صفحات سوريةنصر حسن

المعارضة السورية …خروجٌ من الصفر أم عودة إليه ؟!.

null
د.نصر حس
*أزمة المعارضة السورية
يطغى على مشهد المعارضة السورية الحالي قسمات أزمة لاتقل سوءاً وخطراً عن أزمة النظام , أزمة أنتجتها أطرافها المختلفة مقسومة على عوامل داخلية وخارجية, أكثرها تأثيراً هي تركيبتها الأهلية وغياب البرامج ومعها الحد الأدنى من معايير العمل الديمقراطي المؤسسي وجغرافية سورية السياسية , مضروبة بأعاصير المنطقة وبراكينها ومعامل قمع النظام الفردي طبعاً لكونه محور دورانها ومرجل حريقها , أزمة مركبة تمثل حصيلة تراكم سلسلة من التناقضات والإخفاقات والاصطفافات بين بنى وعقليات وآليات موروثة من فوضى الماضي , هذا المشهد يحدد عملياً حالة انسداد الأفق التنظيمي والسياسي والاجتماعي والحقوقي , ناهيك عن القدرة على تحقيق التغيير الوطني الديمقراطي السلمي أياً كان شكله ووتيرته! بصراحة إن وضعها الحالي يعكس الشيخوخة والتردي في البنى الفكرية والتنظيمية والسياسية لها .
هي في أزمة مهجورة , تركن على رفوف أطرافها المتوازية وتحاصرها فيها , أزمة لم تستطع أن” تملص ” منها  عملياً لأنها محكومة برموز وبرامج الماضي وعقليته وآلية عمله ومناهجه المتخشبة والدائرة بوهن حول الذات ومصالحها, مفترقة ولامبالية بمصالح الشعب والظروف والتناقضات التي يعيشها في ظل نظام فردي استئصالي هو الأبشع في تاريخ النظم الشمولية في العصر الحديث, نظام أمم الشعب والثروة والقدرات واستخدمها بخسة لصالح بناء فردي ديكتاتوري لايأخذ بالحسبان احترام كرامة الشعب ولاأدنى حقوقه وأمنه ومصالحه , ومستأثراً بالبلاد والعباد والفعل السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي لعقود , أفرز بمحصلته هذا الخواء العام لدى أطراف المعارضة , خواء أشبه بعقم أفقدها الدماء الشابة الجديدة التي هي المحرك الاجتماعي  والسياسي في المجتمع , فشاخت أطرافها وسكنت إلى الماضي , قطع سباتها تطور الأحداث الداخلية والاقليمية والدولية,  نشطت لكن بتكرارية تعيد إنتاج نفسها واستنساخ دورها , واستمرت ترفع نفس الشعارات ونفس أشباه البرامج في ظروف مختلفة داخلياً وخارجياً , فانعزلت كلياً عن مسار الأحداث وواقع الشعب والنظام معاً , وركنت إلى مسايرة الأمر بالشعارات والخطابات الانشائية التي لاتقدم ولاتؤخر بل تزيد درجة عطالتها وأزمتها عمقاً واتساعاً .
والحال كذلك , ليس خافياً على أحد أن طبيعة بنية أطراف المعارضة هي عمق تخلفها وإخفاقها , وعلى وقع الصدمات الخطيرة في المنطقة في السنوات القليلة الماضية , لملمت اضطرابها وجمعت ركامها على مضض وعجل بإطارين معزولين ,الأول إعلان دمشق في الداخل , والثاني جبهة الخلاص في الخارج , كلا الإطارين انكمش فعلهما بسرعة قياسية , الأول بفعل سياسة النظام وآلته الأمنية القمعية التي أجهضدت بوادر ولادة عمل معارض ديمقراطي تعددي في الداخل , والثاني لجملة من التراكمات الماضية والحاضرة أوصلتها إلى طريق شبه مسدود, ولم تتمكن المعارضة من مواكبة مايدور في الواقع السوري ومايجري من تطورات دراماتيكية في محيطه , لأنها خضعت بفعل بنيتها وبرامجها إلى الرتابة والسكون والقبول بلاحول ولاقوة لها على النظام دون سند خارجي تحاول أطرافها على انفراد الامساك به متعثرةً ولم تصطاده بعد , حال ذلك دون قدرتها على اشتقاق خطاب سياسي موضوعي عملي في حوارها مع الداخل والخارج , وبالتالي استنفذت جهودها في إعادة إنتاج نفسها , ومراوحتها بحالة التمويه على فشلها في إحداث ولو اختراق بسيط في سياسة النظام أو التقرب أكثر من مشاكل الشعب أو الوضع العربي والدولي , فارتدت إلى التمسك بشماعة الشعارات الكبرى وتضخيمها ( التغيير الوطني الديمقراطي واحداً منها ) التي رأت فيها غطاءاً لبعض فشلها وستراً لبعض عورتها .
واستطراداً , إن واقع المعارضة السورية اليوم يؤشر على وجود خلل بنيوي ومنهجي فيها , يبرهنه فقدان قدرتها على توجيه الرأي العام الداخلي أو حتى التأثير البسيط فيه , وتحولت إلى ” عراضات ” لهذا الرمز أو لهذا الشعار أو لهذه الأجندة , وطغى عليها طابع الاستزلام  والشللية والنخبوية الفارغة , غائصةً في عقدها ومغتربة عن واقعها , محنطة القول والخطاب , فاقدة القدرة على استقطاب الحد الأدنى من شرائح الشعب , وهذا بدوره يدل على ضعف البنية وسوء البرنامج وهشاشة الدور القيادي, جملة ذلك أدى إلى جمود أدائها التنظيمي, وطغيان فراغ فكري وتخبط سياسي وقصور وظيفي , أعاقها عن أداء دورها التي وعدت الشعب فيه في ظروف مفصلية كارثية تمر بها سورية .
وبدل أن تبحث في كيفية ترميم بنيتها الداخلية وتطوير أدائها التنظيمي والسياسي , واتباع النقد والشفافية وتكاملها لتنشيط حواملها الداخلية, ارتدت إلى صيغ العمل الفردي المفتقر للبرنامج السياسي الواضح من جهة , ولقيادة “كارزمية ” فردية أو جماعية من جهة أخرى , واستمرت تتخبط على هذا الحال ضريرة ً فاقدةً  للرؤية السياسيةالعملية , خائفة من النقد والصراحة والموضوعية ومحاربةً لهما,  فهيكلت شكلها على قياس فرديتها واقتدت بالنظام في آلية عملها , وأصرت على العمل الفردي الفئوي في نهاية المطاف , والحال بماهو عليه تجذر عجزها وعدم قدرتها على استيعاب منهجية العمل الديمقراطي التعددي ,والأمرّ من ذلك تأصيل فشلها في ركوب موجات إقليمية أتتها على طبق من ذهب صدفةً ,مع ذلك لم تستطع أن تجيّرها لصالحها بل ربطت نفسها في زكزاكية تقلباتها , وراوحت في تناقضاتها الداخلية وفشلها في إحداث اختراق مهما كان بسيطاً في الوضع الداخلي أو الخارجي,فارتدت أكثر فأكثر إلى الصيغ الفردية لذات الرموز والتشكيلات الحزبية “العقائدية” التي تخندقت في الماضي , وفقدت قدرتها على العطاء والتفاعل مع بعضها ومع واقع الشعب السوري ومع مفاهيم ومعايير السياسة الدولية الجديدة.
هنا تتكشف هشاشة العمل المعارض بافتقاره إلى الرؤى الديناميكية السياسية الاستراتيجية, وسباته وعدم قدرته على تجديد بنيته وخطابه وآليات عمله ومواربته في فهم العمل الديمقراطي , فانصرفت قوى المعارضة المختلفة والموجودة في الخارج تحديداً  إلى عناوين أخرى جانبية بعيدة عن الهم الوطني السوري ,خلاصتها موروثة من إفرازات النظام والمتمثلة في أسوأها  عبادة العمل الفردي الفئوي متآلفة مع خوائها مثبتة ًوجودها الهلامي بإطلاق البيانات المختلفة العيارات مختلفة الاتجاهات أسهمت كلها في تأصيل أزمتها الراهنة والدوران فيها .
ولمن الموضوعية التأشير , أن تراكم إرث النظام الكبير من البطش والقهر والأقصاء والتهميش ومصادرة الحريات والنهب وعدم تكافؤ الفرص وتضييق الخناق على معيشة الشعب والانتهاكات الفردية والجماعية للكرامات , أنتج خطاباً معارضاً متمركزاً حول التغيير وبشكل أدق على السلطة, وغاب عنه متطلبات العمل السياسي الديمقراطي في سورية التي برع النظام الأمني في انهاكها , فأتى خطابها( أي المعارضة) مشوهاً أحادياً,مفرّخاً نوعاً جديداً من التفكير الاقصائي الانعزالي لكن مقنعاً بالديمقراطية والتوافق الوطني , ويحمل في طياته التراشق بالتهم ومحملاً  ببذور الانشقاق والفشل ,ملتفة على أي محاولة لتعشيق حركة الداخل مع الخارج لتجميع القوى وزيادة وتيرة التفاعل مع واقع الشعب , وأكثر من ذلك محاربةً التوجهات الصادقة لاشتقاق برنامج ديمقراطي قوامه الموقف الوطني الواضح والتعددية الديمقراطية وقيم المواطنة والمدنية , والنضال من أجل الحريات العامة وحقوق الإنسان , أي موقف مضاد للاستبداد و”التوتاليتارية”  التي أوصلت سورية إلى هذه الحالة من العقم والخواء وانسداد الأفق  أمام الشعب .
*مقاربات الخروج من الأزمة
والحال كذلك , بات الوضع الداخلي السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي والأهلي خطيراً للغاية في مرحلة تكويع النظام من الممانعة إلى التطبيع ومع حزمة المستجدات على الوضع الاقليمي والدولي , بات في أمس الحاجة إلى اتخاذ موقف وطني جريء واضح مما يجري في سورية ,بدايته تنشيط آليات أداء أطرافها على طريق تكامل عملها, يترجمه عملياً  تحرك فعلي نوعي جديد,  يتجاوز العقلية والذهنية والبنية الفردية ,نحو تشكيل فريق وطني ديمقراطي قوامه كتلة وطنية واضحة الشكل والاسم والمضمون , تكون البداية لعمل مؤسسي تعددي يقطع مع سياسة التهميش والتصنيف والتوليف في إطار العمل السوري المعارض , كتلة وطنية تطرح نفسها كمعادل سياسي عملي موضوعي للنظام , كتلة قادرة على توجيه الرأي العام ومحاورة كل الأطراف , , كتلة وطنية ديمقراطية تقطع الطريق على سرطان التشقق والشقاق الذي يتكاثر كالفطر , كتلة وطنية حواملها الموضوعية هي رموز الشعب المتنورة التي تمثله وتملك برنامجاً واضحاً لإشراكه عملياً في الشأن العام , كتلة تملك مواصفات وطنية سياسية أخلاقية تحدد هويتها الجماعية ,  تكون بديلاً للفردية والأنانية التي تضخمت إلى الحد الذي أصبح كل فرد فيها ملهماً , وكل حافظ كلام منظراً ,وكل فردين حزباً وكل بضعة أفراد تجمعاً , كتلة وطنية بشعار سياسي ممكن قادرة على تبنيه وتحقيقه ببرنامج تنظيمي مؤسسي يتجاوز حالة الخلط واللغط وصف الشعارات التي أضلّت أطراف المعارضة والشعب معها , كتلة وطنية قوامها العمل الديمقراطي التعددي الشفاف , حاملها الأساسي هو الشعب وجذرها قيم الحرية والعدالة والمساواة وشرعة حقوق الإنسان , والقطع مع  فكر العصبية والتطرف والاستئصال والتمييز والبراءة منها , كتلة وطنية عريضة وحدها قادرة على قيادة سفينة التغيير إلى شاطئ الأمان في ظروف سورية العاصفة.
بخلاف ذلك, تستمر أطراف المعارضة في لعبة الشقاق والتمويه وغياب الفعل وتقمص لاعب دورالتغيير,  والمزايدة اللفظية البينية تاركةً النظام يسرح ويمرح ويقمع ويفقر ويتاجر بحرية كما يريد , وستبقى أطرافها مختارة ً أو مكرهة ً تجلس القرفصاء عند عتبة النظام الديكتاتوري ,تردد خطابه وتمارس سلوكه وتجذّرعصبيته , لكن من موقع توسل الضعيف فاقد الوسيلة ومعدوم الحيلة , والخدر اللغوي اللفظي بتوهم الديمقراطية , غائبةً حاضرة أو محتضرة ,فاقدة الحيوية والحوامل الاجتماعية والسياسية المطلوبة , محمولة على أكتاف شعارات التغيير الواهنة ومواربات الحوار وسجالاته بين رموزها وبين نظامها,  ناسية الشعب يإنّ تحت القمع والفقر واليأس وانسداد الأفق .
بقي أن نقول : الأمور بمنتهى الوضوح , ولم يعد هناك مخفيات ومايعيشه الشعب السوري من حالة خطيرة أصبحت مؤشرة وواضحة ,يشترك في رسم محدداتها النظام السوري المعروف وضعف أداء أطراف المعارضة والخارجية منها تحديداً , يستدعي ذلك من حملة الهم والانتماء والفكر والكفاءة والأخلاق والحرص على الشعب السوري, حماية سورية  من الانزلاق إلى مفاجآت قد تكون غير قابلة للضبط في محيط إقليمي يطغى عليه التطرف والعنف والفوضى وأصبح برميلاً من  البارود , يتطلب إخراج سورية من الصفر الخطر وإنقاذها بعملية إسعافية سريعة من قبل مختصين , ومقدمة ذلك الشروع بتبني مشروع حواراً وطنياً شاملاً جريئاً شفافاً, على طريق تأسيس كتلة وطنية جديدة , تكون قوة مؤسسية سياسية ديمقراطية جماعية ,تمثل الحامل الحقيقي للتغيير الديمقراطي السلمي في سورية ,وتقطع الطريق على دعاة إرجاع العمل المعارض ومعه الشعب السوري إلى الصفر مرةً أخرى !.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى