قضية فلسطين

النصر الحقيقي.. الدرس الاستراتيجي

زهير سالم
لن ندخل في لجاجات الحديث عن فلسفة النصر والهزيمة، ولن نُستجر إلى جدل عقيم حول: من انتصر في غزة؟! ذلك أن مخايل النصر تلوح على جبهات المنتصرين، كما أن قترة الهزيمة تعلو الوجوه الكسيفة المكفهرة.
سنترك اعتبارات النصر والهزيمة ومناطاتها ربما لجولات أخرى من الحديث، وسننتقل إلى الحديث عن (الحرب) الدرس الاستراتيجي الذي يجب أن يكون موضع تقويم وتحليل الاستراتيجيين والدارسين لتستخلص منه أمتنا الفقه الذي يعينها على (تحرير أرضها) والدفاع عن ذاتها، بعد أن حوصرت خلال عقود من التفكير التقليدي في خيار الاستسلام لإرادة العدو تحت معطيات الواقعية المزيفة وشعارات (السلام) المزخرٍفة للمواقف المخزية.
إن الذين أقاموا الكيان الصهيوني دعموه وحصنوه بآليات الانتصار والغلبة في أي حرب تقليدية يمكن أن يبادر إليها، أو أن تفرض عليه. إن الانتصارات المتكررة التي أحرزها العدو في معاركه التقليدية 1948-1956-1967-1973-1982 أشاع اليأس في قلوب كل من حاول أن يتصدى له أو يفكر بأن يضع حداً لعدوانه. ولم يترك أمام الحكومات العربية شبه العقيمة غير خيار الاستسلام الذليل. درس غزة ومن قبل درس لبنان يقولان: إن بإمكاننا أن نقلب الطاولة على أصحابها، على العدو وعلى داعميه أيضاً، بنمط جديد من الحرب يخوضها إنسان المنطقة الجديد.
درس المقاومة يقول حسناً، لا طاقة لنا بخوض أي معركة تقليدية في المعطيات الاستراتيجية والتعبوية المفروضة، فلنضرب عن التفكير بهذه الحرب، ولنستنبط أساليب جديدة للحرب نكون فيها المنتصرين.
لا نعتقد أن المقاومة في لبنان أو في فلسطين قد خاضت معركتها في أفضل الظروف، أو أنها استفادت من طاقات الأمة بأقصى الإمكانات. ونعتقد أن معركة تخاض على أساس استراتيجي جديد من قبل دول المنطقة في مصر وسورية… أو في مصرأو في سورية سيكون نصرها أكثر بلجا من نصر غزة.
لسنا بحاجة حسب معطيات هذه الحرب التي خاضتها من قبل أمم وشعوب إلى خطوط دفاع تقليدية، ولن تكون الأرض، في مثل هذه المعركة على ما نقدر، هي مناط تحديد النصر والهزيمة. في تاريخنا القديم درس المنصورة المدينة المصرية بانتصارها العظيم.
إن الذي نلح عليه في هذا المقام هو أن يتحول نصر غزة إلى درس. وأن يوضع الدرس بين أيدي الاستراتيجيين والدارسين لتقويمه وتعميمه، وبناء النظرية العسكرية المقاومة على أساسه.
ربما يحتاج توجه مثل هذا إلى إعادة بناء في العقيدة العسكرية، وفي طبيعة العتاد والسلاح، وفي مقتضيات التدريب. الحديث عن مثل هذه المعطيات هو من شأن المهنيين المختصين. والذين ندعوهم أن يبادروا إلى ذلك مباشرة في أفق سوري وعربي وإسلامي.
إن الذي نريد التركيز عليه من عناصر المعادلة تلك؛ أن نتوقف عن (لوك) المقالات عن زهو (خيار السلام الاستراتيجي الوحيد) وتزيينه، أن نتوقف عن ترداد سخافات ما يسمى ثقافة السلام، فأي سلام يمكن أن يكون مع هذه الغيلان التي صنعت مجزرة غزة وطمست أعين الأطفال بسلاحها الفسفوري؟! الذي نريد التركيز عليه أن نتوقف عن الحديث عن المجتمعات الرخوة بمفاهيم الرفاه والرغد الموعود والموهوم.
وأن ننتقل في مناهجنا وبكل وسائل خطابنا إلى الحديث عن ثقافة المقاومة، وعن تمجيد روح الاستشهاد، والتأكيد على رفض الخنوع والاستسلام.
ثقافة المقاومة والجهاد في سورها المنيفة (الأنفال والتوبة والقتال..) مقابل ثقافة الاسترخاء المهين على رؤوس أقلام أو ألسن المرتهنين من الساسة أو الإعلاميين.
بفعل هذا يأخذ نصر غزة أبعاده وأمداءه، ويدفع بنو صهيون ثمن جرائمهم. في لحظة للحقيقة والتاريخ تؤكد أن كل قطرة من دماء أطفال غزة ستثمر سبع سنابل في كل سنبلة مائة شهيد يزيحون عن وجه الأرض المقدسة القسوة والظلم وعناقيد الثآليل.
__________
* مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية
أخبار الشرق – 28 كانون الثاني/ يناير 2009

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى