ثقافة بلا أوزار!

null
خيري منصور
بدءا، وزراء الثقافة أينما كانوا ليسوا الحاملين لأوزارها، وما من احد منهم يزعم بأنه حامل عبء الكتابة والذي يتولى تمجيدها حسب عبارة لاكسي ليجيه، الدبلوماسي الفرنسي الذي حسم الأمر منذ البداية وغيّر اسمه الى سان جون بيرس الشاعر الذي جعل من البحر كتابا أزرق.
وما أثير حتى الان من ردود أفعال المثقفين العرب والمصريين منهم، بشكل أخص حول قبول الناقد جابر عصفور بمنصب وزير الثقافة في ذروة الحراك المصري للتغيير، ورغم استقالة د. جابر عصفوربعد يومين فقط من تكليفه بالمنصب خلفا لفاروق حسني، يستحق وقفة مطولة، بدءا من إدانة هؤلاء المثقفين لأحدهم وهو طالما صنف على انه تنويري، حتى موقف هذا المثقف ذاته، مرورا بما يمكن أن نسميه سايكولوجيا اللااستحقاق، وهو مصطلح يعود الفضل فيه الى برنارد شو في مقدمة احدى مسرحياته وان كان هذا المصطلح قد تحول بعدئذ الى عقدة نفسية وان كانت غير مدرجة في معجم فرويد. بين قبول مثقف بهذا المنصب وفي تلك الظروف الحرجة وبين استقالته منه لأسباب قيل انها صحية وليست سياسية، يومان لا بدّ انهما شهدا صراعا عنيفا بين المثقف المكلّف ونفسه، ولا بد ان مونولوغا طويلا عاشه د. جابر عصفور وقد تجاذبته مواقف وتداعيات وأوجاع عديدة، فنحن نعيش في مجتمعات لا نجهل الديناميات الاجتماعية والسياسية التي تحرّكها، والصراعات التي يعيشها الافراد بين التطلّع الى تحقيق الذات بالمعنى الوجودي وتحقيقها بالمعيار الاجتماعي السائد والضاغط أيضا. والأرجح ان المثقفين العرب بحاجة الى اختبارات تكشف منسوب المناعة لديهم، فمن ادانوا جابر عصفور على قبوله المنصب، منهم اناس مشهود لهم بالشجاعة واعلان العصيان النبيل على السّلطة، لكن منهم ايضا من يسيل لعابه على ما هو دون هذا المنصب بدرجات، ونحن هنا لا نسعى الى الادانة او التبرئة وفقا لمعيار متحرك، فلو كان جابر عصفور وزيرا للثقافة قبل عام لاختلف المشهد، وتحول مكتبه الى قبلة مثقفين وادباء وشعراء، منهم من يسعى الى استرضائه مثلما سعى الى استرضاء فاروق حسني ومنه من له ليلى يغنّي لها او عليها وتلك حكاية باتت مملة لفرط التكرار …
الأهم من قبول جابر عصفور لمنصب وزير الثقافة واستقالته الآن هو تقصّي ظاهرة ذات صلة بثنائية المثقف والوظيفة، وكان’الكاتب والروائي المغربي د. محمد برادة قد نبـّه في مقدمة اطروحته عن د. مندور الى نسبة الادباء الذين ارتهنوا للوظيفة في تلك المرحلة، فقد كانت الصحف و’ الاهرام’ تحديدا تعجّ بمكاتبهم، وان كان واحد من أبرزهم قد استعاد الوعي بعد فوات الاوان وبعد ان تحولت روايته ‘ الايدي الناعمة’ الى انجيل لمن ثاروا على العاطلين بالوراثة، وتلك مسألة اخرى لها مقام آخر …
* * * * *
والسؤال الذي نحن بصدد البحث عن اجابات ولو تقريبية عليه لصعوبته وتعقيده هو لماذا يضعف المثقف العربي اذا لوّحت له السلطة بمنصب ما، سواء كان سفيرا او وزيرا او حتى عضوا في مجلس شورى او برلماناً غير منتخب؟
ان هذا الكائن ليس من كوكب آخر، وهو ممن رضعوا منذ الصّغر التربويات ذاتها التي اصبحنا نحفظها عن ظهر قدم لا قلب، ما أراه باختصار هو ان مهنة الثقافة في الوطن العربي ليست مفروزة بشكل واضح، وتعاني من عدّة التباسات، سواء تعلّق الأمر بالدولة او الناس فالمثقف لم يحقق بعد القاعدة التي يمكن له ان يرتكز اليها، كقوة اجتماعية فاعلة، او كضمانة سياسية، والمثقف العربي رغم انهماكاته الكوميدية بشجون ما بعد الحداثة، يعيش كفرد استثنائي في سياقه الاجتماعي، ويخضع رغما عنه للمعايير الشعبية العامة، وهذا ما يفسر لنا حالة التصدّع النفسي التي عاشها مثقفون تخلّوا عن مواقفهم المعلنة وقبلوا بمناصب انتهت بانتحار عقلي او نفسي او سياسي بطيء، وما زلنا نذكر تلك الأزمة التي عاشها الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور، عندما انتهى بعد سهرة عتاب من زملائه الى موت مفاجىء، لكن أزمة صاحب مأساة الحلاج واحلام الفارس القديم ليست هي ذاتها أزمة آخرين ممن لم يعانوا صراعا دراميا عنيفا كالذي عاناه عبد الصبور وهو ينظر بعين دامية الى الحلاج وبعين عاتبة الى الشبلي!
وقد لا يعرف معظم’المثقفين العرب او المدرجة اسماؤهم في قوائم اتحادات الكتّاب ونقاباتهم زملاءهم الذين عفّوا عن مثل هذه المناصب، وذلك لسببين اولهما رواقية هؤلاء الزملاء وتعفّفهم عن السّجال حول ما يمكن تسميته تسعيرتهم السياسية وثانيهما حالة التباعد القصوى بين المثقفين رغم وهم التقارب عبر الانترنت والفيس بوك.. وليس معنى ذلك اننا بحاجة الى اختبار كل هؤلاء المثقفين بعرض المناصب عليهم كي يتبين لنا منسوب المناعة لديهم، لكن الاحتكام للقرائن يكون احيانا الشرّ الذي لا بدّ منه، فالقارىء العربي الذي لم يعد رهينة أوهام سدنة الثقافة لديه من الحصافة ما يكفي لأن يحتكم الى هذه القرائن وبالتالي يعرف من هم الذين يسيل لعابهم على ما هو أقل من منصب وزير، ومن هم الذين يرفضون خيانة الامانة حتى لو وضعت الشمس في يمينهم والقمر في يسارهم!!
المسألة اذن أبعد من قبول جابر عصفور لمنصب وزير ثقافة في بلاده وأبعد من استقالته ايضا، لأن من تولوا هذا المنصب في بلدان اكثر تقدما وديموقراطية وثقافة كفرنسا شعروا بحرج ما عندما شغلوا هذا المنصب وفي مقدمتهم اندريه مالرو الصديق الأقرب الى الجنرال ديغول، والروائي البارز في جيله ومؤرخ الفنّ الذي أصبح الأدرى بشعاب متاحف التاريخ من أقصى آسيا الى أعماق افريقيا، اضافة الى القارة العجوز التي شهد على حربيها الكونيتين بروايات خالدة من طراز ‘قدر الانسان’! كان مالرو يقول لأصدقائه انه ليس قط الشاعر مالارميه، وذلك تعليقا ساخرا منه على القط المدلل الذي كان يعيش تحت قدمي هذا الشاعر، فحين كان قط مالارميه يتثاءب في كسل ودلال، ثم تسأله القطط عن مهنته يجيب بأنه قط مالارميه، وكأن مالرو يريد ان يقول لمثقفي اوروبا كلها وليس فرنسا فقط بأنه ليس قط الجنرال ديغول!
وأذكر انني رويت هذه الحكاية ذات شتاء دافىء للصديق الباقي محمود درويش، فضحك وقال: انت الان تحرّضني على البوح بما لم أَبُح به من قبل، وهو ان احد الاصدقاء الخُبثاء همس بأذن ياسر عرفات ناصحا اياه بأن يستشهد بموقف مالرو من ديغول كي يقبل محمود منصب وزير ثقافة في دولة لم تولد بعد، وحين استجاب الراحل عرفات للنصيحة قال لمحمود ان مارلو قد قبِل بهذا المنصب عندما عرضه عليه صديقه القائد، عندئذ صحح محمود لياسر عرفات النطق باسم اندريه مالرو… لأن مارلو كاتب آخر. وأضاف محمود انه مضطر مرة اخرى للاعتذار عن قبول المنصب، لأن عرفات ليس الجنرال ديغول ولأن الدولة قبل الولادة ليست فرنسا .. واخيرا لأنه محمود وليس أندريه!!!
خلاصة الحكاية ان هناك من يقترضون من المناصب، مقابل من يخسرون لأنها تقترض منهم، وما من مثقف عربي يُعرض عليه منصب له جاذبية من الجاه السياسي والنفوذ الاجتماعي الا ويعيش حالة من الصراع قد تنتهي بالقبول الذي يعقبه ندم فوري، وقد ينتهي بالزواج الذي لا مفر فيه امام الزوجة الا العودة الى بيت الطاعة!!
القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.