الرئيسية » صفحات الثقافة » صفحات أخرى » فصل من كتاب “الحرب الباردة الثقافية”

فصل من كتاب “الحرب الباردة الثقافية”

null
كيف استخدمت أجهزة المخابرات الأميركية الفنانين والكتاب والمثقفين في حربها الباردة ضد السوفيات؟
صدرت ترجمة “الحرب الباردة الثقافية” لفرانسيس سوندرز (عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة)، وقام بالترجمة طلعت الشايب، يكشف عن دور المخابرات المركزية الأميركية في عالم الفنون والآداب المركزية الأميركية في أنحاء شتى من العالم.
وقد آثار هذا الكتاب لدى صدوره ضجة كبرى، وكذلك بعد نقله الى العربية.
اخترنا فصلاً من الكتاب في حلقتين.
الإعلام الديموقراطي
كلما كنت فارساً بارزاً أقبض على درعي بثبات، ثم أنظر حولي متطلعاً الى هجمات وعمليات إنقاذ من وجار التنين وأصارع كل تنين هناك.
أ.أ.: ميلني (الفارس المدرع)
كان مؤتمر “والدورف” استوريا محبطاً ومهيناً لناصريه ومؤيديه من الشيوعيين، وكما قال أحد المراقبين فإنه كان “كابوساً دعائياً، وفشلاً ذريعاً لفكرة إمكانية تطعيم التقاليد التقدمية الأميركية بالمصالح الأيديولوجية لروسيا الستالينية”. كان الحزب الشيوعي الأميركي آنذاك في تراجع، وانخفض عدد أعضائه بشكل لم يسبق له مثيل، وتلطخت سمعته بشكل يصعب تغييره، وفي الوقت الذي بدأت فيه المزاعم بوجود مؤامرة شيوعية تقوى، بدأ خبراء الاستراتيجية والتخطيط لدى “ستالين nilatS” يديرون ظهورهم لأميركا، ويركزون بدلاً من ذلك على بسط نفوذهم وتحييد الأعداء في أوروبا.
حملة “الكومينفورم” التي كانت تهدف الى إقناع الناس في أوروبا بأن أقصى ما يسعى إليه الاتحاد السوفياتي هو “السلام”، هذه الحملة أضعفها الى حد بعيد حدثان مهمان في عام 1949: كانت هناك أولاً معاملة “ستالين nilatS” السيئة والقاسية للزعيم اليوغوسلافي الماريشال “تيتو otiT” الذي أدى رفضه للتضحية بالمصالح القومية من أجل تقوية السيطرة السوفياتية في البلقان الى جدل عنيف وهجوم متبادل بين “موسكو” و”بلغراد”. كان “ستالين” قد سحب المستشارين الاقتصاديين والعسكريين من يوغوسلافيا كجزء من حرب استنزاف لإضعاف تلك الوقفة المستقلة، وفي المقابل، بدأ “تيتو otiT” مفاوضات مع الغرب لتلقي قروض ومعونات “مشروع مارشال nalP llahsraM” لانعاش اقتصاده المصاب بالشلل. ترجمة “ستالين” الوحشية لمعنى “الشيوعية الدولية” أخمدت حماس رفاق المسيرة الأوروبيين الذين هرعوا للدفاع عن “تيتو”، وثانياً فإن عودة السوفيات للتعايش السلمي كذبها تفجير روسيا للقنبلة الذرية في شهر آب عام 1949.
وأخيراً بدأ الرد البريطاني على مزاعم الدعاية السوفياتية الزائفة يتشكل، كانت إدارة البحث الإعلامي “DRI” التي أنشأتها حكومة “كليمنت أتلي EELTTA TNEMELC” لمكافحة الشيوعية، في شباط 1948 هي أسرع أقسام وزارة الخارجية نمواً واتساعاً، وكما شرح “ارنست بيفن niveB tsenrE” وزير الخارجية ومهندس الـ”DRI” لا يمكننا أن نأمل في القضاء على الشيوعية بدحضها على أسس مادية فقط، إذ لا بد لنا من أن نضيف الميل الإيجابي للمبادئ الديموقراطية والمسيحية، وألا ننسى قوة المشاعر المسيحية في أوروبا. لا بد من أن نقدم ايديولوجية منافسة للشيوعية”.
كان ذلك بالفعل هو التحدي: فالحكومات الغربية لا يمكن أن تعتمد فقط على تشويه سمعة التجرية السوفياتية، بل كان من واجبها أن تقدم مستقبلاً بديلاً من أجل النظام الديموقراطي ـ الرأسمالي الذي كان التباهي به يفوق إنجازاته بمراحل، وكان الديبلوماسي الجاسوسي “روبرت بروس لوكهارت trahkcoL ecurB treboR” يقول: “الشيء الخطأ في العالم ليس هو قوة الشيوعية التي استطاع ستالين وشركاؤه أن ينحرفوا بها ويحولوها الى أداة للتوسع السلافي بطريقة كان يمكن أن تصدم “لينين” وإنما الخطأ هو الضعف الأخلاقي والروحي للعالم غير الشيوعي”.
وإغفال دور الحكومة البريطانية في صنع صورة جيدة لستالين في فترة التحالف أثناء الحرب، هو إغفال لإحدى الحقائق الأساسية في الحرب الباردة؛ لأن التحالف بين العالم الحر وروسيا ضد النازية كان هو اللحظة الفارقة التي بدأ فيها التاريخ نفسه يتواطأ في وهم أن الشيوعية كانت جيدة من الناحية السياسية، وكانت المشكلة التي تواجه الحكومة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية هي كيف تبدأ في تعرية الأكاذيب التي نسجتها بأسلوب منظم، أو كانت تدافع عنها في السنوات السابقة.
وكما يقول “آدم واطسون nostaW madA” (وهو ديبلوماسي ثانوي جُند ليكون نائباً لرئيس الـDRI): “لقد صنعنا هذا الرجل أثناء الحرب بالرغم من أننا كنا نعلم أنه فظيع، وذلك لأنه كان حليفاً. والآن أصبح السؤال هو: كيف يمكننا التخلص من أسطورة العم جو (أي ستالين) العجوز الطيب. التي صنعناها أثناء الحرب؟ كان كثير من الكتاب والمفكرين البريطانيين قد عملوا لحساب الحكومة في إدارات وأقسام الدعاية أثناء الحرب. والآن أصبح مطلوباً منهم أن يحرروا الجمهور البريطاني من تلك الأكاذيب التي صاغوها وعملوا ببراعة كي يحافظوا عليها.
وزارة سرية
وبالرغم من اسمها العادي الذي لا يحمل أي شبهة إلا أن إدارة البحث الإعلامي “DRI” كانت بمثابة وزارة سرية للحرب الباردة، كانت ميزانيتها سرية (حتى تتفادى مناقشة أنشطتها التي ربما تكون سرية أو شبه سرية) وكان هدفها هو “انتاج وتوزيع ونشر دعاية لا يمكن أن تنسب اليها حسب وصف “كريستوفر وودهاوس esuohdooW rehpotsirhC” الشهير بـ”مونتي ytnoM” الجاسوس الذي عين بالإدارة في عام 1953. وعملاً بنظرية “قطرة قطرة” كانت الـ”DRI” تقوم بإعداد تقارير “حقيقية” عن كافة الموضوعات لتوزيعها على أعضاء أجهزة المخابرات البريطانية الذين سيعيدون استخدامها في عملهم، كان أحد الملامح الرئيسية والمميزة لهذا الأسلوب هو أن يكون ذلك العمل من المستحيل نسبته الى الوزارة حتى يمكن تحقيق أمرين متناقضين: تحقيق أوسع انتشار ممكن للمادة التي تقدمها الـ”DRI” وفي الوقت نفسه حماية دعاية مضادة للشيوعية مصدق عليها رسمياً ومدعومة سراً ولا يعرف عنها الجمهور شيئاً. وكما كتب “رالف موراي yarruM hplaR” أول رئيس للـ”DRI”: “من المهم ألا نثير انطباعاً عاماً في المملكة المتحدة أو في الخارج بأن وزارة الخارجية تنظم حملة معادية للشيوعية، إن ذلك من شأنه أن يغضب أو يحرج عدداً من الأفراد الذين لديهم استعداد لتقديم عون مفيد لنا، إذا نحن عرضناهم للاتهام بأنهم يتلقون معلومات معادية للشيوعية عن طريق كيان شرير في وزارة الخارجية يقوم بفبركة دعاية موجهة ضد الاتحاد السوفياتي”.
وفيما بعد شرح “آدم واطسون nostaW madA” ذلك بقوله: “عندما تؤسس عملك على تقديم حقائق يكون من الصعب دحضها، ولكن الأمر يختلف إذا كنت تقدم مجرد دعاية”. وذلك بخصوص كشف تلك الجوانب من الحقيقة، الجوانب الأكثر فائدة بالنسبة لك، كان ذلك في الممارسة العملية معناه: بالرغم من أن الهدف من الـ”DRI” هو الهجوم على كل من مبادئ وممارسات الشيوعية، وكذلك عدم الكفاءة والظلم والضعف الأخلاقي للرأسمالية الجامحة، إلا أنه لم يكن مسموحاً لها (الـ DRI) بأن تهاجم، أو بأن تبدو كأنها تهاجم أي دولة عضو في “الكومنولث.. ولا الولايات المتحدة”.
فكرة إخضاع الحقيقة لمثل تلك المقتضيات كانت تسلية لـ”نويل كاوارد drawoC l?oN”، الذي كان في فترة عمله القصيرة كضابط مخابرات يضع على الوثائق التي تحمل ختم “سري جداً”… عبارة “صادق جداً!”.
كويستلر
كان الكاتب “آرثر كويستلر reltseoK ruhtrA” المجري المولد، واحداً من أهم المستشارين الأوائل لـ)DRI( بتوجيهاته وتحت إشرافه أدركت الإدارة فائدة إيواء أولئك الناس والمؤسسات الذين كانوا يرون أنهم بحكم السياسة اليسارية كانوا في موقع المعارضة بالنسبة لمركز السلطة. كان الهدف من ذلك الإيواء له شقان: الأول هو تحقيق تقارب من الجماعات “التقدمية” للتمكين من مراقبة أنشطتها، والثاني: إضعاف تأثير تلك الجماعات وذلك عن طريق السيطرة عليها من الداخل أو بجر أعضائها الى منبر موازٍ وأقل ثورية. قبل مرور وقت طويل كان “كويستلر” نفسه قد بدأ يفيد من حملات الدعاية. كتابه “الظلام وقت الظهيرة” والذي كان تصويره للفظائع السوفياتية بمثابة أوراق اعتماده عدواً للشيوعية، هذا الكتاب يوزع في ألمانيا تحت رعاية الـ)DRI( وبصفقة تم عقدها مع “هاميش هاميلتون notlimaH hsimaH” مدير دار النشر التي تحمل الاسم نفسه (وكان هو نفسه وثيق الصلة بأجهزة المخابرات)، اشترت وزارة الخارجية خمسين ألف نسخة من كتاب “كويستلر” وقامت بتوزيعها عام 1948، والمثير للسخرية أن الحزب الشيوعي الفرنسي كان لديه في الوقت نفسه أوامر بشراء أي نسخة (من الكتاب) على الفور، وكان يتم شراؤها كلها، ولم يكن هناك أي سبب لإيقاف طباعته، وهكذا كان “كويستلر reltseoK” يثرى بشكل غير مباشر نتيجة دعم الحزب الشيوعي الفرنسي.
لم يكن “كويستلر reltseoK” مستشاراً فقط لحملة دعاية وزارة الخارجية. في شهر شباط 1948 انطلق الى الولايات المتحدة في جولة لإلقاء محاضرات، وفي شهر آذار التقى و”وليم دونوان navonoD mailliW” الشهير بـ”بيل” الشرس في منزل الجنرال في “نيويورك” ـ ساتون بليس ـ. “دونوان navonoD” الذي كان مديراً لجهاز المخابرات الأميركي أثناء الحرب، ثم أصبح واحداً من أهم مهندسي ومخططي وكالة المخابرات المركزية )AIC( التي أنشئت حديثاً. كان عضواً أساسياً في نخبة المخابرات والسياسة الخارجية الأميركية، كان على مدى حياته معادياً للشيوعية، وظل يقظاً لذلك حتى لحظة وفاته في عام 1959 عندما أبلغ عن اكتشاف وجود قوات روسية تسير في “مانهاتن” عبر جسر “شارع 59″، بينما كان يطل من نافذة منزله. أما “كويستلر” الذي كان قبل ذلك أحد العقول التي تقف خلف شبكة المؤسسات العلنية التي كانت تعمل كواجهة لشبكة الاتحاد السوفياتي قبل الحرب (كانت تعرف بـ”اتحاد شركات منزنبيرج grebneznuM” على اسم مديرها) كان “كويستلر” يعرف أكثر من الجميع كيف كانت آلة الدعاية السوفياتية تعمل من الداخل. قبل مغادته الى الولايات المتحدة بوقت قصير كان “كويستلر reltseoK” قد التقى و”أندريه مالرو xuarlaM ?rdnA” لمناقشة أفضل السبل لمواجهة هجوم “السلام” الذي يقوم به “الكومينفورم mrofnimoC”، وبالمصادفة كان “كويستلر reltseoK” قد التقى على سفينة وهو في طريقه الى أميركا، “جون فوستر دالاس ـ selluD retsoF nhoJ” شقيق “آلان دالاس selluD nellA” الذي سيصبح وزيراً للخارجية فيما بعد. ناقش الاثنان معاً المشكلة ذاتها. والآن، كان “كويستلر” يجلس مع “وليم دونوان navonoD mailliW” ليناقشا كيفية مواجهة الدعاية السوفياتية. دوّن “كويستلر reltseoK” في مفكرته: “ناقشنا الحاجة الى حرب نفسية”، ثم أضاف أن “دونوان navonoD” كان يتمتع “بعقلية من الطراز الأول” ذلك اللقاء بينهما لا ينبغي التقليل من أهميته.
كان “آرثر كويستلر” ابناً لطبقة متوسطة من “بودابست” حيث ولد عام 1905، وبعد تحول ديني انضم الى الحزب الشيوعي في أوائل الثلاثينات، كتب فيما بعد يقول إن قراءته لـ”ماركس وانجلز” كان لها “الأثر المسكر للتحرر المباشر”. في سنة 1932 ذهب الى روسيا وألّف كتاب دعاية بتمويل من الدولية الشيوعية )lanoitanretnI tsinummoC( بعنوان “ليال بيضاء وأيام حمراء”، وهناك وقع بجنون في حب موظفة اسمها “ناديجدا سميرنوا avonrimS adhsedaN” أمضى معها أسبوعاً أو أسبوعين، ثم وشى بها للشرطة السرية بسبب أمر تافه.. فلم يسمع أحد عنها شيئاً بعد ذلك، وبعد انتصار “هتلر” في ألمانيا لحق “كويستلر” باللاجئين الألمان في “باريس” حيث عمل مع “فيلي منزنبيرج grebneznuM eilliW”، وفي عام 1936 ذهب الى اسبانيا ربما من أجل التجسس لحساب “منزنبيرج grebneznuM”.
اعتقل كسجين سياسي ولكنه أنقذ عندما تدخلت الحكومة البريطانية بعد جهود مكثفة من زوجته الأولى “دوروثي آشر rehsA yhtoroD”، وبحلول عام 1938 كان قد استقال من الحزب الشيوعي بعد استيائه الشديد من عمليات القبض الجماعي والمحاكمات الصورية التي قام بها “ستالين nilatS” لكنه كان لا يزال على إيمانه باليوتوبيا البلشفية. وعندما ارتفع الصليب المعقوف في مطار موسكو تحية لوصول “ريبنتروب portnebbiR” للتوقيع على معاهدة “هتلر ستالين”، وعندما عزفت فرقة موسيقى الجيش الأحمر أغنية “هورست ايسل لايد deiL lesseW tsroH” تخلى عن ذلك تماماً. أثناء اعتقاله في فرنسا وقت الحرب كتب “الظلام وقت الظهيرة”، وهو عرض تسجيلي للمظالم والتعسفات التي ارتكبت باسم الأيديولوجية، وسرعان ما أصبح الكتاب واحداً من أكثر الكتب تأثيراً على المرحلة، بعد إطلاقه اتجه الى انكلترا (عن طريق الجيش الفرنسي الخارجي) وهناك التحق بالفيلق الريادي، وذلك بعد فترة اعتقال أخرى. بعد ذلك التحق بوزارة الإعلام ليعمل في الدعاية المضادة للنازية، وهي الوظيفة التي ساعدته على الحصول على الجنسية البريطانية.
المفتونون باليسار
كان الهدف من جولة المحاضرات الأميركية في عام 1948 هو تحرير المعتقلين أو “المفتونين باليسار” من أوهامهم ومن مغالطاتهم التي كانت لا تزال مسيطرة على أفكارهم، كان يحض المثقفين الأميركيين على نبذ ثوريتهم الصبيانية، وأن يندمجوا في تعاون مع بنية السلطة: “إن واجب المثقفين التقدميين في بلادكم هو مساعدة بقية الأمة على مواجهة مسؤولياتها الجسام، لقد مضى زمن الخلافات والصراعات الطائفية في عالم الراديكالية المجردة التي تنتمي للماضي، وحان وقت نمو الثوري الأميركي. وهكذا كان “كويستلر” يدعو الى مرحلة جديدة للعمل يكون واجب المثقفين فيها هو تبرير الجهد الوطني وتجنب الانعزال أو الابتعاد الذي كان ينطوي على مفارقة تاريخية، بعد ذلك كان “جان بول سارتر ertraS luaP-naeJ” يعلن: “حيث ان الكاتب لا يمكنه أن يهرب، فنحن نريده أن يقبض على زمنه بثبات، إنها فرصته الوحيدة، خُلقت له وهو لها”. و”هدفنا هو العمل معاً لإحداث تغيرات معينة في المجتمع الذي يحيط بنا”. لم تكن طبيعة الالتزام هي الفرق الوحيد بين “سارتر” و”كويستلر reltseoK” وإنما موضوعه. إذ بينما ظل “سارتر” معارضاً تماماً، وبشدة، للمؤسسات الحكومية كوسطاء للحقيقة أو العقل كان “كويستلر” يحض رفاقه على مساعدة نخبة السلطة من أجل القيام بوظيفتها في الحكم.
بعد لقائه بـ”دونوان navonoD” في “نيويورك” بوقت قصير سافر “كويستلر ـ reltseoK” الى “واشنطن” حيث حضر عدداً من المؤتمرات الصحافية وحفلات الاستقبال والغداء والعشاء، وعن طريق “جيمس بيرنهام mahnruB semaG” وهو مثقف أميركي انتقل من الراديكالية الى مؤسسات السلطة بسرعة مدهشة ـ تم تقديم “كويستلر reltseoK” الى العشرات من المسؤولين في مؤسسات الدولة ومساعدي الرئاسة والصحافيين والنقابات والاتحادات العمالية، كانت وكالة (المخابرات الأميركية )AIC( على نحو خاص مهتمة بـ”كويستلر”. كان أمامهم شخص لديه ما يقوله لهم.
كانت الوكالة منذ فترة تستهويها فكرة ما: هل هناك من هو أفضل من الشيوعيين السابقين لمكافحة الشيوعية؟ وبالتشاور مع “كويستلر” بدأت تلك الفكرة تتجسد، كان من رأيه أن تدمير الأساطير والخرافات الشيوعية يمكن أن يتحقق فقط عن طريق تعبئة أولئك اليساريين من غير الشيوعيين في حملة واسعة للإقناع، كان الذين يقصدهم “كويستلر reltseoK” من جماعة اليسار غير الشيوعي ـ يعملون في وزارة الخارجية ودوائر المخابرات، وعن طريق ما يصفه “آرثر شليزنجر regniselhcS ruhtrA” بـ”الثورة الهادئة” أصبحت العناصر الحكومية تفهم وتؤيد أفكار أولئك المثقفين الذين ضللتهم الشيوعية وإن كانوا لا يزالون مؤمنين بمبادئ الاشتراكية.
وبالفعل سوف تصبح استراتيجية تقوية “اليسار غير الشيوعي” هي “الأساس النظري للعمليات السياسية لوكالة المخابرات المركزية )AIC( ضد الشيوعية على مدى العقدين التاليين”. أما الأساس المنطقي لهذه الاستراتيجية التي حققت فيها الوكالة تقارباً ـ وربما تطابقاً ـ مع المثقفين اليساريين، هذا الأساس المنطقي يقدمه “شليزنجر regniselhcS” في كتابه “الوسيط الحيوي”، وهو أحد ثلاثة كتب كانت تشتمل على بذور التطورات المستقبلية ظهرت في عام 1949 (الكتابان الآخران هما: “الإله الذي فشل” ورواية “1984” لـ”جورج أورويل llewrO egroeG”)، أوضح “شليزنجر regniselhcS” مسار اضمحلال اليسار وشلله الأخلاقي الخطير في أعقاب ثورة 1917 الفاسدة، وتتبع تطور “اليسار غير الشيوعي” لكي يكون الراية التي تتجمع خلفها الجماعات التي تناضل من أجل الحصول على مساحة للحرية.
في إطار هذه الجماعة كان المطلوب أن يتحقق “استعادة العصب الراديكالي” بحيث لا يبقى أي مصباح في نافذة الشيوعيين”، وكان “شليزنجر regniselhcS” يقول: أن حركة المقاومة الجديدة تلك كانت في حاجة الى “قاعدة مستقلة تعمل منها، وهي تتطلب سرية وتمويلاً ووقتاً ومطبوعات صحافية وجازولين وحرية تعبير وحرية اجتماع، وتحرراً من الخوف”.
الافتراض النظري
أما الافتراض النظري الذي شجع ودفع كل هذه التعبئة لليسار غير الشيوعي، فكان مدعوماً بشدة من “شيب بوهلن nelhoB pihC” و”إسيا برلين nilreB haiasI” و”نيكولاس نابوكو vokobaN salociN” و”آريل هاريمان namirraH llerevA” و”جورج كينان nanneK egroeG” كما ذكر “شليزنجر regniselhcS” فيما بعد: “كنا نشعر جميعاً بأن الاشتراكية الديموقراطية هي الحصن المنيع” ضد الشمولية، وأصبح ذلك تياراً تحتياً ـ وربما سرياً ـ في السياسة الخارجية الأميركية أثناء تلك المرحلة”. هكذا أصبح الاسم المختصر tfeL tsinummoC-noN LCN (اليسار غير الشيوعي) مسمى شائعاً في لغة الدواوين الحكومية في واشنطن بل إنه ـ كما ذكر أحد المؤرخين ـ “كان رمزاً لجماعة تحمل بطاقة تعريف معينة”.
هذه الجماعة التي تحمل بطاقة التعريف المعيّنة اجتمعت لأول مرة تحت غطاء “الإله الذي فشل”، وهي مجموعة مقالات تشهد على سقوط الفكرة الشيوعية، كان “آرثر كويستلر reltseoK ruhtrA” هو الروح الباعثة وراء الكتاب بعد أن عاد الى “لندن” في حالة من النشاط والاستثارة على أثر مناقشاته مع “وليم دونوان navonoD nailliW” وغيره من واضعي استراتيجية المخابرات الأميركية. والتاريخ اللاحق لنشره يعتبر علامة على التعاقد بين اليسار غير الشيوعي و”الممول الخفي” في الحكومة الأميركية. وبحلول صيف 1948 كان “كويستلر reltseoK” قد ناقش الفكرة مع “ريتشارد كروسمان namssorC drahciR” رئيس القسم الألماني في هيئة الحرب النفسية أثناء الحرب، وكان “كروسمان namssorC” هذا يوصف ذات يوم بأنه “بلا مبادئ وشديد الطموح” وبأنه شخص يمكن أن “يتسلق جثة أمه لكي يصعد درجة”. في كتابه: “أفلاطون اليوم” 1937 ـ يتساءل الراوي ما إذا كانت الديموقراطية البرلمانية في جوهرها ليست سوى “كذبة كبرى، أم لا، ولوحة ذات طلاء جذاب تختفي وراءها الحكومة وآلة الدولة”. والشيء نفسه يمكن أن نقوله عن كتاب “الإله الذي فشل”.
المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.