صفحات سورية

معلومات خطيرة وأخرى “مشينة”

null
سعد محيو
نقطتان، الأولى خطيرة والثانية مشينة، في تقرير سايمون هيرش الجديد في “نيويوركر” حول حرب أمريكا مع إيران. النقطة الخطيرة أولاً: الديمقراطيون الأمريكيون، وبرغم براعتهم اللفظية في رفض التصعيد العسكري وتحبيذ المفاوضات المباشرة مع طهران (كما وعد باراك أوباما)، وافقوا على كل ما طلبته إدارة بوش من الكونجرس الذي يسيطرون عليه لتمويل العمليات الاستخبارية والأمنية داخل الأراضي الإيرانية.
المبالغ خلال أشهر قليلة وصلت إلى 400 مليون دولار، والعمليات شملت إدخال قوات خاصة إلى إيران لخطف قياديين من “الحرس الثوري” وبعض الشخصيات الأخرى، ومراقبة المنشآت النووية عن كثب، وتمويل وتحريض الأقليات البلوشية والعربية والكردية على شق عصا الطاعة. وكل هذا تمهيداً لحرب شاملة مع طهران.
اللافت هنا أن الشيوخ والنواب الديمقراطيين الذين وافقوا على طلبات الإدارة، كانوا يدركون أن جانباً من نشاطات هذه الأخيرة هدفه استفزاز إيران لدفعها إلى “ارتكاب حماقة ما” (على حد تعبير الأميرال المستقيل فالون)، مما سيستدعي توجيه ضربات عسكرية أمريكية و”إسرائيلية” ماحقة لها. كما أن هؤلاء سبق أن وافقوا على تقديرات وزير الدفاع جيتس من أن هذه الضربة “ستخلق أجيالاً من الجهاديين الذين سيقاتلهم أحفادنا على الأرض الأمريكية نفسها”.
هل يعني ذلك أن الديمقراطيين الأمريكيين يبطنون غير ما يظهرون، وأن ثمة سكاكين حادة عدة تختفي تحت قفازاتهم الحريرية؟
الأرجح أن الأمر كذلك. وهو ترجيح يزداد قوة حين نتذكّر أن الديمقراطيين “المعتدلين” و”العقلانيين” كانوا مسؤولين عن أكبر الحروب التي خاضتها أمريكا، من الحرب العالمية الثانية (روزفلت) إلى حرب فيتنام (جونسون) مروراً بحرب أفغانستان ضد السوفييت (كارتر وبريجنسكي) والبلقان (كلينتون).
نأتي الآن إلى النقطة المشينة. أول رد فعل لدى كل عربي أو مسلم يقرأ النص الكامل لتقرير هيرش، هو تذكّر كل التاريخ الإمبريالي الغربي في الشرق الأوسط مكثفاً في كلمة واحدة: المؤامرة. وهي مؤامرة حقيقية من لحم ودم وليس من نسج خيالاتنا الشرقية المريضة، أنتجت احتلال مصر وتونس والجزائر في القرن التاسع عشر، وتقسيم المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، وإيران بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ضرب حركة التحرر الوطني الإيرانية بقيادة محمد مصدّق وحركة التحرر العربية بزعامة جمال عبدالناصر.
الآن، هذه الذاكرة تقفز قفزاً مع ما كشف عنه هيرش من جهود كثيفة تبذلها واشنطن لتفجير الوضع الإثني في إيران، واختراق حدودها وسيادتها، والعمل على تقويض كيانها بالعنف وقوة السلاح والاستخبار.
قد يقال هنا ان طهران تتدخل بدورها في شؤون دول عربية وغير عربية أخرى كالعراق ولبنان وأفغانستان وحتى باكستان. ربما كان هذا صحيحاً. لكن الصحيح أيضاً أن هذا التدخل دفاعي إلى حد بعيد، أو هو هجوم في معرض الدفاع من قبل دولة تتعرض إلى محاولات متواصلة لتغيير نظامها منذ العام 1979. ثم ان هذا التدخل، بغض النظر عن الموقف منه، يفترض أن يحل داخل الأسرة الإسلامية، لا أن يتم تكرار التجربة التاريخية الصفوية  العثمانية التي أدت حروبها إلى سقوط كل المنطقة في حضن الغرب.
تقرير هيرش الجديد كان جرس إنذار جديداً ليس فقط حول خطورة ما يجري الآن في إيران وحولها، بل أيضاً حول مدى التضارب بين الذاكرة والرغبة لدى شعوب الشرق الأوسط الإسلامي.
وإيران ليست سوى الحلقة الأخيرة من هذا التضارب الذي شارف عمره الآن على المائتي عام. وهذا، بالمناسبة، هو العمر نفسه للتدخل الغربي “المشين” في المنطقة.
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى