صفحات مختارة

المشروع النهضوي… والعدالة الاجتماعية

خالد الحروب
ربما يمكن القول إن مقاربة “العدالة الاجتماعية” في كتيب “المشروع النهضوي العربي” الذي يعكس الرؤية القومية لإحداث النهضة العربية هي أضعف ما يتضمنه هذا المشروع وأكثر فصوله ارتباكاً. ويمكن جزئيّاً تفهم هذا الضعف والارتباك من أكثر من زاوية. فمن ناحية نظرية بحتة شكلت فكرة “العدل” بكل تمثلاتها تحديّاً من أكبر التحديات التي واجهت البشرية والفكر الإنساني، الوضعي منه والديني. وظل هذا التحدي قائماً في وجه العالم المعاصر منذ عهد الاستنارة وحتى الآن. واحتل تحقيق العدالة الاجتماعية “يوتوبيا” الأيديولوجيات المتنوعة، من الاشتراكية وكل مدارسها ومباشرتها، إلى الليبرالية ودولة الرفاه الاجتماعي بكل تطبيقاتها والتفافاتها. وفي الكتابات المعاصرة تحدت عن فكرة تحقيق العدالة الاجتماعية كبار فلاسفة علوم الاجتماع والاقتصاد، من البريطاني جان ماينارد كينز منظر دولة الرفاه في الغرب، إلى الأميركي جون راولز في مؤلفه الشهير “في مفهوم العدالة”، وصولا إلى الهندي “أمارتيا سن”، مؤلف “حق التنمية” و”فكرة العدالة”، الذي حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عن كتاباته لمواجهة الفقر وتحقيق التنمية، وكذلك عشرات غيرهم.
والزاوية الثانية التي قد يُفهم من خلالها ضعف وارتباك مقاربة العدالة الاجتماعية في نص المشروع النهضوي هي فقر الأدبيات والفكر العربي لأطروحات مبدعة في هذا السياق، والفقر الأكبر للتجربة العربية إزاء تقديم تجارب ناجحة في المسألة الاجتماعية والتنموية بشكل عام. والتطبيقات العربية المختلفة، ومن دون توسع لا تتيحه هذه المساحة، فشلت في تقديم أي نموذج يقترب من النجاح في تحقيق العدالة الاجتماعية، وعلى رأس تلك التطبيقات ما ارتبط بالأنظمة القومية. والزاوية الثالثة التي أضعفت أطروحة العدالة الاجتماعية “النهضوية” هي حرص “المشروع” وصاغتُه على الخروج بنص “توفيقي” و”توسطي” بحيث لا يتم موضعة الرؤية القومية للعدالة الاجتماعية في أية خانة أيديولوجية. فهناك مسافة، وإن كانت خجولة، يحرص النص على أن يأخذها من الاشتراكية، مبتعداً عن ذكرها لفظاً بخلاف المشروعات القومية الفكرية السابقة التي كانت تتبنى الاشتراكية ونظرتها للعدالة الاجتماعية. ولكن تلك المسافة تتقلص كثيراً عند بروز نزعات الحنين الذي يبديه النص هنا وهناك للتجربة الناصرية (الاشتراكية). وهناك أيضاً مسافة وإن كانت أكبر بكثير يأخذها المشروع من الليبرالية وأطروحاتها، ولا يخفي معارضته لها وازدراءه لها. وهناك إشارة لـ”تفعيل دور صناديق الزكاة ومؤسسة الوقف”، بما لا يكرر إشارات التودد للإسلاميين في نص المشروع بمجمله، وهو ما يؤكد المحاولة التوفيقية التي انتهت بالمُقاربة في أرض شبه خلاء حيث تغلب التمنيات والعموميات و”الينبغيّات” على وجود أطروحة متماسكة بالفعل.
وفي الجانب الإيجابي من المهم القول إن الفكر القومي في مقاربته للاقتصاد أو للعدالة الاجتماعية قد قطع شوطاً مهمّاً في فك الارتباط بين أطروحاته الفكرية والالتزام بأيديولوجية اقتصادية صارمة. صحيح أن التغني بدور الدولة والقطاع العام يعكس حنيناً اشتراكيّاً خفيّاً، بيد أن ذلك الحنين يتوقف عند حدود معقولة ويتموضع في سياق غير اشتراكية مفتوحة على احتمالات أخرى. وعلى العموم فإن دور الدولة أعيد له الاعتبار حتى في أشد الاقتصادات الغربية الرأسمالية ترسخاً.
واقتراباً أكثر من التفاصيل فإن النص يقدم رؤية مثالية وطوباوية من الصعب تخيل تحقيقها، وتنطوي على الشيء ونقيضه لأنها تريد الوصول إلى كل شيء، ومن كل الزوايا. تبدأ المقاربة أولا بالدعوة إلى الابتعاد عن النظرة المثالية للعدالة الاجتماعية ونقد ما تطرحه الليبرالية في هذا الصدد، وتقول: “… توارت العدالة الاجتماعية مؤخراً في ظل تطبيق النموذج الاقتصادي الليبرالي، وأصبحت مطروحة لمجرد تصحيح أخطائه، فتصبح بذلك حامية لليبرالية ومسكناً للتمرد عليها، ولذلك فمن الأهمية بمكان أن نتعمق في خصائص النظم التي تفضي إلى تراجع «العدالة الاجتماعية» والممارسات المجتمعية التي تعزز هذا التراجع كي لا تكون نظرتنا إلى مسألة العدالة الاجتماعية نظرة مثالية”. والغريب أن النص يدين النظرة والممارسة الليبرالية إزاء العدالة الاجتماعية (وهي نظرة وممارسة غير مثالية) ثم يتبنى عمليّاً مقاربتها النظرية، أي التأكيد على ضرورة عدم النظر للعدالة الاجتماعية من منظور مثالي كما فعلت الشيوعية والاشتراكية مثلاً. وعلى رغم هذا التحذير الصريح الاستهلالي، والمهم، من قبل النص والدعوة إلى تفادي المثالية فإن ما يتلوه من نقاش يغرق في قلب المثاليات وأحلامها.
وأول تلك المثاليات يأتي في سياق نقاش “ملكية وسائل الإنتاج في منظومة العدالة الاجتماعية”، حيث يتم استدعاء إعلانات “ميثاق العمل الوطني” في مصر سنة 1961، والتي تقول: “إن سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، ولا تلغي الملكية الخاصة، ولا تمس حق الإرث الشرعي المترتب عليها… (ويمكن الوصول إلى ذلك بطريقتين): خلق قطاع عام قوي… ووجود قطاع خاص وطني يشارك في عملية التنمية”. فهنا يصعب أن تجد من يختلف على ضرورة تزاوج قطاع عام قوي، وخاص فعال يشارك في التنمية. ولكن المشكلة ليست في ما يتم الإعلان والتغني به، بل في التجربة التطبيقية وفي سؤال: “كيف”؟ وعوضاً عن الذهاب إلى النص النظري للتجربة الاشتراكية الناصرية فإن ما يفترض أن يكون أكثر إلحاحاً على منظري المشروع النهضوي العربي هو قراءة تلك التجربة من منظور نقدي، فتاريخها وإنجازها وفشلها أمامنا ويوفر لنا قياس الهدف المعلن على النتيجة التي انتهى إليها. والتجربة المصرية الناصرية لا يُعتد بها كنموذج تنموي حقق العدالة الاجتماعية، وهناك اختلافات شديدة في تقييمها.
ويُطالب النص بوضع “سقوف للملكيات الزراعية والعقارية، وحد أقصى لتمركز رؤوس الأموال الصناعية والتجارية والخدمية الخاصة… على أن يُطبق هذا المبدأ بقدر عالٍ من المرونة”. وهنا فإن السؤال المطروح: هل فعلا يعتقد صاغة المشروع بإمكانية تطبيق مثل هذه السياسة في عالم اليوم باقتصاداته وأسواقه المفتوحة؟ كيف ستكون ردات فعل رأس المال والقطاع الخاص الوطني الذي يُراد له أن يشارك في عملية التنمية؟ أليس في ذلك تخويف ودعوة واضحة لرأس المال ذاك كي يهرب إلى الخارج، وتخويف من ناحية ثانية للاستثمار الأجنبي كي يعزف عن القدوم إلى البلدان العربية؟ لقد فشلت هذه السياسات في معظم، إن لم يكن كل البلدان التي طبقت فيها حتى قبل حدوث الانفتاح الاقتصادي المعولم وسقوط الكثير من الحواجز المفروضة سابقاً على انتقال رؤوس الأموال، فماذا ستكون نتيجة مثل هذه السياسات في الوضع الراهن؟ ثم كيف يمكن البدء بها؟ فلنفرض أن المشروع النهضوي العربي تمكن من تطبيق نظرياته في العالم العربي، فماذا سوف يكون مستقبل الملكيات الزراعية والعقارية الكبيرة، ورؤوس الأموال الضخمة؟ هل سيتم تأميم جزء منها، أو معظمها مثلاً؟ وكيف ستصنف الرساميل الخارجية التي يملكها مواطنون يقيمون في دولة أو دول المشروع النهضوي؟ هل تعتبر أملاكاً خاضعة لقوانين التأميم أيضا، أم تُترك جانباً؟ وعن كل اختيار من هذه الاختيارات تتناسل بالطبع سلسلة من الأسئلة التي لا تنتهي، وهكذا.
الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى