الرئيسية » صفحات مختارة » الاستبداد والغرب: الحكاية نفسها دوماً

الاستبداد والغرب: الحكاية نفسها دوماً

null
ياسين الحاج صالح
العالم العربي ليس ضحية لا حول لها ولا طول على نحو ما تحرص على قوله نظم ومنظمات تعلن العداء للسياسة الأميركية. فأساس ثبات منوال السياسات الغربية والأميركية في المنطقة، هو تفضيل أطقم الحكم العربية تقييد مجتمعاتها وشلها ومنعها من أن يكون لها رأي في إدارة شؤونها العامة.
قد يبدو أن احتلال العراق كان كسراً لمنوال غربي ثابت في التعامل مع المشرق العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، منوال كان يمنح الأولوية لاستقرار تحرسه دكتاتوريات محلية يدعمها الغرب مقابل ضمان مصالحه، البترولية والاستراتيجية والإسرائيلية، حرصت الولايات المتحدة بالذات على وضع احتلال العراق في سياق القطع مع تلك السياسة التي عمرت 60 عاماً حسب الرئيس بوش في خطاب ألقاه عام 2003. السياسة الجديدة معنية بنشر الديمقراطية التي هي «خطة الله للإنسانية»، حسب الرئيس الأميركي نفسه في الخطاب نفسه. ولبعض الوقت، بدا أن الدول أخذت تصنف إلى ديمقراطية ودكتاتورية، بعد أن كانت تصنف إلى معتدلة «معنا» ومتطرفة «ضدنا»، إلا أن المركزية الأميركية ظلّت ثابتة عند التحول القصير العمر من ثنائية إلى أخرى، فرغم أنه لا يقال عن الدول التي توالي الأميركيين إنها ديمقراطية، فإن فرصة وصف دولة بأنها دكتاتورية أكبر بكثير إن كانت على خصومة مع السياسة الأميركية، هذا فضلا عن أن ثنائية ديمقراطية- دكتاتورية عمرت وقتاً وجيزاً، ربما لم يتجاوز 3 سنوات أو أربع، أي بين 11 سبتمبر 2001 وعام 2005، أو 2006 حين سجل الإسلاميون المصريون إنجازا انتخابياً لافتاً، وفازت «حماس» في انتخابات تشريعية في فلسطين، وتفجر الوضع العراقي بصورة كارثية.
لكن ما نريد المجادلة فيه هنا، هو أن غزو العراق ذاته وسياسة ما بعد سبتمبر الأميركية ذاتها يشكلان استمراراً عميقاً للسياسات الغربية طوال نحو 90 عاما في «الشرق الأوسط». وحتى الراية الإيديولوجية ليست جديدة، فلم ينقضِ يوم على سياسات التدخل الغربي من دون أن ترفع راية الحرية أو الديمقراطية أو الحضارة، هذا أشد ابتذالاً من أن يحتاج إلى إلحاح خاص. وجوهر السياسات هذه يتمثل في استتباع المنطقة ومنع استقلال دولها، قد تأخذ هذه السياسة شكلاً تدخلياً فظاً على نحو ما شهدنا في حربي 1956 و2003، أو شكل حرب بالوكالة تتولاها إسرائيل المسلحة حتى الأسنان كما في حرب 1967، أو في الأغلب شكل تفاهمات أمنية وعسكرية ودبلوماسية، لكن الثابت فيها هو التدويل العميق للمنطقة، وتعطيل الديناميات الداخلية فيها، فمستقبل أي من البلدان العربية، المشرقية بالخصوص لا يتقرر بفعل ديناميات ذاتية، بل بفعل ديناميات إقليمية ودولية «شرق أوسطية»، تحوز الولايات المتحدة دوراً مقرراً في توجيهها والتأثير عليها.
هذا التدويل مضاد للديمقراطية حتى لو جرى تحت راية الديمقراطية، فهو يعني منح دور حاسم في صنع حاضر ومستقبل المنطقة ودولها ومجتمعاتها لفاعلين غير منتخبين، مثل الإدارات الأميركية والحكومات الإسرائيلية والقوى الغربية الأخرى، نحن لا نشارك في انتخاب الرئيس الأميركي، رغم أن قراراته تؤثر تأثيراً لا مجال للمبالغة فيه في شؤون بلداننا. ولنسلم جدلاً بأن القرارات هذه توجهها أحسن النيات، إلا أن المعنيين بها لا يُستشارون عند اتخاذها، وحتى حين تتكشف لها آثار مدمرة على حيواتهم فإنه لا نفاذ لهم إلى آليات مراجعتها وإعادة النظر فيها وتصحيحها.
فإن كان من جديد في غزو العراق واحتلاله، فهو بالأحرى اتساع الفجوة بين النزعة الامبراطورية المضادة جوهرياً للديمقراطية وبين الراية الديمقراطية المرفوعة.
على أن العالم العربي ليس ضحية لا حول لها ولا طول على نحو ما تحرص على قوله نظم ومنظمات تعلن العداء للسياسة الأميركية. فأساس ثبات منوال السياسات الغربية والأميركية في المنطقة، هو تفضيل أطقم الحكم العربية تقييد مجتمعاتها وشلها ومنعها من أن يكون لها رأي في إدارة شؤونها العامة. وقبل أن نكون محرومين من النفاذ إلى آليات تصحيح ومراجعة السياسات الأميركية فإننا منزوعو التأثير في سياسات دولنا والحكومات الناطقة باسمنا. هذا يناسب الأميركيين لكنه ليس من صنعهم. وفي هذا لا تظهر الحكومات التي ترفع راية مقاومة الأميركيين أو ممانعتهم فرقاً عن غيرها، بل إن النظامين البعثيين في العراق وسورية احتلا بجدارة المرتبتين الأولى والثانية كأسوأ نظامين عربيين في مجال انتهاك حقوق مواطنيهما والحجر عليهم سياسياً، ومعلوم أن بلاغة النظامين عالية النبرة تجاه الغرب والأميركيين خصوصا، ولعلهما يحتلان المرتبتين الأولى والثانية في هذا المجال أيضا، هذا فضلا عن أن سجل أولهما تجاه الكويت والثاني تجاه لبنان ليس مما يمكن الدفاع عنه سواء على أرضية ديمقراطية، أو حتى على أرضية عروبية.
وما نريد الخلوص إليه هو أن إمكان تغيير منوال السياسات الغربية تجاه العالم العربي تقع أولاً وأساساً على عاتق الدول العربية، ومعها المجتمعات والنخب العربية، وبعد أكثر من خمس سنوات على احتلال العراق يبدو لنا أن ثمة خلاصتين أكيدتين. الأولى، إن نظم الحكم العربية، بما فيها تلك التي ترفع راية العداء للغرب، تفضل التفاهم مع القوى الغربية لتأمين ذاتها وإدامة حكمها على الانفتاح على مجتمعاتها، والثانية، إن التدخل الغربي، الأميركي خصوصاً دوماً، مناهض بنيويا للديمقراطية لأنه غير مسؤول أمام المجتمعات المتأثرة به، هذا حتى لو سلّمنا بأن النيات الدافعة إليه مثالية.
وما قد نرتبه على ذلك هو أن الديمقراطية الممكنة في مجتمعاتنا لا يمكن إلا أن تكون خصماً للدكتاتوريات المنشغلة أولاً وأخيراً بخلودها، كما للتدخلية الغربية المنشغلة أولاً وأخيراً بتفوقها المطلق والدائم.
ومن وجهة نظر السياسة العملية، فإن المخرج من هذا الوضع يتمثل في تحويل ديمقراطي لدولنا، أي في تحويلها من «دول خارجية» تغلق نخبها الملعب السياسي في مجتمعاتها وتلعب مع اللاعبين الدوليين والإقليميين، إلى «دول داخلية»، تتفوق تفاعلاتها وألعابها الداخلية على تفاعلاتها مع الخارج ولعبها معه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.