صفحات مختارةمحمد سيد رصاص

الماركسيون العرب والإسلام

null
محمد سيّد رصاص
لم يكن البعد الفلسفي في الماركسية هو المقرِر لسياسة الماركسيين العرب ـ منذ بداية نشوء الأحزاب الشيوعية في العالم العربي عام 1923 في مصر­ حيال الدين بشكل عام، والإسلام بشكل خاص، وإنما كانت حيثيات العمل السياسي، والإستراتيجيات والتكتيكات المرحلية، هي المحددة لذلك.
في هذا الإطار تجنب الماركسيون العرب الدخول في صدام مع المقدسات، ومع المحرمات، ولم يدخلوا في مواضيع مثيرة للرأي العام، أوللإعتقادات السائدة، كما فعل الليبراليون مثل علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” \1925\ لما شكك في المستندات الدينية للخلافة بعد عام من الغائها من قبل أتاتورك، أو طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي” \1926\ الذي أعطى رؤية شكيَة عن جوانب من التاريخ العربي، مبيناً، عبر طرق بحثية استخدمت منهج ديكارت، أسساً للشكوك في أن يكون الشعر الجاهلي قد نُظم فعلاً قبل الإسلام. على العكس من هذا، نجد الماركسيين يتجهون إلى تقديم سياسات تراعي البنى الإجتماعية والثقافية السائدة، من دون طرح قضايا فكرية تثير الجدل أوتصدم الرأي العام، مثل العلمانية أوالدخول في نقد فلسفي للدين وبناه المعتقدية، مع اتجاه عندهم إلى تقديم قيادات آتية إما من عائلات دينية (حسين محمد الشبيبي+سلام عادل”حسين أحمد الرضي”) بالعراق. أومن عائلات وجيهة اجتماعياً(خالد بكداش+يوسف فيصل)، كما أنهم ومع تقارب عبد الناصر والسوفييت، منذ عام1955، قد حرصوا على أن يكون في “منظمات السلم”، الرديفة لهم، أشخاص لهم مكانتهم مثل المجاهد السوري محمد الأشمر في ثورة 1925ضد الفرنسيين أو الشيخ عبد الله العلايلي.
بالمقابل فإن من دخل في صدام فلسفي مع الدين قد كان من بعض الداخلين حديثاً إلى الماركسية، بعد أن أتوا إليها من مواقع قومية إثر هزيمة 1967، مثل الدكتور صادق جلال العظم في كتابه “نقد الفكر الديني”الذي كان أقرب إلى أفكار مادية عصر الأنوار الفرنسي(ديدرو+ هولباخ) أكثر من قربه من نقد ماركس للدين.
على جانب آخر، نشأ جو فكري ـ سياسي، كحصيلة لإصطفافات الحرب الباردة سواء على ما أتى من بعدها الدولي أو على صعيد انعكاساتها عربياً لما وقف الإسلاميون الإخوانيون في صف الغرب وفي صف معادٍ لحلفاء موسكو العرب، ولدَ ـ أي هذا الجو ـ بالتزامن مع ذلك أو لاحقاً تنظيرات ماركسية جديدة تناولت الشأن الإسلامي: بدأ أحمد عباس صالح ذلك منذ النصف الأول للسبعينات، عبر كتابه “اليمين واليسار في الإسلام”، طارحاً طروحات تقول بـ”تقدمية” أبو ذر الغفاري والشيعة والقرامطة والزنج وبـ”رجعية” مخالفيهم، في اتجاه تبني أطروحة روجيه غارودي عام 1966 “من أن الجزائري ذا الثقافة الإسلامية يستطيع أن يصل إلى الإشتراكية العلمية من منطلقات أخرى غير سبل هيجل أوريكاردو أوسان سيمون، فقد كانت له هو الآخر اشتراكيته الطوبوية ممثلة في حركة القرامطة، وكان له ميراثه العقلاني والجدلي ممثلاً في ابن رشد، وكان له مبشر بالمادية التاريخية في شخص ابن خلدون” من كتابه “ماركسية القرن العشرين”، دار الآداب، بيروت 1968، ص 15، حتى وصل هذا الإتجاه إلى ذروته مع كتاب الدكتور حسين مروة “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”الصادر في عام 1978، الذي حاول فيه تطبيق نظرية فريدريك إنجلز حول (حزبية الفلسفة بين المثالية والمادية) على التاريخ والفكر الإسلاميين، حتى الوصول إلى حدود لم تكن فيها عبارة مهدي عامل عنه، عن “ذلك الشيوعي الشيعي” ببعيدة عن الواقع.
أتى كتاب الدكتور مروة في وقت كانت ثورة ايران مشتعلة في بحر عامي 1978ـ 1979، وقد حصلت آنذاك موجة فكرية ـ سياسية، شملت شيوعيي (وماركسيي) العالم العربي من القاهرة إلى بيروت ودمشق وصولاً إلى بغداد التي بدأ فيها الصدام بذلك العام (1978) بين الشيوعيين ونظام البعث الذي كان متوجساً من صعود الخميني، لتطرح تلك الموجة “ضرورة” التلاقي بين “الإسلام الثوري الآتي من طهران” والماركسية، حتى حدود وصلت بصحيفة الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) للقول بأنه “من مآثر مدرسة الخميني أنها لم تطرح برنامجاً يقوم على أساس ديني بحت بل طرحت بديلاً اجتماعياً وقومياً في إطار ديني ثوري”، “نضال الشعب”، العدد 206، آذار 1979، قبل أشهر قليلة من فتكه بماركسيي منظمة “فدائيي خلق” ثم بـ”حزب تودة”، وبالليبراليين والقوميين العرب والأكراد والأذربيجانيين والبلوش.
عزز هذا الإتجاه اصطفاف اسلاميي الحركة الإخوانية العالمية في صف “مجاهدي أفغانستان” الذين قاوموا، بالتحالف مع الغرب، النظام الشيوعي المحلي، منذ 27 نيسان 1978، والدبابات السوفيتية الغازية لأفغانستان \ منذ 27 كانون أول 1979\، لتأتي هذه التنظيرات الفكرية حول التاريخ الإسلامي، القائلة بـ”رجعية” الأكثرية وبـ”تقدمية” الأقليات الإسلامية، كحصيلة وكغلاف نظري للإصطفافات السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، وإن كان أيضاً لا يمكن عزلها عند الكثيرين عن محمولات اجتماعية وذهنية يحملها (من محيطه) المتحزب والمتأدلج العقائدي إلى حزبه واتجاهه الفكري السياسي، ليختلط الجانب الأول مع الثاني في نسب لكل منهما تكبر أو تصغر.
ما زال الكثير من هذا المسار التاريخي يلقي بترسباته الذهنية، وتصوراته وطريقة نظرته للأمور، عند الكثير من الماركسيين العرب المعاصرين في فترة ما بعد سقوط السوفييت، كما أن ذلك يلمس بسهولة عند الكثير من الليبراليين العرب الجدد، الذين أتى معظمهم من الماركسية في فترة ما بعد تحولات عام 1989، أثناء تناولهم للموضوع الإسلامي، حيث حملوا الكثير من أفكارهم هناك ونقلوها إلى موقعهم الليبرالي الجديد، مغيِّرين اللون فقط.
ألم يحن الوقت لكي يقوم كل تيار فكري ـ سياسي عربي بالنظر إلى نفسه عبر مرآة المراجعة، سواء التي تشمل كافة المواضيع، أو كل موضوع على حدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى