صفحات مختارة

الترجَمة وَالإنسَان

أنطون المقدسي
الترجمة في معركة التحدي الحضاري:‏
الترجمة هي اليوم في نقطة المحور من اهتمامات الدول المتقدمة، فالتواصل المعمم والاتصالات المتزايدة والمتسارعة بين شعوب العالم وأممه، أقطاره ودوله، جعلت العالم يتوحد رغم الصراعات والحروب المحلية المستمرة منذ بعيد الحرب العالمية الثانية إلى أيامنا وإلى ما شاء الله، على ما يبدو، وبسبب من هذه الحروب والصراعات ومن الوسائل الأرسخ والأصح بين الشعوب، الترجمة، وتستخدمها الدول المتقدمة لأغراض كثيرة منها ما هو مفيد (سوسيولوجيا الثقافات مثلاً) ومنها ما هو بالغ الإساءة أقصد أحكام سيطرتها على الشعوب الضعيفة. بعكس هذه الأخيرة التي تستخدم الترجمة عن لغات الأمم المتقدمة وثقافاتها هي وجملة وسائل أخرى، عساها تكتشف طريقها الخاص إلى التقدم والنمو.‏
ولقد لاحظت، أثناء وجودي في مديرية التأليف والترجمة بوزارة الثقافة السورية طوال ربع قرن، أن القارئ العربي يؤثر النص المترجم على النص المؤلف، ويؤثر في النصوص المترجمة تلك التي تعالج مشكلات العالم الراهن، السياسية منها والاقتصادية، العلمية والاجتماعية فالمؤسف حقاً هو أن حكومات الدول العربي تتصرف على العموم وكأنها تنظر بإزدراء إلى الترجمة فهي فعالية من الدرجة الثانية بالقياس إلى التأليف، وكذلك إلى المترجم، فعمله يكاد يكون آلياً في نظر بعض المسؤولين، ولكن هل شجعت هذه الحكومات المؤلفين؟…‏
الواقع المأسوي حقاً هو أن الثقافة بكل أنواعها تأتي في الدرجة الأدنى من سلم اهتمامات الحاكم العربي. ولا تخدعنك بلاغة الحاكم العربي المفتعلة عند كلامه عن الثقافة، فهي ضرب من ضروب الهروب في مواجهة مشكلة صارت مع الزمن مستعصية على الحل. وينسون أن الثقافة هي تكوين الإنسان وأنه إذا ضعف الإنسان أو غاب تهافتت الفعاليات الاجتماعية الأخرى سواء منها السياسية والاقتصادية.. وحتى الدفاعية.‏
فمن فضائل اتحاد الكتاب العرب في سوريا أنه أنشأ بين جمعياته العديدة ـ جمعية للترجمة ـ جعل بواسطتها القطر عضواً في الاتحاد العالمي للمترجمي. وتوضع جمعية الترجمة هذه من حيث نشاطها وإنتاجها، في الطليعة من جمعيات الاتحاد الأخرى، فقد أصدرت حتى الآن، ورغم أن عمرها لم يتجاوز السنتين، ملفين عن الترجمة في مجلة الموقف الأدبي.‏
وعقدت، شتاء العام الحالي في المركز الثقافي العربي بدمشق ندوة مفتوحة ألقيت فيها بحوث عن مشكلات الترجمة ونوقشت بإخلاص وعقلانية والمكتوب من هذه البحوث منشور في الملف الذي نحن بصدده أما الشفوي فتلخيصه كاف ليعطي فكرة عامة عنه.‏
وعندما تعجز الحكومة عن تلبية حاجة ملحة من حاجات المواطن أو تقصر، يحل محلها التاجر، فالشطر الأكبر من الكتب المترجمة عندنا اليوم كما في الأمس القريب والبعيد على ما يبدو من إنتاج دور نشر خاصة العدد الأكبر منها والأكثر إنتاجاً في لبنان. ولقد كان من الممكن أن تكون الفائدة من هذه الترجمات أضعاف ما هي عليه لو وجهت برفق فتجنبت المحاذير التي تتعرض لها في العديد من الحالات، وأهمها سوء الانتقاء وسوء الترجمة.‏
كان أول من انتبه عندنا في المرحلة التاريخية الراهنة، إلى دور الترجمة في تكوين المواطن العربي هو الطهطاوي على أثر عودته عام 1930 من مرافقة أول بعثة أرسلها محمد علي باشا للدراسة. فترجم هو من الكتب ما اعتقد أنه ضروري للتدريس في الجامعة وأسس دار الألسن للتخصص في اللغات الأجنبية والترجمة عنها وإليها. والمعهد الجامعي هذا ما يزال حتى اليوم فعالاً منتجاً، ويبدو من كتابات الطهطاوي وغيره من رواد نهضتنا الأوائل اعتقادهم أن نقل ما نحن بحاجة إليه من الحضارة العربية سينجز في غضون سنوات معدودة، ولكن صرنا نرى، مع توثق علاقتنا بالغرب، أن الطريق إلى الحضارة الحديثة تتباعد كلما توغلنا فيها، واليوم ومع توغلنا في معرفة منجزات الثورة العلمية ـ التقنية، نجد أنفسنا مذهولين حائرين في مواجهة هذا التراكم الحضاري ـ الثقافي الذي تحقق بمعزل عنا. فبين النهضة الغربية وعصر الأنوار فالثورة الفرنسية، بين الثورة الصناعية الأولى والثانية المعروفة باسم الثورة العلمية ـ التقنية، تمت الانقلابات الاجتماعية ـ الثقافية الكبرى التي تقوم عليها الحداثة العالمية: العلم مع غاليله الفلسفة مع ديكارت مفهوم التقدم والانقلاب الطبقي الكبير مع عصر الأنوار فبداية الدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي وسيطرة ـ البروجوازية على مقدرات العالم مع الثورة الفرنسية والثورة الصناعية وأخيراً المنجزات التقنية الهائلة الراهنة التي جعلتنا حضارياً وثقافياً مستهلكين بعد أن كنا منتجين.‏
ذلكم هو التحدي الحضاري الكبير الذي علينا أن نواجهه اليوم بجرأة وإخلاص. ولكم هو الإطار الذي علينا أن نضع في فسحته الترجمة كي نفهم مشكلاتها ونتفاهم معها.‏
وما الترجمة إلا سبيل من جملة سبل أخرى مفتوحة أمامنا إلى الحداثة وتراثها من هذه السبل التلخيص والاقتباس، الدراسة الاجتماعية والعلمية، التاريخية والأدبية… ومنها أيضاً الاتصال المباشر بفهم لغات الحضارة الحديثة وبالدرجة الأولى الممارسة الطويلة أي الحياة المستمرة مع الآلة المتطورة وفكرها استخداماً وإنتاجاً أو في البحث العلمي.‏
ورب سائل يسال: أتبقي السبل هذه، على الخصوص المباشرة منها، مجالاً ما للترجمة؟‏
هذه السبل متكاملة بعضها مع البعض ولكل منها دور من حيث المبدأ، ومن ثم فإن للترجمة مجالاً واسعاً جداً لا تنوب منابها فيه أية وسيلة أخرى حتى ولا التأليف المتكامل معها. وهذا ما يتضح لنا من الجواب عن سؤال: ما الترجمة‌!؟.‏
الترجمة فعل، وهذا الفعل علمي وفني.‏
فعل، بمعنى أن له فعالية مبدعة خاصة بها، وهذا الفعل يتسم بسمتين متكاملتين العلمية والموضوعية تظهران في دقة النقل أو في الأمانة شبه الكاملة للنص الأصلي.‏
وهذا الفعل فني، إذ أن النقل من لغة إلى لغة هو نقل نص من فسحة تاريخية ـ اجتماعية ـ أدبية إلى أخرى مختلفة جذرياً عن الأولى، وهذا يحتاج إلى حساسية وذوق خاصين تمكنا المترجم من أن يعيش هنا وهناك بحيث يرى نقاط التقارب بين الفسحتين (العلمية) ونقاط التباعد، والرؤية المزدوجة هذه للتاريخين وفي كل تاريخ نقاط التقارب والتباعد هي التي تمكن المترجم من أن يجعل الآخر يتقمص شخصيته وينطق من موقعه وتلك هي فنية الترجمة. فإن يشدد المترجم في النص المترجم على هذه العبارة لا تلك كما في النص الأصلي، على هذه الكلمة لا تلك، لا على هذا المقطع من كلمة لا على ذاك، فإنه يجمع معنى النص على شكل هو الذي كان للنص الأصلي وغيره.‏
وإذا كان ثمة مشروع ترجمة عربي سيحدد وينفذ يوماً ـ إن شاء الله ـ فإن تجعل الحداثة وتراثها ينطقان من موقع عربي، وذلكم هو التعريب.‏
أهو قصور اللغة أم قصور الذي يتكلمها:‏
الترجمة بتعبير آخر حوار بيني وبين الآخر. ولكنه هذه المرة ليس مع الأسف متكافئ الأطراف، كما أن يكون عليه في الحوار العادي أو الطبيعي. فأنا أو بسبب من قصوري الحضاري لست في وضع اجتماعي ـ حضاري مريح يمكنني من أن أعطي بمقدار ما آخذ أو أن أفعل بمقدار ما أن أنفعل.. ومع ذلك علي أن أواصل الحوار بالترجمة وبغيرها من الوسائل. فإصراري ومثابرتي سيمكناني يوماً من أن أعدل ميزان القوى لصالحي، وعلى أية حال فإن مجال فعلي ليس بالقليل. فالتعريب كما فهمته للتو أو جعل الآخر ينطق من موقعي غير النقل من لغة أوروبية إلى أخرى. فهذه متقاربة في الكثير من أصولها الحضارية ـ الثقافية في حين أن اللغة العربية كانت وما تزال وستبقى محافظة لحد كبير على أصولها الأولى المختلفة كلياً عن أصول اللغات الغربية، رغم انتسابنا نحن والغرب إلى حوض البحر الأبيض الذي كان منذ بداية تاريخ الإنسان وسيبقى حتى نهايته مجال تلاقح بين الثقافات المتباينة أصولها.‏
فلا أفهم بأي حق يرسل مقدم الملف الذي نحن بصدده، هو وكثيرون قبله وبعده، مثل هذا الحكم المطلق وخلاصته أن اللغة العربية برهنت عن قدرتها على استيعاب الحضارة الحديثة. إذ لا أدري متى ولا كيف برهنت. أفي الماضي؟. ولكن الذين انطلقوا من الترجمة القديمة لينشئوا فلسفة وعلماً وتجاوزا عصرهم كانوا يكتبوا بلغة أمة في أوج صعودها الحضاري والسياسي. وبديهي أن اللغة تتبع الذين يتكلمونها رغم استقلالها النسبي، فإن هم تقدموا تقدمت وإن هم تأخروا تأخرت. وهذا الوضع المتميز هو الذي مكنهم من إنشاء فلسفة وعلماً تجاوزا أحياناً عصرهم إلى أيامنا. أما نن أحفادهم فموقفنا من الحضارة الحديثة لا يترك أدنى مجال، للشك، أنا لا نزال مع التفاؤل الكثير، في بداية البدايات من نهضتنا، نتقدم خطوة ونخاف فنعود مسرعين إلى مواقعنا القديمة. هم كانوا أصحاب رسالة سماوية يجابهون الموت ويموتون من أجل نشرها. أما نحنن فكل قطر من أقطارنا يدافع بوجل عن مصالح قطره ويحاول تحقيق مكاسب رخيصة على حساب الأقطار الأخرى شأنه شَان التاجر الصغير وحانوته وليكن ما يكون من شأن الناس أجمعين. فالآلة المصفطة التي صرنا نطالب اليوم بحقنا في الحصول عليها تحت اسم التكنولوجيا المتطورة هي التي فرضت ذاتها علينا. قل: غزتنا هي وأصحابها.‏
وها أنا أدلل على فكرتي بمقارنة آمل أن تكون واضحة:‏
قضى الأستاذ جان هيبوليت سنوات عاكفاً على ترجمة كتاب هجل المعروف ((فينومينولوجيا الروح)) وشرحه. الترجمة والتعليق أو الشرح، وهما رسالتا الأستاذ للدكتوراه، أوصلاه بالنتيجة إلى إشغال كرسي ((الفلسفة)) في الكوليج ده فرانس حيث ربى جيلاً من أساتذة الفلسفة جلهم اليوم من مدرسي جامعات فرنسا المعروفين. ولجان هيبوليت دراسات أخرى عن هجل وعن غيره من الفلاسفة صارت كلها اليوم من المراجع الأساسية في تاريخ الفلسفة العالمية. فالسنوات التي قضاها الأستاذ في رفقة هجل لم تذهب سدى إذ جعلته يقرأ تاريخ الفلسفة على ضوء الفلسفة الهجيلية. كما أن ترجمته لفيتوميثولوجيا الروح صارت أيضاً مرجعاً للدراسة الهجلية حتى في ألمانيا. وفي رأي المتخصصين بهجل أن من الصعب، إن لم يكن من الممتنع، تجاوز ترجمة فينومينولوجيا الروح.‏
ولقد طرحت على نفسي سؤالين أساسيين وأنا أقارن بين نموذج الترجمة الذي يقدمه جان هيبوليت وبين الترجمات العربية لهجل التي تكاثرت في السنوات الأخيرة.‏
الأول، عن دقة الترجمة العربية. فإذا كان أستاذ للفلسفة من مقياس جان هيبوليت الذي قضى حياته في صحبة هجل لم يعط لنفسه الحق بترجمة أكثر من كتاب واحد أساسي لهذا الفيلسوف، فما بالك بصاحب دار نشر لبنانية كلف منذ حوالي أربع سنوات عدداً من الأساتذة بترجمة مؤلفات هجل الكاملة، هذا عن الإنكليزية وغيره عن الروسية وذاك عن الفرنسية وربما رابع عن لغة رابعة يعرفها، ولم يتوقف سيل هذه الترجمات عن سوق القطر العربي السوري إلا مؤخراً ربما بسبب اشتداد الحرب الأهلية اللبنانية؟‏
الثاني عن جدوى هذه الترجمات وغيرها لكبار الفلاسفة والمفكرين العالميين في رفع مستوى اللغة العربية ومستوى المثقف العربي. كثيرون هم الذين اقتنوا ترجمات هجل التي ذكرت وغيرها كما كان كثيرون اقتنوا ترجمات ماركس وغره من كبار المفكرين العالميين، ولكني ما أزال أتساءل: أكان هذا الاقتناء لتزيين المكتبات أم للقراءة ولإيهام الإنسان ذاته بأنه صار يعرف فلسفة ماركس أو فلسفة هجل وغيرهما؟ فمستوى الثقافة العربية يراوح مكانه منذ ربع قرن ونيف هذا إذا لم يكن قد هبط. أما الفلسفة ذاتها فكانت وستبقى غائبة عن أفق الإنسان العربي لزمن طويل.‏
أقول معقباً على ما تقدم:‏
ليست اللغة العربية هي التي قصرت، بل الإنسان العربي، وعلى الخصوص عقله (والتخلف أولاً في العقل)، لا العقل الفردي، إن كان ثمة مجال للتمييز بين الفردي والجماعي، بل ما اسميه العقل الجماعي وأقصد قدرة الجماعة على تنظيم قواها وتوزيع فعاليتها بحيث تمكن الفرد من أن يعطي مردوده كاملاً أو شبه كامل.‏
أجل ما تزال لغتنا محتفظة بكل قوتها التعبيرية، ولكننا عجزنا عن تخطي مواقعها القديمة بحيث نجعلها تقول الحداثة من ثم بأن تصبح لغة الدراسات التحليلية التي هي نثرية دون أن تفقد قيمتها الشعرية.‏
واللغات القديمة أو لغات الأصول منها على ما أعلم الإغريقية واللاتينية. ومن سماتها الإيجاز المعجز بالنسبة إلينا والإيقاع الشعري وضع كامل بألوانه وأصواته في عبارات قليلة الإيقاع، تعدد دلالات الكلمة الواحدة والعبارة المفردة. ونحن في عصرنا الآلة المعممة أو عصر النثر. فالشعر ترف والخطابة كاريكاتوري الكلام. وأما النثر الخالص فنثر الكومبيوتر، والذاكرة الإلكترونية الآلية. فالنص مسطح. ويجب أن يرتد في نهاية المطاف إلى مجموعة مفاهيم ورموز علينا أن نحققها في الحديد والإسمنت. النص مشروع، ونموذج إجرائي.‏
الترجمة قديماً وحديثاً:‏
فالعلاقة بين ترجمتنا وترجمة أجدادنا واهية الصلة والفرق بيننا وبينهم شاسع في الرؤية، في الموقف، في الطلب، في النتائج.. وفي المجال كانت لغة أجدادنا بأنفسهم كاملة. فما يأخذونه عن الحضارات الأخرى (العلم والفلسفة التي هي علم العلم) لا يذكر بالقياس إلى ما يقدمونه لها (الرسالة السماوية/. وما عساهم يطلبون من الأمم الأخرى الذي كان على العموم مجموعة ((وصفات)) كانوا هم أول من حاول أبدالها بصيغ علمية تستخلص من مقارنتها مع الواقع ومن الكشف عن قوانين هذا الواقع وإعطاء صيغ رياضية إلى هذه القوانين حيث كان ذلك ممكناً. وما تبقى فلم يكترثوا به لاعتقادهم ـ قبلياً ـ أن لغتهم وحدها المبينة وشعرهم وحدة الشعر.‏
أما نحن فعالة على الشعوب المتقدمة فحاكيها في جوانب ومجالات حياتنا كلها من الزي إلى الإيديولوجيا وما نترجمه ليس أكثر من الموسوعات العلمية الميسرة وما نقتبس لا يفيض في أحسن الحالات إلا قليلاً عن حاجات برامجنا التدريسية وقد نرفض هذه الشعوب ـ خيالاً ـ ولكن نحاكي أيضاً، نحاكي أجدادنا من بداية عصر الانحطاط. وننسى أن نطلب من الشعوب المتقدمة لا الآلة وحدها، بل والشطر الأكبر من غذائنا وماذا نقدم لهم (ثروات بلادنا التي ينبهونها قبل أن نقدمها لهم بأبخس الأثمان).‏
ويثأر كل منا لكرامته بمصارعة أهله وجيرانه.‏
ما يبرر نسبياً ـ موقفنا الضعيف من عالمنا وعلمه هو أن العلم الذي كان على أجدادنا أن يقتبسوه ويطوروه ليس أكثر من بدايات تكاد لا تذكر بالقياس إلى التراكم العلمي المستمر إلى اليوم، ولكنه مسوغ كان يجب أن يكون مؤقتاً ونحن نحوله اليوم إلى مستمر على ما يبدو.‏
فدراستنا للعلم العربي تاريخية توثيقية، فائدتها في الواقع الراهن قليلة إذ أن اصطلاحاتهم تجاوزها العلم الحديث منذ زمن طويل. والأساليب التي أوجدوها لوضع مصطلحات جديدة كالاشتقاق وغيرها يمليها الحس السليم.. ولكن هذه الدراسة تلبي عندنا رغبة نفسية ملحة: التعويض عن قصورنا اليوم. فكأنا نقول للشعوب المتقدمة التي أطلقنا على علمنا القديم، نحن نأخذ بعضاً مما أعطيناكم.‏
الإنسان قبل التقني:‏
ثمة واقع علينا، نحن العرب، أن نواجهه بجرأة وإخلاص وهو أن التخلف قصور حضاري وهذا القصور هو في الإنسان، وعلى الضبط في المؤسسات التي ينشئ لتنظيم حياته الجماعية وجعلها منتجة. الوجه الواقعي لهذا الواقع أن صح التعبير، هو أن قرونا من الصراعات الداخلية والغزو والاحتلال الأجنبي مزقت الإنسان العربي، فردياً واجتماعياً، داخلياً وخارجياً وأفقدته كل مناعاته. ونحن نكتب، تشرع، ننظر، ونتصرف وكأن العربي اليوم هو عربي القرون الأولى للهجرة.‏
والأمثلة على ذلك كثيرة:‏
فكما أن أموالنا وثرواتنا في مصارف الدول المتقدمة تزيدهم غنى ونحن نزداد فقراً كذلك علماؤنا وخبراؤنا هجروناً لعجزنا عن الإفادة من علومهم وخبراتهم.‏
فإذا كان ثمة تربية، تنمية، تطور، تقدم، نهضة، فهي ـ فهي تبدأ بالإنسان وتعود إليه، أو هي من الإنسان وللإنسان، وما العلوم والآداب، الترجمات والتأليف، أو وسائل بالقياس إلى هذا الهدف الكبير. ولكن تأخرنا الحضاري لا يعني أن الإنسان العربي يراوح مكانه منذ بداية نهضتنا حتى اليوم.‏
فمستوانا العقلي والذاتي، الأدبي والعاطفي أرفع الآن بكثير مما كان عليه منذ نصف قرن، ومع ذلك فنحن ما نزال في بدايات طريق طويلة جداً. وعلينا أن نفهم هذه الحقيقة الأساسية وهي أن الذي يكون الإنسان ليست حقائق العلم ونتائجه، بل الطريق إلى العلم والفكر الواعي، هذا من جهة ومن جهة أخرى التاريخ والتراث، والفنون والآداب التي بدأت الدول المتقدمة تشعر أنها أهملتها مع أنها حاضرة بكثافة في مدارسها وفي مؤسساتها الثقافية الأخرى.. وبتعبير آخر فإن الإنسان ينمو كلا ويتأخر كلا. فكل ما هو أساسي بين إبداعات الإنسان ضروري لتكوينه ونموه. كما ن الجسد لا ينمو إلا بغذاء يتضمن ضروريات الغذاء كلها.‏
ما من شك عندي أن الترجمة لعبت دوراً كبيراً في رفع مستوانا الثقافي والحضاري، إذ أنها ما برحت تضعنا منذ بداية نهضتنا في مواجهة مشكلات المرحلة التاريخية التي نعيشها. لا بل إنها، بين الطرق الأخرى التي توصل إلى الهدف ذاته، منها الاقتباس والتلخيص.. والاتصال المباشر، أبعدها مدى وأعمقها أثراً. شريطة أن يحسن المترجم انتقاء الكتاب ويتقن ترجمته، إذ وحده الكتاب الجيد يعرض المشكلة في صياغة جيدة ويدفعنا إلى التأمل فيها.‏
فالكتب المتقنة الترجمة عندنا تعطي فكرة واضحة عن مستوى لغتنا بوصفها لغة الحداثة أي عن قدرتها على أداء مشكلات الحداثة ومعانيها وقيمها، عالمها وتعاملها مع هذا العالم، ولا أقصد هنا الدراسات والكتب الفكرية وحدها، بل أيضاً الرواية والمسرح والقصة وحتى الشعر.. فهذه قد تكون أحياناً أقوى وأعمق تعبيراً عن اهتمامات إنسان الحداثة واتجاهاته نحو عالمه من الكتب الأخرى. اترك جانباً الفلسفة والدراسات الفلسفية، فما أعرفه عن كتب الفلسفة الخاصة والتي هي في أحسن الحالات محاكاة باهتة لكتب ودراسات أجنبية، يدل على أنا ما نزال في بداية البدايات من طريقنا إلى الفلسفة. والأرجح أن هذه البداية متعثرة وطريقها غير نافذ. أما ترجمة هجل وغيره من فلسفات المحدثين فهي ترجمات تجارية، علاقتها بالفلسفة أوهي من خيط العنكبوت.‏
كما أن المصطلحات الفلسفية التي وضعها أساتذتنا لحاجة التدريس وما عم منها، أغلب الأقطار العربية. تدل على ما تمثلنا فعلاً من العلوم الأساسية والتطبيقية.‏
وما تبقى، ترجمات ومصطلحات ليست أكثر من اجتهادات فردية، تبقى ضمن حدود الفرد طالما أن المسألة التي تثير لم تطرح على صعيد عربي أو لم تصبح مشكلة عربية.‏
وكذلك المؤتمرات واللقاءات الكثيرة التي عقدت، والمؤسسات الأكثر التي وضعت من أجل المصطلح والتعريب، جدواها ضعيفة في غياب سياسة ثقافية عربية أو خطة عربية للتنمية الثقافية محددة المعالم واضحة المراحل فما وضع حتى الآن تحت هذا الاسم أو تحت اسم ((استراتيجية الثقافة العربية)). ليست أكثر من عموميات تقول كل شيء ولا تقول شيئاً محدداً.‏
وبعد فإن صعوبات الترجمة ـ وفوائدها ـ ليست في المفردات حتى ولو كانت هذه المفردات مصطلحات ـ فالكلمة الأجنبية دوماً جاهزة وبوسعنا استخدامها حتى نجد المقابل العربي المناسب ـ بل في العبارة، في النص الأدبي أو الفكري ـ والإثنان هنا واحد ـ أي حيث على المترجم أن يحيط بادئ ذي بدء، بالمعنى ـ أو اللا معنى ـ الذي يجعل من النص كلا متسق الأجزاء أو يفسر النص. عندها يستطيع، هو أو القارئ وضع النص من تاريخ وبيئة غير تاريخه وبيئته، وتبلغ الصعوبات درجة كبيرة عندما تكون اللغة المنقول إليها ـ كالعربية مثلاً ـ من أصول تاريخية ـ حضارية مختلفة جذرياً عن أصول النص، كما هي الحال في اللغات الأوروبية التي تنقل عنها اعتيادياً. في حين أن النص العلمي حيادي، لا زمان له ولا مكان من حيث المبدأ وهو بالتالي مسطح، معناه يأتيه من الذي يستخدمه بتحقيقه على أرض الواقع.‏
وتلك فوائد الترجمة.‏
أولاً: أنها تنقلك، وأنت في بيئتك وتاريخك إلى بيئة وتاريخ آخرين وتدربك على أن تعيش في الاثنين معاً. وهذا ما أشير إليه عندما أقول أن النص المترجم غير الأصل وإياه.‏
ثانياً: تدربك على أن تحيط بمجمل النص. إذا كانت حريصاً على فهمه.‏
ثالثاً: تضعك في مواجهة واحدة أو أكثر من مشكلات مرحلتك التاريخية لا تجدها في نصوص تراثك، وتدفعك إلى فهمها للبحث عن مقابل لها في وطنك. إلا أني أضيف هنا مرة ولكل مرة، إن عمل الترجمة الثقافي لا يكتمل إلا بالتأليف الذي نمهد له ونغذيه دوماً بموضوعات وأساليب معالجة باستمرار جديدة ومتجددة.‏
وللنصوص العلمية ـ المقصود هنا العلوم الدقيقة لا العلوم الإنسانية ـ سيان مترجمة أم في لغتها الأصلية. فوائد كثيرة من نوع آخر. فهي تدرك على الفكر الموضوعي حيث يتوارى كلياً.‏
الانفعال والكلام الفضفاض. والفكر الموضوعي إما استنتاجي، الدقة المنطقية إلزامية فيه، وأما استقرائي يدربك باستمرار على الانتقال من الفسحة المشخصة إلى الفسحة المجردة إذ عليك أن تبدأ بملاحظة عميقة للواقع الملموس للطرق العلمية، ثم تحاول أن تجد المفاهيم والرموز أو المعادلات المقابلة لها. وهذه عملية ترجمة ـ ترجمة المحسوس إلى لغة المعقول ـ من نوع آخر.‏
الهوامش والأصل‏
إلا أن ترجمة العلوم، وإن كانت كدراسة العلوم من المستلزمات الأساسية لإنسان المرحلة التاريخية الراهنة فهي لا تسهم في تكوين الإنسان ـ بما هو إنسان ـ إلا إذا تكاملت مع التربية الأدبية ـ الفكرية، أما إذا اقتصر عليها الإنسان أو إذا استأثرت بالشطر الأكبر من ثقافته، فتكون فيه الخبير والتقني على حساب المواطن والإنسان. وهذا ما يحدث غالباً اليوم في الدول المصنعة المتقدمة التي أخذت تشعر أكثر فأكثر بضرورة تدعيم الثقافة العامة أو الفكرية كما سبق وقلت. والتربية العلمية والتقنية من مستلزمات التنمية الاقتصادية التي هي اليوم الشغل الشاغل للدول والجماعات في العالم كله. والتنمية الاقتصادية لا ينهض بها حقاً إلا نخبة من ذوي الاختصاص الرفيع المستوى.‏
أما نحن فنقطة الضعف الكبرى في تكويننا فهي الثقافة الفكرية والثقافة العامة وهما هنا واحد. وأقصد دوماً بكلمة فكر قدرة الإنسان على الإحاطة بموضوع، بمشكلة، نص واستخلاص معناه العام ثم أبعاده الأساسية ومفاصله الطبيعية ووضع كل منها (الأبعاد والمفاصل) في موقعه من المعنى العام. وتظهر هذه الثغرة القاتلة بوضوح عند الأديب والشاعر، الدارس والمفكر الإيديولوجي والمثقف العادي. فكل من هؤلاء يتقدم في مطلع حياته العامة، وبعد فترة يراوح مكانه يكرر ذاته إلى ما لا نهاية لأنه استنفذ رصيده بسرعة رهيبة، وهو عاجز عن تكوين رصيد جديد.‏
والثقافة الفكرية العامة لا تتحقق فعلاً لدى الإنسان إلا قبل الاختصاص، أي في السنوات الأخيرة من الدراسة، الثانوية والسنة الأولى وربما الثانية من الجامعة، ووسائلها الأنجع أولاً تحليل النصوص الأدبية الدراسات الاجتماعية أو تحليل مشكلة راهنة، ومن ثم العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة فتعبير الشاب عن فكرة بلغة أجنبية واحدة على الأقل.‏
ومتى ارتفع فكر الإنسان ارتفعت قدرته على التعبير عن فكره بلغة فصحى سليمة ومبينة.‏
ولا أرى أي دور اجتماعي أو تقني لدراسة جامعية انقطع فيها صاحبها عن منابع المعرفة بجهله اللغة الأجنبية. وهذه ضرورية للشاعر والروائي والمسرحي.. ضرورتا للفيزيائي والطبيب وغيرهما. وإذا كان تدريس العلوم كلها باللغة العربية من مفاخر الجامعة السورية في الماضي، فقد فقد الشطر الأكبر من قيمته مع التقدم المتسارع للعلوم والتقنيات في نصف القرن الأخير، إذ جعل الطلاب يسقطون من حسابهم اللغة الأجنبية ويقتصرون على اللغة العربية. وهذه لا تكفي حتى ولو ترجمنا إليها كل كتب الاختصاص في كل العلوم فالعلم هو الذي يتكون لا الذي تكون.‏
***‏
إن تعريفنا للترجمة يكشف لنا عن دور وحدود كل من الترجمة الآلية اقتصاديات الترجمة.‏
فالترجمة الآلية هي بالدرجة الأولى للنصوص العلمية والتجارية وما يشبهها حيث الكلمة لها دلالة واحدة والعدد أو الرمز اتجاه واحد. أو هي للغة المرئية حيث العين تنوب في القراءة مناب الفم والصوت والسمع، وهي بالأصل للسيبرنطيقا والكومبيوتر والمذاكرة الإلكترونية وتقوم بها الآلات ذاتها هذه وقد عدلت تقنياً بحيث تصير الترجمة.‏
ما من شك في أن مجال الترجمة الآلية يزداد اتساعاً ودقة، لكن، مهما كانت دقة الآلة واتساع رقعة النصوص التي تترجم، فلا يمكنها أن تترجم نصوصاً أدبية أو شعرية. فكرية أو فلسفية، لأن نقل هذه النصوص من لغة أخرى هو إبداع أو إعادة تأليفها، والإنسان وحده يؤلف ويبدع. في حين أن اسم الآلة يدل عليها وعلى عملها الذي هو الإعادة الآلية لما يقدمه لها الإنسان ويسمى ((تلقيماً)) فلا يمكنها أن تقدم لنا من النص الشعري والفلسفي أو المسرحي وغيره عندما نطلب منها ترجمته سوى هيكله العظمي وتلك بداية قد يستخدمها المترجم ليتجاوزها.‏
وعلى أية حال فإن دور الآلة في نقل الأفكار وترجمتها في تزايد مستمر. ولا عجب، أفلسنا في عصر تتزايد فيه العلاقات الإنسانية وتتشابك حضارات وثقافات وأعراق متباينة، فلكي نستطيع بسرعة، وهذه العلاقات هي بين شعوب من التفاهم بعضنا مع البعض الآخر تبسط كل منها لغة التخاطب إلى أقصى حد ممكن إذ منها كل ما هو مدعاة للبس، أي لتلوينه، الدلالة المزدوجة الإشارة الدالة، نبرة الصوت.‏
الترجمة العادية أو ترجمة النصوص التي سميتها أدبية ـ فكرية ففعل إبداعي، ثقافي، اقتصادياته، إذا كان له ثمة اقتصاديات وجه من أوجه اقتصاديات الثقافة. وهذه واحدة من المشكلات التي استثارتها الشركات الصناعية الكبرى متعددة الإنتاج وقد تكون متعددة الجنسيات وقد بدأت عندما أخذت هذه الشركة تنسق بعيد الحرب العالمية الثانية، مع الكليات التقنية بحيث تعد ما تحتاجه الشركات من خبراء وتقنيين باحثين علميين وحتى عمال مؤهلين وتدفع الشركات بالمقابل تكاليف الكليات جزئياً أو لياً. ولم لا نمد هذا التنسيق إلى كليات أخرى، منها المتزايدة عدداً، لوظائف اجتماعية محددة المعالم علم الاجتماع وعلم النفس التي تعد بفروعها وخاضعة مباشرة لقانون العرض والطب؟ فاضطرابات طلاب جامعة باريس ربيع عام 1968 التي جعلت الحكومة الفرنسية تعيد النظر جذرياً في نظامها الجامعي بدأت في كلية علم الاجتماع بجامعة نانتير عندما لاحظ طلاب هذه الكلية أن أملهم بإيجاد عمل بعد التخرج يتضاءل يوماً إثر يوم، والتنسيق مع الشركات ليستدعي التنسيق مع التعليم قبل الجامعي الذي يعد مباشرة للجامعة. والتربية، أليست اليوم للحياة كما يقولون، أي لعمل مفيد أو منتج اجتماعياً؟ وكذلك الثقافة التي تشمل التربية؟ وإذا كان المجتمع يوظف بشكل أو بآخر شطراً من رأسماله للتربية والثقافة بما فيها الترجمة، أليس لأنه يتوقع منها مردوداً يوازي لحد ما التكاليف؟ إذا دفعنا بالحساب إلى هذا الحد نكون قد جعلنا العملية الثقافية كلها، تربية واقتصاداً، ترجمة وفناً، ملتزمة ولكن بإيديولوجيا لم تكن لتخطر ببال الإنسان لنصف قرن خلا، أهي أيديولوجيا البورجوازية الرأسمالية المحتكرة والمستعمرة، أقصد أيديولوجيا الربح والخسارة أو أيديولوجيا المصلحة إذا شئت.‏
ولكن يبدو لي أن المجتمع، إذ يدفع بإحدى خطوطه الأيديولوجية الفكرية إلى حدوده القصوى يدرك عاجلاً أو آجلاً النتائج الخطيرة لتحيزه، فالوجود الإنساني متعدد الاتجاهات والأهداف متعدد المعاني والقيم. كلها ضرورية لنمو الإنسان. الترجمة كالموسيقى، التربية كالرياضة البدنية والإنسان المتكامل النمو وحده المنتج اقتصادياً وفنياً، سياسياً وأدبياً.. والتربية ليست بالدرجة الأولى أعداد الخبير، بل تربية المواطن والإنسان، يلي الخبير فالحساب يقف عند حد، تجاوزه اعتداء على الإنسان، إذ التربية للإنسان وليس الإنسان للتربية.‏
وكذلك الترجمة الآلية، شأنها شأن ((الآليات)) الأخرى، وجد لتيسير عمل الإنسان الخلاق لا للحلول محله.‏
الترجمة فعل من أفعال الثقافة:‏
قلت أن الملفين والندوة غطت شطراً لا يستهان به من مشكلات الترجمة، وربما الشطر الأكبر، والدراسات المنشورة في الملفين متكاملة وسوف تعمق وتوسع في ملفات أخرى، وما ملاحظاتي سوى بحث عن المحور الذي تتجمع حوله هذه الدراسات وغيرها وتؤلف كلاً متماسك الأجزاء. وهذا المحور، فيما بدا لي حتى الآن، هو دور الترجمة في العملية الثقافية على الخصوص في أواخر هذا القرن وفي الوطن العربي بالذات. ولقد أخذت وآخذ دوماً هناك كلمة ثقافة بمعناها الأعم بحيث تشمل كل ما يسهم في تكوين الإنسان أو كل ما ينتج للإنسان إذ أن الإنتاج الحضاري هو أيضاً فعل ثقافي، فالثقافة مسرح وفن، أدب وسياسة..‏
وإذا كانت الحكومات العربية لا تولي، مع الأسف، الثقافة ما تستحقه من اهتمام، فليس هذا لحسن الحظ موقف المثقف العربي على العموم، ولا موقف الشعب العربي العفوي.‏
فالعربي يزداد انفتاحاً على الحضارة الحديثة وعلى موقعه منها ودوره فيها، كلما ازداد معرفة بها وبذاته، وفترات الانغلاق دوماً عابرة في حياتنا وهذا واضح في إقبال العربي العفوي المتسارع على كل ما يوسع آفاق خياله وعقله وعواطفه. ولقد تضاعفت مراراً، في ربع القرن الأخير، حركة العربي داخل قطره، في الأقطار العربية الأخرى وفي اتجاه العالم الخارجي.. طلباً للرزق بدون شك ولكن أيضاً لاكتشاف عوالم جديدة وإذا كان كل عربي يقضي شطراً كبيراً من وقته أمام التلفزيون والراديو، وأيضاً في السينما على الخصوص عندما يكون شاباً، فليس للتسلية وتزجية الوقت وحسب بل أيضاً لاكتشاف هذا العالم العجيب الغريب الذي يعيش فيه، فالإقبال على الريبورتاجات الجغرافية والعلمية لا يقل عن الإقبال على أفلام المغامرات، ولم أنس طبعاً المدارس التي تكاد تغطي الوطن العربي كله. ولا توجد عاصمة أو مدينة عربية كبيرة إلا وفيها جامعة أو أكثر،. ومن المعلوم أن الحكومات العربية لم تفتح يوماً مدرسة أو وسعت مدرسة قائمة إلا بنتيجة ضغط شعبي كبير. كما زاد الإقبال كثيراً في ربع القرن الأخير على الكتاب الثقافي خصوصاً عند الأطفال واليافعين.‏
هي الأكثر رواجاً..‏
والأمثلة هنا تكاد لا تنتهي‏
فما دور الترجمة والكتاب المترجم في عملية التثقيف والتثاقف التي صارت اليوم مطلباً شعبياً؟ إنه أكبر بكثير ما يظن الإنسان للوهلة الأولى، فالنموذج الأجنبي ـ وباستثناء التراث ـ حاضر بشكل أو بآخر في المواد الدراسية والكتب المدرسية على الخصوص في كليات الجامعات العربية حيث الترجمة والتلخيص، الاقتباس والمحاكاة هي الوسائل المعتمدة ضمناً وأحياناً صراحة، لتحديد المواد الدراسية ولوضع الكتب المقررة لها هي ومراجع الدراسة.‏
كما أن كلاً منا يحكم على قيمة كتاب عربي يطالعه بالرجوع إلى نظير أجنبي يعتبره، ضمناً أو صراحة معياراً أو مرجعاً.‏
وبوسعك أن تعمم الأساليب المذكورة ومعايير القراءة على السينما والمسرح، الفنون التشكيلية والألحان الموسيقية التي توضع اليوم، على المقالات الصحفية وطريقة تقديم الأخبار في الراديو والتعليق عليها.‏
والنموذج الأجنبي المعتمد هو على العموم إنكليزي أو فرنسي أو روسي.‏
وباختصار فإن الترجمة هي اليوم وسيلة التثاقف الأنجع على الخصوص لدى الدولة المتأخرة.‏
فعندما تترجم تعيد تأليف النص الذي تترجم في لغتك، كما سبق وقلت. فأنت هنا وهناك في الوقت ذاته، في وطنك وفي وطن النص الذي تترجم. وهذا الوجود المزدوج هو حيث إبداع المترجم وحيث قيمة الترجمة التثقيفية الأكبر. وقراءة النص المترجم هي بمثابة إعادة من قبل القارئ بفعل المترجم ولكن بشكل مخفف إن صح التعبير. فالقراءة هي أيضاً ضمن حدودها فعل ثقافي له إبداعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى