلى الابن. أقصى ما فعله بشار الأسد، في ملاقاة الحراك الديمقراطي الشعبي الذي يعمّ العالم العربي اليوم، هو الزعم بأنّ نظامه محصّن لأنه ‘ممانع’؛ ثمّ تشديد الخناق، أكثر فأكثر، على أيّ مظهر احتجاج أو تظاهر أو حتى تضامن مع الأشقاء؛ وتنفيذ مسرحية هنا (كما في مشهد ‘السباحة في بحر من الجماهير’، بعد صلاة عيد المولد النبوي)، أو ‘مكرمة’ هناك (كما في إصدر عفو عن جرائم وجنح شتى، لكنها لا تشمل معتقلي الرأي… إلا إذا كانوا قد تجاوزوا سنّ السبعين!).
المرء، بالطبع، لا يملك إلا تهنئة شيخ الحقوقيين المحامي المناضل هيثم المالح، الذي كان أوّل الساخرين من هذه ‘المكرمة’ الزائفة، التي تطلق سراح مرتكبي الجرائم والجنح على اختلاف أنماطها ومخاطرها، ولكنها تُبقي في السجن أولئك الذين لم يرتكبوا إلا ‘جريمة’ التعبير عن الرأي، و’جنحة’ تبيان مظالم الناس ومفاسد السلطة. ومن المفارقة، إذا جاز اعتبارها هكذا في الأساس، أنّ المرء لا يعدم بوقاً من أبواق النظام ينكر، ويستنكر، أن تكون ‘مكرمة’ الأسد استجابة من أيّ نوع للرياح الديمقراطية التي أخذت تهبّ على طول العالم العربي وعرضه؛ فالنظام ‘قويّ’ و’ممانِع’ و’مقاوِم’، والعفو محض إجراء روتيني يتم اتخاذه كلّ سنة، وليس له أيّ مغزى يفيد انحناء النظام أمام أيّ ريح!
بيد أنّ مظاهر أخرى ـ غير خافية في الواقع، وإنْ كانت تحتاج ربما إلى جهد إضافي في استيضاح العناصر الجدلية التي تربط بينها، تشير إلى أنّ النظام يمرّ في طور تخبّط متعدد الأوجه، يجبره على اللجوء إلى طرائق أمنية، ومناورات إيديولوجية، وخيارات سياسية، تنمّ في مجموعها عن حال المأزق والإرتباك أكثر من حال الإرتياح والإستقرار. ففي المستويات الأمنية:
ـ ليس نظاماً قوياً ذاك الذي يصنع بنفسه، ولنفسه، فضيحة اقتياد الصبية طلّ الملوحي إلى محكمة أمن الدولة العليا، مكبلة اليدين معصوبة العينين، لاتهامها بالتجسس لصالح المخابرات المركزية الأمريكية؛ ثمّ يلفّق رواية بوليسية رديئة، مبتذلة ومفتضَحة، تبرّر حيثيات الحكم عليها بالسجن خمس سنوات، ويعهد بمهمة تلويث السمعة هذه إلى… وزارة الخارجية!
ـ وليس نظاماً قابضاً على زمام الأمور ذاك الذي يكلّف عناصر أجهزته الأمنية بانتحال أسماء مستعارة، وإرسال رسائل إلكترونية إلى الناشطات والناشطين، تنطوي على عبارات بذيئة وشتائم مقذعة، ضدّ الأبناء والأمهات والآباء (حتى في قبورهم، كما في نصّ رسالة تلقتها سهير الأتاسي، تتضمن التهديد بتلويث قبر والدها الراحل الكبير جمال الأتاسي!)، والتهديد بالحرق بالأسيد، والجلد، والسحل…
ـ وكيف لنظام مستقرّ، يزعم الحرص على وحدة الشعب ويسجن الأحرار بتهمة ‘وهن عزيمة الأمّة’، أن يخوّل ضبّاط الأمن في أجهزته حقّ التهديد بـ’إفلات الشوايا’ على المتظاهرين، والمتظاهرات بصفة خاصة؛ وكأنّ تسمية ‘الشوايا’ لا تخصّ مجموعة من المواطنين قاطني بعض مناطق الشمال الشرقي من سورية، بل تصف وحوشاً كاسرة ومخلوقات متعطشة للدماء؟ أليس في استخدام التسمية، ذاتها، رائحة عنصرية بغيضة؟ الا يوحي السادة الضباط بمعنى بالغ الخطورة، يتجاوز التلويح بأخطار الإنقسامات الدينية
والطائفية، إلى تلك المناطقية، وأحقاد الريف على المدينة، والشمال الشرقي ضدّ حواضر الداخل والساحل؟
في المستوى الإيديولوجي، ثانياً، تسعى السلطة إلى تحميل حزب البعث الحاكم مهامّ ذرّ الرماد في ما قد يكون تبقى من عيون قابلة للإنخداع بالمظهر الزائف واللفظ الأجوف، وذلك عن طريق إصدار بيانات حماسية مؤيدة للتحركات الديمقراطية في الشوارع العربية، حتى يكاد المرء يخال انه يقرأ بياناً صادراً عن القوى الثورية في تونس أو مصر، وليس عن الحزب الحاكم، شكلاً ودستوراً على الأقلّ، في سورية. وفي هذا يرتدّ الخطاب إلى ‘السنوات الذهبية’ للحزب، حين كانت بياناته ترطن بشعارات الوحدة والحرية والإشتراكية، والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة!
ففي ذكرى انقلاب 8 آذار، 1963، وهو أيضاً تاريخ فرض الأحكام العرفية على سورية، أصدرت القيادة القطرية بياناً كاريكاتورياً استعراضياً لا ينطلي على طفل، لكنه في الجوهر يمثّل إهانة لتضحيات الانتفاضات العربية جمعاء، لأنه ببساطة يمتطي موجتها في النصّ والعلن، ويعمل ضدّها في الفعل والسرّ. وصدّقوا أنّ البيان يقول التالي: ‘ما يشهده الشارع العربي اليوم غير محصور بعجز النظام الرسمي عن تحسين الأوضاع المعيشية فقط داخل الدولة الوطنية، أو بتعثر تجربة الإصلاح والديمقراطية، بل هو مرتبط بالأذى النفسي الذي يشعر أجيال اليوم بضرورة تحقيق الذات الوطنية وإسهامها في التحرر الداخلي والخارجي مع استمرار الاحتلال وتحديات الهوية والإنتماء’.
وفي حدود ما يعلم المواطن العربي، الجولان هو أكبر المناطق الخاضعة للإحتلال الإسرائيلي، بعد فلسطين؛ فهل ثمة موجبات، إذاً، تجعل المواطن السوري يشعر بـ’الأذى النفسي’؟ أم هو مستثنى منها رغم الإحتلال، لا لأي اعتبار آخر سوى أنّ النظام السوري ممانِع’ و’مقاوِم’، وحاكمه ليس سوى المفدى بشار الأسد، نجل وخليفة المفدى حافظ الأسد؟ وإذا كان ‘العربي سيّد القدر’، حسب الشعار البعثي العتيق الشهير، فهل السوري المعاصر سيّد أقداره، في أن يتظاهر متضامناً مع أشقائه التوانسة والمصريين والليبيين مثلاً، لكي لا يذهب المرء أبعد فيتحدّث عن حقّ السوري في استلهام ما يقومه به أخوته هنا وهناك في شوارع العالم العربي؟
وما دام المواطن العربي يتابع وقائع لجوء العقيد معمّر القذافي إلى قصف الليبيين بالمدفعية الثقيلة والطائرات، هل تتذكّر قيادة حزب البعث قصف مدينة حماة السورية، في شباط (فبراير) 1982؟ وهل يتذكّر بعضهم أنّ انعقاد المؤتمر القطري العاشر، في حزيران (يونيو) 2005، كان قد تزامن مع ذكرى مجزرة سجن تدمر (حين هاجمت مفارز من ‘سرايا الدفاع’، بأمر من قائدها رفعت الأسد، السجناء في زنزاناتهم ومهاجعهم، فسقط من القتلى ما لا يقلّ عن 500، حسب وثيقة منظمة العفو الدولية، ودُفنت الجثث في مقبرة جماعية خارج السجن)؟ ورغم أنّ العمّ السفاح كان قد تعرّض للمهانة، على يد أخيه حافظ الأسد أساساً، ونُفي أو نفى نفسه إلى مرابع إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، إلا أنّ أياً من مندوبي المؤتمر لم يتجاسر على رمي العمّ الغائب بزهرة، فكيف بإثارة حديث المجزرة، في مؤتمر قيل إنه انفتاحي شفاف!
في المستوى السياسي، ثالثاً، ليست مصادفة بريئة أن يبدي الأسد استعداده، في هذه المرحلة العاصفة تحديداً، لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وأن يبلغ وفداً من الكونغرس الأمريكي، يترأسه السناتور الديمقراطي جون كيري، أنه سوف يستجيب لأية خطة تعيد إحياء أقنية التفاوض. وقد نقلت صحيفة ‘هآرتز’ الإسرائيلية أنّ كيري يزمع صياغة ‘ورقة موقف’ مستمدة من حواراته مع الأسد، سوف يعرضها على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كذلك ذكّرت الصحيفة بأنّ العلاقات بين كيري والأسد طيبة للغاية، وأنهما التقيا خمس مرّات خلال سنتين، في دمشق، ومن المرجّح أنّ السناتور الأمريكي لمس، هذه المرّة، رغبة أكبر لدى الأسد في تحريك المفاوضات مجدداً.
ترحيل المأزق الداخلي إلى القنوات الأمريكية ـ الإسرائيلية (وليس غريباً أنّ القذافي يعتمد هذا الخيار اليوم، أيضاً، في وعيده للغرب ولإسرائيل)، إنما يستأنف فلسفة سبق للأسد الأب أن اعتمدها طيلة سنوات، مفادها التالي: أنّ استقرار سورية هو في صالح المنطقة عموماً، وفي صالح إسرائيل كذلك، وخصوصاً؛ وأنّ زعزعة استقرارها، في المقابل، سوف ينتقل كالسيل الجارف إلى الجوار، فلا يتزعزع استقرار النظام الحاكم في دمشق وحده، بل الأنظمة في معظم أطراف الجوار. اليوم، كما في الماضي القريب، يبدو الأسد الابن وكأنه يقرأ مفردة ‘الجوار’ بمعنى اشتمالها على كلّ الدول والأنظمة التي لا تجاور سورية فحسب (لبنان والعراق وفلسطين والأردن وتركيا)؛ بل تلك الأخرى التي لا تجاورها، ولكنها تتقاطع موضوعياً ـ وأيضاً: أمنياً، سياسياً، إثنياً، مذهبياً… ـ مع دمشق، كما هي حال السعودية ومصر والخليج العربي.
وإذا كان ثمة أيّ دور سياسي خارجي للقبضة الأمنية التي يجري تشديدها في سورية ـ وتستأنف تراث ‘الحركة التصحيحية’ في كثير، وليس في قليل ـ فإنه على الأرجح دور غير بعيد عن الصياغات التي تنفض الغبار عن المعادلة القديمة حول المنافع الإقليمية لإدامة الإستقرار السوري، ومضارّ زعزعته. وتلك معادلة كان الأسد الأب لا يفوّت فرصة دون ترجمتها هكذا: ثمن الإستقرار السوري هو الحفاظ على النظام، وثمن زعزعته لا يسدّده بيت السلطة وحده، بل يقع على عاتق المجتمع السوري بأسره، بإثنياته وطوائفه وحساسياته وانقساماته، التي يمكن تلفيقها أو إيقاظها من سبات عميق، وسيشعل من النيران ما سيأكل البلد أوّلاً، ثمّ ينتقل إلى الجوار.
مظاهر خادعة توحي بقبضة قوية متماسكة؛ إذاً، أنّى لها، مع ذلك، ان تحجب تأزّم النظام في البنيان والأركان.
خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.