سمر يزبكصفحات ثقافية

يوم ممطر آخر

null
سمر يزبك
منذ سنوات، قام بعض الأذكياء من صناع الدراما السورية، بتحويل النكات السياسية المحظورة في الشارع إلى مسلسلات، فدخلت الدراما مرحلة مختلفة بعد سنوات طويلة من الجمود، اعتمدت فيها على الهروب إلى التاريخ حيناً، والتهويم في عوالم فانتازية تستبعد المكان السوري حيناً آخر.
لاقت موجة المسلسلات الجديدة هذه رواجاً شعبياً، ليس في سورية فحسب، وإنما في العالم العربي كله، كما حدث في السلسلة المعروفة «بقعة ضوء»، لكن جرعة الجرأة التي تحدث عنها الكثير من النقاد والصحافيين، بسبب خوضها في مواضيع كان المواطن يخشاها، حافظت على مستوى لا يتعدى إثارة الضحكات، والتنفيس من خلال هذه الفرجة اليومية، التي تلامس السطوح ولا تغوص في أعماق القضايا.
وبقيت الجرأة تراوح ضمن هذه العوالم السياسية المبتورة، التي لا تقدم ولا تؤخر، حتى ظهر بعض الأعمال التي ابتعدت عن الشعارات والخطابات، واستبدلتها بالحكاية، التي تعنى بتفاصيل الحياة اليومية للبشر، وتحاول التغيير في العمق الاجتماعي، بدلاً من مسلسلات الشعار السياسي الفج والمحسوب في آن معاً.
«يوم ممطر آخر» مسلسل سوري من هذا النوع الذي اختار الحفر العميق في المجتمع، عرضته قناة «دبي» اخيراً، وتعرضه حالياً قناة «ام بي سي» من إخراج رشا شربتجي، وتأليف يم مشهدي، وهو العمل الثاني للكاتبة بعد مسلسل «وشاء الهوى».
اللافت في «يوم ممطر آخر» ليس حجم الجرأة التي تعالج بها الكاتبة حيوات شريحة واسعة من الشباب السوري، بل المنجز الكبير في مجال المعالجة الدرامية، في الحديث عن الزواج بين شباب وشابات ينتمون لأديان مختلفة، والثمن الذي يدفعونه جراء قيامهم بهذا الاختراق.
هذه هي أحدى أهم المشكلات التي حفرتها الكاتبة بعمق وبساطة في بينة النص، فالمشكلة كما عرضتها ليست دينية فقط، بل ترتبط بكل ما يعاني منه المجتمع السوري كالهجرة من الريف إلى المدينة، واختلاف العادات بين المناطق.
هناك مسلسلات سبقت «يوم ممطر آخر» في تناول  المشكلات التي يعاني منها شباب يعيشون ضمن مجتمعات متنوعة دينياً، لكنها تناولتها في شكل عابر وسطحي. واعتمدت معالجتها الجانب السلبي، حيث ركزت بالغالب على  خوف أحد الأطراف من دخول التجربة.
هنا المعالجة أوسع وتعنى بتفاصيل لها علاقة بالقانون والعائلة، وحكم المجتمع والشارع، ما يضعنا في النهاية وجهاً لوجه أمام موضوعة الحب، الذي يقف عاجزاً أمام تحديات أكبر منه.
تقدم الحكاية مساءلة، تدعو للتفكير جدياً حول ضرورة التقدم نحو قيم مختلفة وعادات أكثر مدنية وتطوراً، وهو أمر رغم محاولاتها الكثيرة، نادراً ما أفلحت الدراما السورية في تقديمه.
في «يوم ممطر آخر» تتحدث الشخصيات بلغة واضحة، وتعرض المشكلة ضمن واقعها الأكثر صدقاً، فيطل المشاهد على الشاشة، وكأنه يشاهد احد أبواب الجيران المواربة، ويسمع صراخهم حول مشكلات يلمسها من حوله، ولا يحس ان الامر مجرد مناوشة في السياسة هدفها دغدغة مشاعره وتنفيس غضبه في احسن الاحوال.
الحياة     – 30/07/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى