الرئيسية » صفحات البلد » صفحات الناس » العمالة المنزلية الأجنبية في سوريا عبودية القرن الحادي والعشرين

العمالة المنزلية الأجنبية في سوريا عبودية القرن الحادي والعشرين

null
د.مية الرحبي
أثار مقطع الفيديو، الذي أظهر آثار التعذيب الوحشي لعاملة منزلية أجنبية، استنكار وغضب الشعب السوري، الذي راعه رؤية بشاعة التعذيب المزمن الذي تعرضت له تلك البائسة، وخاصة أن من اتهم بارتكاب هذه الجريمة الممثل سامر المصري وزوجته نيفين، وقد بقي الموضوع بين مصدق ومكذب إلى ان ضربت الممثلة
المثقفة الشجاعة عزة البحرة بكل الاعتبارات عرض الحائط، وقررت نشر مادة ضمنتها تفاصيل عن هذه الحادثة تدل على تورط الممثل وزوجته بهذه الجريمة، وكشفت المستور الذي حاول النجم المعروف أن يطمسه بنفوذه وعلاقاته. ولسنا هنا بصدد محاكمة سامر المصري وزوجته، فذلك من اختصاص القضاء وحده، والذي نتمنى أن يكون نزيها وعادلا ويقتص لهذه المسكينة ممن تسبب لها بهذا الأذى، كائنا من كان.
لكن هذه القضية حرضتنا على إعادة فتح ملف العمالة المنزلية الأجنبية، والذي سبق أن فتحناه على موقعنا مساواة، دون أن نجد أذنا صاغية، فتلك الحادثة ليست معزولة، وليست وحيدة، بل هي مثال على معاملة لا انسانية بشعة انتشرت في مجتمعنا بانتشار ظاهرة استقدام العاملات، بما لايتناسب مع قيمنا وعاداتنا.
ففي طفولتنا انتشرت ظاهرة استخدام العاملات السوريات، واللاتي كان يطلق عليهن ” صانعات” او “خدامات”، لكن الشائع كان معاملتهن من قبل الأهل غالبا كفرد من أفراد العائلة، وكانت القسوة في معاملتهن تقابل باستهجان كبير .
في زمن لاحق غابت لحسن الحظ تلك الظاهرة، واستبدلت بظاهرة المستخدمات بدوام جزئي، واللاتي اطلق عليهن اسم ” اللفايات”، وترافق ذلك مع التغيرات الاقتصادية الاجتماعية التي طرأت على مجتمعنا، كتقلص وجود الطبقة الارستقراطية، وانتشار الطبقة الوسطى التي عملت نساؤها خارج المنزل، وكن بحاجة لمساعدة منزلية تتناسب مع مدخولهن، فاستعن بمستخدمة مرة في الأسبوع تقوم عنهن بالأعمال المنزلية المجهدة، التي لايجدن الوقت للقيام بها.
ونتيجة للتغيرات الاقتصادية الاجتماعية التي طرأت على مجتمعنا في العقدين الأخيرين، وادت إلى تشكل طبقة من الأثرياء الجدد، دخلت “موضة” العمالة المنزلية الأجنبية إلى مجتمعنا، بداية العقد الأخير من القرن الماضي، نقلا عن المجتمعات الخليجية، وبدأ استقدام العاملات المنزليات الأجنبيات يزداد باضطراد، وصدر المرسوم 62 لعام 2007 الذي نظم استقدامهن، من قبل مكاتب استخدام خاصة، إلا ان ذلك المرسوم لم يتضمن الاشارة إلى حقوقهن. وتضمن القرار رقم 81 لعام 2006 الصادر عن رئيس مجلس الوزراء ايضاحات تنظيم المكاتب وشروط استخدام العاملات وكفل حقوق العاملات، ومنها: تنظيم عقد عمل للعاملة من قبل المستفيد من خدماتها، يتضمن هذا مدة عقد العاملة، وأجرها الشهري، وتأمين الملبس والغذاء والدواء والمكان المقبول لنوم واستراحة العاملة والالتزام بأداء أجرها الشهري عند نهاية كل شهر، وتقديم المساعدة اللازمة لتحويل أجورها إلى الخارج عند الطلب، حسب أنظمة القطع النافذة. كما يتعهد بإعطائها فترات كافية للراحة، وإجازة سنوية، وعدم إساءة معاملتها، أو التعرض لها بالضرب تحت طائلة المساءلة القانونية.. ومن الحقوق الممنوحة للعاملة تسجيلها في صندوق إصابات العمل بالتأمينات الاجتماعية، وتحرير العقد باللغتين العربية والإنكليزية.
بات استقدام العاملات الأجنبيات قانونيا، وتدفقت أعداد كبيرة منهن إلى القطر من الدول الآسيوية الفقيرة، حتى وصل عددهن تقديريا إلى 200 ألف عاملة، وبات من المألوف رؤيتهن مرافقات للأسر الثرية في المطاعم، حيث يجلسن بعيدا في آخر الطاولة وحيدات، أو مع أطفال العائلة الصغار، وبات ذلك جزء من التقاليد، التي تحرص تلك العائلات على إظهارها للعلن استكمالا لمظاهر الثراء الجديد.
وبتزايد اعداد العاملات، بدأت مسائل هذه الظاهرة ومتعلقاتها تطفو على السطح، وبدأنا نقرأ في الصحافة أخبارا نبهت إلى وجود مشكلة حقيقية، تضخمت حتى تحولت إلى قضية تستدعي تدخل الجهات المسؤولة، وقد اخذنا على عاتقنا كناشطات مدافعات عن حقوق المرأة مهمة إثارة هذه القضية وتسليط الضوء عليها، دون أن نلقى تجاوبا من اي جهة.
فقد طبقت على أرض الواقع الشروط المادية لاستخدامهن، بحيث حفظت الحقوق المادية للمستخدمين والمكاتب، أما حقوق العاملات الواردة في قرار مجلس الوزراء فلم تطبق حتى لدى الأسر التي تعاملهن معاملة توصف بأنها جيدة.
وتتالت الأخبار التي نسمعها في محيطنا ، والتي نادرا ما اخذت طريقها إلى الصحافة المكتوبة أو الالكترونية، مشيرة إلى الأوضاع المأساوية التي تعيشها تلك الخادمات، والتي تبدأ من المعاملة السيئة التي يلقينها عند استقدامهن، من حيث شروط إقامتهن المزرية في المكاتب إلى حين استخدامهن، مرورا بعرضهن في سوق النخاسة حيث يتم انتقاءهن من قبل المخدومين، وانتهاء ب” حفلات التأديب” التي يقيمها المكتب لهن. ففي حال اشتكى المستخدم من إحداهن، يعيدها إلى المكتب لمدة أيام، حيث يتم حبسها في غرفة وتقييدها، ومنع الطعام والشراب عنها، وضربها بشكل وحشي باستخدام الأحزمة الجلدية أو ماشابه، وتنتهي حفلة التأديب بإعادتها إلى منزل مخدوميها، وقد ” تأدبت” وتحولت إلى حمل وديع، فقد باتت تعرف أن كل ما يمكن أن تلقاه في منزل مخدوميها لايمكن أن يكون أقسى او اشد وطأة مما يمكن أن تلقاه في المكتب.
ويقول أيمن المعلم صاحب إحد المكاتب:” كل خادمة تأتي وبرأسها “موال”، والمكتب يجب أن يكون بمثابة رادع لها ، نحن هنا نربيها، فإن أخطأت ” بقلها ياحيوانة وبعملها كفين ” وهذا حق شخصي لي و”طز” بحقوق الإنسان”.(“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
وينتفي حسب نفس التحقيق السابق الذي أجراه موقع سيريانيوز ” خط الرجعة ” للعاملات إن لم يرتحنّ بعملهن لدى العائلة: فقد أخبرتنا ” تي” عن محاولاتها المتكررة لتغيير العائلة التي تخدمها، وكيف قوبلت بالضرب من المكتب ومن العائلة نفسها لدى إعادتها إليها، وهي الآن تعمل مكرهة لدى العائلة نفسها وتخبرنا عن وقت راحتها الذي تقضيه بكي ملابس جميع أفراد العائلة بمافي ذلك” الجرابات”.
وقد تمكنت إحدى العاملات من مغافلة صاحب المكتب وهمست بألم لمندوب سيريانيوز ” تعرضت في أحد المكاتب أنا وزميلاتي للضرب المبرح وأحياناً للحرق بالنار” .. (“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
ويتابع نفس التحقيق: عند سؤال السيد مهند معلا من مديرية القوى العاملة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن وسائل ضبط المكاتب وممارساتها قال:”لدينا مفتشين يقومون بجولات تفتيشية دورية كل 6 أشهر وفقاً للقانون القديم كما يقدم المكتب تقريراً نصف سنوي عن الوضع العام في المكتب من عدد العاملات المستقدمات إلى عدد العاملات الهاربات واللواتي غيرنّ العائلات التي يعملنّ لديها وسائر الأمور الأخرى”
و تحت إلحاحنا لمعرفة الحلقة المفقودة بين التقرير السنوي للمكاتب والذي يبعد كل البعد عن الواقع وبين آلية وزارة الشؤون لحماية الخادمات أجاب مهند معلا:”نحن لا نتحرك إلا بناءً على شكوى مكتوبة، ويتم إحالتها إلى المديرية الخاصة بالمحافظة التي قدمت الشكوى لإرسال لجنة تفتيش ، وقد تم إغلاق مكتبين حتى الآن بسبب مخالفته “.(“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
أما شروط العمل المنزلية فلا يحكمها أي ضابط، فالعاملة بالنسبة للأسرة آلة تم استئجارها لتعمل دون أي تحديد لساعات العمل أو طبيعته وشروطه، ففي بعض المنازل تقضي العاملة طوال النهار في العمل المنزلي الشاق، ثم تبقى ساهرة مع ضيوف الأسرة حتى ساعة متأخرة من الليل، وعليها أن تستيقظ في الصباح الباكر لترسل الأولاد إلى المدرسة ، في حين يغط الوالدان في النوم. تأكل الخادمة في بعض الحالات بقايا طعام الأسرة، وتنام على فراش بائس على الأرض في زاوية المطبخ في أحيان أخرى، وتلبس ما تمليه عليها ربة المنزل، وتعالج بأدوية من الصيدلية،كيفما اتفق، دون عرضها على طبيب في حال إصابتها بمرض، وتتراوح طبيعة عملها من التنظيف إلى الغسيل والكي والطبخ وتربية اللأولاد، شراء مواد البقالة، حمل الأغراض الثقيلة، غسيل السيارات….الخ، ويتم تأجير العاملة أو إعارتها لمنازل الأقرباء أو الأصدقاء. وتقول إحدى الخادمات الأندونيسيات في شهادة لها نشرت في مادة بعنوان “منازل مهددة والحل.. خادمات بكلفة باهظة” في موقع داماس بوست:” لا أستطيع النوم – قالت زينب ( 26عام ) اندونيسية تعمل عند أسرة مرموقة- استيقظ في الصباح الباكر لأوضب المنزل الذي يتكون من طابقين وبمساحة كبيرة، وبعدها أرافق سيدتي في جولاتها الى السوق ولعند صديقاتها ، وبحلول المساء أدخل المطبخ لتحضير العشاء فغالبا هناك سهرة كل يوم وزوار المنزل كثر، فأنا أقوم بكل شي وحدي ولا أنام إلا بنوم آخر شخص بالمنزل “.
لايوجد وقت للراحة أو الترفيه، لا تحديد لساعات العمل، لا إجازة،لا خروج من المنزل، لااتصال بأحد، لا زيارات، لاصلة بمواطنات من نفس البلد، وحتى لو اتيح للمسكينة التفرج على التلفزيون فهي لاتفهم لغته.
تنقطع صلة العاملة بأهلها وبلدها شهورا طويلة لا تتاح لها فيها الاطمئنان عن أهلها، وأسرتها، وفي بعض الأحيان أطفالها الصغار، الذين تركتهم سعيا وراء لقمة العيش.
كل هذا يعتبر لدى 99% من الأسر اللاتي تستخدمهن طبيعيا وفي حدود المقبول، ولا ترى أي أسرة غضاضة في هذا الوضع غير الإنساني، بل تعتبر هذه الأسر أن العاملات لديها مدللات طالما أنها تؤمن لهن الطعام والشراب والكساء، ولا يتعرضن لأذى جسدي، بل إن تلك الأسر تتندر بالحالات النادرة من الأسر، والتي لا تشكل أكثر من 1%، التي تسمح لخادماتها بالخروج للنزهة مع زميلاتهن، أو يسمحن لهن بارتداء ملابس حديثة أو ماشابه، وبشكل أندر يعاملنهن كفرد من افراد الأسرة. وأعرف إحدى السيدات التي تمنع خادمتها من التحدث إلى بنات وطنها، فيما لو التقت بهن مصادفة في مطعم أو منتزه مثلا، كي لا “”تتفسد” على حد تعبيرها، وتلك السيدة نفسها لاتأخذ الخادمة معها عند خروجها إلى زيارة، بل تتركها في البيت وحيدة، وتقفل عليها باب البيت، كما أعرف غيرها ممن يبتدعن عملا لها غير ضروري البتة، كأن تعيد تنظيف خزائن المطبخ والحمام وغيرها دون ضرورة، المهم ألا تبقى جالسة دون عمل.
واللافت في الموضوع أن الخادمة مجبرة على أن تلبس كربة المنزل بغض النظر عن معتقدها، فإذا كانت ربة المنزل محجبة عليها أن ترتدي الحجاب، والعكس صحيح.
تتعرض الكثير من العاملات حتى من قبل الأسر التي تدعي معاملتهن معاملة جيدة، للتأنيب والتوبيخ والصراخ من قبل صاحبة المنزل، على أقل هفوة يرتكبنها، دون أن يؤخذ بالاعتبار اختلاف الحضارة والبيئة والمستوى الاجتماعي، فالمطلوب من العاملة أن تتصرف بعقلية مطابقة لعقلية صاحبة البيت، ولا يعتبر ذلك العنف المعنوي عنفا في العرف العام.
تتوافق 99% من العائلات التي تستخدم العاملات الأجنبيات على أنهن من ” جنس آخر” لايجب معاملته إلا بالشدة والحزم، ينظر إليهن على أنهن من طبيعة بشرية مختلفة تضمر الشر والكسل والسوء، وأنهن يجب أن يقمعن كي تقمع نوازعهن الشريرة، في نظرة تشبه إلى حد كبير نظرة الحكام المستبدين الذين يصمون شعوبهم بنفس الصفات، فهم قصر لايعرفون مصلحتهم، يجب قمعهم كي لا يثوروا على الظلم، واي تساهل معهم سيحرك نوازعهم الشريرة في رفض الظلم.
وكثيرا ما نسمع من المخدومين عبارات مثل” جنس عاطل”، ” ما بينعطوا وش”، “ما بيجوا غير هيك”…..الخ
وهنالك بعض الحالات التي تحرم منها العاملة المنزلية حتى من أجرها الشهري الذي تحملت كل هذا العناء والغربة والبعد عن الأهل والوطن من أجله.
يتصاعد العنف تجاه العاملات من قبل بعض المخدومين الذين يعانون من نزعات عدوانية وطباع سادية، ، فالبعض يمنع عنهن الطعام، أو يعطيهن القليل منه، أو لايعطين من الأطعمة المميزة التي يأكل منها افراد الأسرة، واذكر مرة أن إحدى السيدات تعرضت للسخرية من قبل صديقاتها، عندما طلبت وجبتي سمك لابنتها وخادمتها، فسخرت منها صديقاتها لأنها تريد ان تطعم خادمتها سمكا.
ويمارس البعض عنفا جسديا ضد العاملات، يتراوح بين الضرب باليد إلى الضرب باستخدام أداة ، إلى الحرق والطعن وتقييد الخادمة، وقد نشر موقع دي برس بتاريخ 29/7/2010 حادثة إحراق ربة منزل ليدي وقدمي خادمتها بالمكواة.
وحسب سيريانيوز تقول عبير 36 سنة وهي ربة منزل العاملة تي:” الضرب ضروري..يعني عندما هربت تي وهي لا تتكلم اللغة العربية وأخذت تكسي بقصد الذهاب إلى المكتب فربما خطفها سائق المكتب وربما أعتدى عليها أو قتلها فمسؤوليتها تقع على عاتقي وهذا ما لا أريده” وتضيف”لا تنسي أن الخادمة إن لم تجد العقوبة ستكرر فعلتها مرة ثانية”.
وتصرح أم هالة ف ( 42 سنة ): “لا بد من الضرب بين الحين والآخر فالخادمة تعمل على التمثيل أنها لا تفهم الكلام ولا العمل وتتظاهر بالمرض وهذا غير وارد في منزلي…. أحب كل شي مرتب وفي مكانه خاصة إنني أستقبل الضيوف كل يوم تقريباً، ألا يكفي انها تشبع الطعام هنا وتلبس أفضل مما كانت تلبسه في بلدها؟ وفي النهاية لها راتب “.(“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
بل قد يصل التعذيب الجسدي إلى حدود القتل وحسب موقع سيريانيوز أيضا فقد قتلت العاملة “أرسيما” (26عام) بعد “تعرضها لضربة قوية على الرأس” في 14/12/2008. وقد صرح مصدر رسمي لموقع سيريانيوز بأنه فوجئ بنحفها الشديد فجميع عظامها بارزة ، إذ بلغ وزنها 35 كغ بعد أن كان 65 كغ عند دخولها المنزل ، وظهرت آثار التعذيب بوضوح على جسدها من إطفاء أعقاب السجائر إلى ضربات بأشياء حادة على يديها، كما صرح ذات المصدر الرسمي المطلع أنه “بتاريخ 9/1/2009 تعرضت الخادمة ساندي إلى ضربات عنيفة على الرأس بواسطة “القشاطة” من قبل ربة المنزل، أدت إلى موتها. (“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
وكذلك حادثة مقتل الخادمة الفيليبينية في حلب، أثناء تعذيب مخدومتها لها، والتي أوردها موقع سيريانيوز بتاريخ 14/9/2010، كما اورد أيضا مفارقة أخرى الحياة في ظروف غامضة بعد سقوطها من منزل مخدوميها في الطابق الرابع. كما نشرت صحيفة الثورة في عددها الصادر في 26/6/2010 خبر مقتل خادمة بعد ان أشبعتها مخدومتها ضربا على راسها بكعب خذائها، وكانت العقوبة للمخدومة السجن 5 سنوات فقط. كما سجل موقع عكس السير في 7 ايلول 2010 خبر مقتل خادمة فيليبينية تبلغ من العمر 28 عاماً فارقت الحياة في المنزل الذي تعمل به بحي حلب الجديدة نتيجة ” التعذيب والتجويع “.
كما سجلت في سورية العام الماضي عدة حالات انتحار لدى العاملات، قدرت بعشرين حالة في السنوات الثلاثة الأخيرة،ومئات حالات الهروب، وقد سجل موقع عكس السير بتاريخ 9 تموز 2010 حادثة مصرع عاملة في حمص إثر سقوطها من الطابق الثالث أثناء محاولة هروبها من منزل مخدوميها.
و ذكر طبيب في الطب الشرعي بدمشق ” خلال الثلاث سنوات الأخيرة جاءنا حوالي 20 حالة انتحار عاملات أثناء محاولة الهرب، حيث نجد بجانب الجثة حقيبة ملابس، ومجموعة من الشراشف المربوطة التي تستخدمها العاملة للنزول من شرفة المنزل، فأحيانا تنتهي المحاولة بالنجاح، وأحيانا بالموت، لكن وباعتقادي هنا يكون الموت أرحم لها”.(“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
ومن الطبيعي أن تتعلق مثل تلك الفتيات اللاتي يعشن حالة رهيبة من العزلة باي شخص يبدي لهن اي نوع من التعاطف، لذا يتعلقن عاطفيا بصبي البقال أو اي شاب يعمل في الحارة، وذكرت حوادث كثيرة غررفيها أولئك الشباب بهن، كي يقيموا معهن علاقات جنسية، أويحرضونهن على سرقة بيوت مخدوميهن.
أما العنف الجنسي فيتم طبعا التستر عليه من قبل الأسر في حال حدوثه، وهو باعتقادي ليس شائعا، لأن رجال الأسرة ينظرون إلى تلك العاملات نظرة فوقية لا تصنفهن أصلا في مصاف النساء. وقد ذكر في بعض المواقع الالكترونية أن بعض العاملات يستقدمن للعمل كخادمات ثم يتم استغلالهن في الدعارة، إلا أن تلك المعلومات غير مثبتة وتحتاج إلى براهين.
ومن الطبيعي ألا يقتصر ضرر هذه الظاهرة فقط على العاملات المنزليات، بل على الأسر التي تستخدمهن، إذ أن السلوك العدواني من قبل ربة المنزل تجاه العاملة سينعكس بشكل سلبي على الأطفال وجوّ الأسرة بشكل عام، كما أن اعتماد جميع أفراد الأسرة على العاملة في كل شيء يعّود الأطفال على الكسل والاتكالية وعدم تحمل المسؤولية، ووجودها يضعف العلاقة بين الأهل والأولاد، ناهيك عن ضعف العلاقة الإنسانية بين العاملة والأطفال بسبب حاجز اللغة، فالوالدان في تلك الأسر يقضيان جلّ وقتهما خارج المنزل في التسلية والسهر تاركين أولادهما في عهدة الخادمة، ذات الثقافة المختلفة والوعي المحدود والبيئة الاجتماعية المغايرة. ومن غير المستغرب أن تقدم العاملات اللاتي يعاملن معاملة سيئة على الانتقام من أطفال الأسرة أو شيوخها العاجزين عند تركهن بمفردهن معهم، وذلك مثبت في بعض الحالات بأشرطة فيديو مرعبة، كما قد تقدم بعضهن على الانتقام من المعاملة السيئة بأشكال عديدة، يمكن ان يطلقها عنان العقل المضطهد المقموع، والتي قد تصل إلى حدود القتل، كحادثة قتل العاملة الأندونيسية لمخدومتها السورية والتي أوردتها صحيفة الثورة بتاريخ 7/ 8/2009.
واذكر حادثة طريفة سمعتها وهي أن سيدة اعتادت أن توبخ خادمتها وتشتمها، وقد قضت هذه الخادمة ثلاث سنوات تسمع شتائم متنوعة من السيدة من بينها ” كلي …..” وبعد انقضاء مدة خدمتها وعودتها إلى بلدها اتصلت بمخدومتها وقالت لها لقد كنت تشتمينني دائما بعبارة ” كلي….” احب أن اعلمك أنني أطعمتك وأطعمت أسرتك “……” لمدة ثلاث سنوات كنت أضعه في طعامكم.
هذا غيض من فيض الحوادث التي تقع يوميا في بلدنا دون أي ارتكاس أو محاسبة من اي جهة، فلاتوجد أي وسيلة تؤمن ايصال تلك البائسات شكواهن لأحد، وبالتالي يبقى ما يحدث لهن حبيس الجدران الأربعة، التي تحبس فيها العاملة على مدى سنوات ثلاث، ولايوجد اي قانون ينظم شروط عملهن، وحتى لو تسرب خبر إحدى تلك الممارسات البشعة، فرب الأسرة قادر بحكم علاقاته وصلاته ان يطوي الموضوع، وتبقى البائسة دون سند ودون أحد يمكن ان يدافع عن حقوقها او يحميها من الممارسات التي قد تصل إلى الوحشية التي شاهدنا فيها حالة العاملة لدى عائلة المصري، فليس من مصلحة أحد أن يثير عليه أحد المتنفذين أو المعروفين من اجل الدفاع عن خادمة مسكينة، لكن كما يقول المثل العامي” ان خليت خربت” فهاهو صوت الممثلة الشجاعة عزة البحرة يكسر جدار الصمت، ويقول كلمة الحق دون ان يخاف فيه لومة لائم، تحية لك عزة ولكل من دافع عن إنسان مظلوم، وكان له شرف وقفة العز، التي قد يدفع ثمنها من لقمة عيشه، لكن الثمن الذي سيدفعه الظالمون وصمة عار لن ينساها لهم الناس والتاريخ.
ولابد هنا من أن ننوه إلى تأثير استجلاب تلك العاملات على الاقتصاد الوطني ، فهذه الظاهرة تمثل نزيفاً اقتصادياً وطنيا ناجما عن دفع أجور تلك العاملات، عدا عن أنهن يأخذن مكان 200 ألف قوة عمل في سورية، خاصة أن بعضهن يعملن في غير العمالة المنزلية في بعض الأحيان، كالعمل في مراكز التجميل أو غيرها. رغم أن المرسوم التشريعي رقم /62/ لعام 2007 عاقب المستفيد بغرامة مقدارها 100 ألف ليرة سورية حسب المادة /3/ إذا ثبت لوزارة العمل تشغيل الخادمة في غير الغرض الذي استقدمت من أجله. وفي ذلك يقول أمين شؤون العمل في اتحاد نقابات العمال أحمد الحسن”إنه يتم استقدام عاملات من دول أجنبية تحت ستار العمل في المنازل وما يحدث أن قسما كبيرا منهن يتم توظيفه للعمل في ورشات منزلية أو تنظيف مكاتب وصنع الشاي والقهوة، وهذا ما يجعلهن يأخذن مكان العمال السوريين الذين لا مانع لديهم بالعمل بمثل هذه المهن”. (“الخادمات” الاجنبيات في سورية .. شكل مستتر “للعبودية” ، سيريانيوز، 2009-04-26).
وقد أناط القرار /81/ بمفتشي العمل التابعين لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مهمة مراقبة تطبيق أحكام القرار /81/ واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مخالفي أحكامه. بالإضافة إلى تعرض مرتكب المخالفة بحق العاملة والمربية إلى العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات السوري فيما يتعلق بجرائم القتل والضرب والقذف والسب والاستغلال الجنسي وغيرها. إلا اننا لم نقرأ او نسمع عن تعرض اي من المخدومين لأي عقوبة عند ارتكابه التجاوزات السابقة، إلا في حالات القتل ، حيث كانت العقوبة مخففة بشكل يدعو للدهشة.
لابد ان اسجل هنا أنني ضد هذه الظاهرة بالمطلق، فالطبيعي أن يتم طلب المساعدة المنزلية من قبل نسوة مقيمات في البلد تحدد أجورهن بالساعة أو اليوم، ولايقمن بشكل دائم في منازل مخدوميهن، ويعاملن معاملة العمال في اي مجال آخر، وتحفظ لهن حقوقهن قانونيا.
إلا أنه في حال إصرار الدولة على الابقاء على تلك الظاهرة، وعدم منعها بالمطلق، فلابد من اصدار قوانين تحدد حقوق العاملات، وتتضمن الشروط التالية:
– معاملة العاملة معاملة إنسانية لائقة محترمة.
– تأمين الغذاء والكساء والدواء بصورة لائقة، بما يتوافق مع عاداتهن ومعتقداتهن.
– تأمين مكان لائق لإقامة ونوم الخادمة، يتضمن مكانا مريحا للنوم ومكانا مخصصا للمقتنيات الشخصية.
– تحديد طبيعة عملهن بحيث لا تتجاوز أعمال التدبير المنزلي والعناية بالأطفال في حال غياب الأهل.
– تحديد ساعات عملهن بحدود 8 ساعات يوميا أسوة بالعمال في جميع انحاء العالم، وتأمين شروط معقولة للترفيه عن انفسهن خارج أوقات الدوام ( جهاز تلفاز، هوايات).
– تحديد إجازة اسبوعية يسمح لهن فيها بالخروج من المنزل والاتصال بمواطناتهن والترفيه عن النفس والتسلية.
– تحديد إجازة سنوية يحددها القانون.
– تأمين اتصالهن بأسرهن بفواصل زمنية معقولة.
– توفير إمكانية إيصال شكاوى العاملات إلى الجهات المختصة.
– تطبيق عقوبات رادعة بحق كل من يعرضهن لأذى معنوي أو جسدي او جنسي.
أنا اعلم أن تلك الشروط ستثير سخرية الكثير من النسوة اللاتي يستخدمن تلك العاملات، لبعدها الشاسع عن الواقع، ولكن لا بأس، من لا تعجبه هذه الشروط القانونية فليستغن عن استخدامهن.
لقد حان الوقت لإلغاء العبودية الدخيلة المقحمة على مجتمعاتنا، فقد كنا من أوائل الدول التي ألغتها، لتعود إلينا الآن بصيغة جديدة، لاتتناسب أصلا مع قيم مجتمعنا، التي قامت على أساس احترام الانسان والطيبة والتسامح. إن تلك الظاهرة الدخيلة لاتسيء فقط إلى تلك البائسات، بل تشوه قيمنا وعاداتنا، وتنشئ جيلا يتربى على عدم احترام إنسانية الانسان، ويعيق حوار الحضارات الذي نسعى إليه جاهدين، من اجل مستقبل اكثر إنسانية وعدلا.
كلنا شركاء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.