صفحات سورية

الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية السورية:إلى أين؟..

null
كان إصدار القانون رقم (10) في شهر أيار 1991 بمثابة الإعلان عن التوجه الجديد للسلطة السورية نحو سياسة الانفتاح و اقتصاد السوق .
بدأت الخطوات تسير ببطء ملحوظ في البداية ثم ما لبثت أن تسارعت و خصوصا في بداية القرن الحالي , ثم زاد تسارعها بشكل ملحوظ منذ العام 2004.
انسجم هذا التوجه مع تغير في البنية الطبقية للسلطة الناجم عن الإثراء غير المشروع و المترافق مع غياب الديمقراطية واحتكار السلطة , و الذي بدأ يزداد منسجما مع زيادة تأثير البيروقراطية الطفيلية و مشاركتها للبرجوازية الطفيلية , و أدى هذا التوجه إلى زيادة الهوة بين هرم النظام وقاعدته التي تتكون في غالبيتها من الفلاحين والفئات الوسطى في الريف والمدينة وشرائح من الطبقة العاملة:
و لم يكن ممكنا استمرار هذا الشكل المشوّه من التراكم الرأسمالي دون وجود نظام امني مسيطر يمنع أي احتجاج مؤثر, ويلجم النقابات , ويبعد السياسة عن المجتمع . وهو الذي شكل البؤرة المناسبة لزيادة نمو الفساد و سيطرته على مقدرات الوطن. ولم تُجد المحاولات التي جرت للحد من الفساد – بسبب الاحتجاجات التي ظهرت- و المنحصرة في اعتقال و محاسبة عدد محدد من الفاسدين في السلطة. لم تحد هذه الإجراءات من تفاقم الفساد لأنها توجهت للنتائج دون أن تضرب البؤرة المولدة للفساد و التي غدت الآن قوة هائلة تسيطر على مقدرات الوطن وتضرب بعرض الحائط ما يترتب على هذه السياسة من تأثيرات مدمرة على شعبنا السوري. و في مرحلة لاحقة بدأ الطفيليون يتجهون نحو تفتيت المؤسسات الاقتصادية في سبيل بيعها أو تملكها .
فقد بدؤوا بضرب القطاع الإنشائي الذي ساهم ببناء العديد من المنشآت الوطنية الهامة و درّب وخرّج كوادر وطنية كبيرة و بلغ عدد عماله 130,000 عامل . و كان ضرب هذا القطاع انعكاسا لقرار وقف التنمية من جهة، و تلبية لمطالبة المتعهدين لعودة السيطرة على هذا القطاع . وتزامن تنفيذ هذا التوجه مع زيادة أسعار التعهدات بشكل ملفت و غير معقول بلغت عشرة أضعاف عما كانت عليه عندما كان القطاع الإنشائي قادراً على المنافسة . وأدى هذا القرار إلى تراجع حجم العمالة. فقد سُرِّح من الشركات الإنشائية حوالي 100,000 عامل . و أتلفت أو سرقت مئات الآليات الثقيلة التي تقدر قيمتها بمليارات الليرات السورية . و نمت فئة محتكرة متداخلة مع أوساط واسعة من السلطة ، حيث يفسر هذا التداخل آلية إصدار القرارات الاقتصادية
و لم تجد كل المطالب الشفهية و الكتابية التي قدمتها النقابات و بعض أحزاب السلطة آذاناً صاغية للحفاظ على هذا القطاع
ثم انتقل النشاط نحو القطاع الخدمي . حيث سيطرت البرجوازية الطفيلية على قطاع الاتصالات ( الخليوي ) و احتكرته , و فرضت أسعاراً احتكارية على مستخدميه هي الأعلى في المنطقة العربية ومن أعلى الأسعار في العالم . و بفضل الانتشار الواسع لهذه الخدمة بلغت الأرباح التي يجنيها عدد محدد من محتكري شركات الخليوي دخل سورية من النفط تقريبا .
ثم تطور الأمر نحو الهجوم على القطاعات الأخرى و سيطرت هذه الفئة على قسم هام من نشاط موانئ سورية ومن المؤسسات الخدمية المختلفة . و بدأت إجراءات الهيمنة على القطاع الصناعي باتخاذ عدد من الخطوات منها :
1- وقف تحديث الآليات و المعدات في المنشآت الصناعية مما أدى إلى تقادمها وضعف إنتاجيتها , و تحملت المنشآت أموالاً باهظة في صيانتها التي أصبحت شبه دائمة
2- استمرار الدولة استرداد تكلفة المنشآت مما فرض على المؤسسات دفع قيمة المنشأة الصناعية مرات عديدة إلى صندوق الدولة
3- حصر القطع النادر بيد الدولة مما أفقد الشركات الصناعية المرونة في استيراد المواد الأولية اللازمة للتشغيل في الوقت المناسب و اضطرها لشراء المواد الأولية و قطع التبديل اللازمة من المستوردين المحليين بأسعار مضاعفة .
4- هيمنة الدولة على التسعير و إصدارها أسعارا لا تنسجم و أسعار السوق. فبعض أسعار المنتجات الحكومية كانت أعلى من أسعار نفس المنتجات في السوق مما أدى إلى تراكم المنتجات الحكومية في المستودعات, و تلف قسم كبير منها على حساب إخلاء السوق لصالح منتجات مستوردة من قبل التجار . و منها ما هو أقل من سعر السوق مما دفع التجار لشرائها و احتكارها و إعادة توزيعها بأسعار احتكارية في الأسواق.
5- تعيين مدراء موالين بغض النظر عن مدى كفاءتهم و تطابق اختصاصهم العلمي مع عمل المؤسسة التي يديرونها . و ضرب أي مبادرة يقوم بها أي مدير لإنقاذ مؤسسته بحجة عدم تطابق المبادرات مع الأنظمة و القوانين ، مما دفع الكادر الإداري إلى التأقلم مع هذا الواقع و العمل على الإثراء السريع عن طريق مشاركة القطاع الخاص المهتم بشركته.
كل هذه السياسات و غيرها أدت إلى تخسير منشآت قطاع الدولة .
و كانت هذه الخطوة الأولى لخصخصة القطاع الصناعي باتجاه إضعافه لإفساح الفرصة أمام البرجوازية الطفيلية للهيمنة عليه و على مجمل النشاط الاقتصادي.
و لما لم تستطع السلطة رغم جهودها المتواصلة بيع قطاع الدولة إلى القطاع الخاص عمدت إلى تأجيره , و قد قامت بتأجير المنشآت الأكثر ربحا للقطاع الطفيلي ….. و هكذا استثمر الطفيليون المنشآت التي تقدر كلفة إنشائها مئات مليارات الليرات السورية و يستثمرها الفاسدون الذين يجنون الأرباح الصافية دون دفع قيمة البنى التحتية ولا تزال الحكومة تسير بهذا الاتجاه بشكل متسارع .حسب بعض الإحصائيات …… و هكذا ساهمت سياسة الدولة في زيادة عدد العاطلين عن العمل الذي بلغ عددهم 2,5 مليون عاطل عن العمل و ساهمت هذه السياسة في زيادة دخل الطفيليين .
و في القطاع الزراعي : فقد أنتجت سياسة الحكومة مجموعة من كوارث متتالية نذكر منها على سبيل المثال عدداً من الفضائح التي أزكمت الأنوف.
ففي عام 2007 رفضت الحكومة استلام محصول القمح بحجة وجود مرض “البقعة السوداء” على الحبوب مما لا يسمح باستخدامها للاستهلاك البشري فباع الفلاحون محصولهم للتجار بسعر 6 إلى 7 ليرات سورية للكيلو غرام الواحد… بعد شهر من هذا القرار أعلنت الجهة التي أصدرت قرار المنع أن الحبوب خالية من المرض و اشترتها من التجار بمبلغ 10 إلى 12 ليرة سورية للكيلو غرام الواحد فربح التجار مليارات الليرات السورية سرقوها من جهد الفلاحين الذين خسروا أنتاجهم و تخلى قسم كبير منهم عن زراعة القمح. وفي نفس العام وبسبب احتكار التجار للحبوب ارتفع سعر كيلو غرام القمح في السوق السوداء إلى 30 ليرة سورية و أمن الطفيليون الكميات المطلوبة . و بسبب هذه السياسات تراجع إنتاج القمح من 4,7 مليون طن عام 2007 إلى 2,2 مليون طن عام 2008 . و تراجع محصول الشعير من 2 مليون طن عام 2001 إلى 527
ألف طن عام 2004 إلى 200ألف طن عام 2008 … و هذا يؤكد عجز الدولة و فشل سياستها في استقرار الإنتاج و زيادته.
و الكارثة الثانية هي التي أصابت مزارعي القطن بعد ارتفاع أسعار المازوت من (7 إلى 25 ليرة سورية). وكان قد صدر القرار في مرحلة إزهار القطن , و نتيجة لارتفاع تكلفة السقاية اضطر الفلاحون لإتلاف محاصيلهم و هجر قسم منهم قراهم إلى هوامش المدن , و خسر الوطن الذهب الأبيض و تكفل الطفيليون بالباقي و تراجع إنتاج القطن من 1,1 مليون طن إلى 600 إلف طن عام 2008.
و الفضيحة الثالثة كانت من حظ مزارعي الذرة الصفراء في العام الماضي أيضا , حيث رفضت الحكومة استلام المحصول مما دفع الفلاحين إلى بيع قسم منه للتجار بأبخس الأسعار . ثم عادت الدولة عن قرارها و استلمت ما تبقى من المحصول بشرط عدم المطالبة , و حتى الآن ينتظر الفلاحون أثمان محاصيلهم دون جدوى و من المعروف أن الذرة الصفراء تزرع في أخصب الأراضي و معروف أيضا مدى حاجة بلادنا إلى هذه المادة لاستخدامها كعلف للقطاع الحيواني (ماشية و دواجن) .
و المصيبة الرابعة ابتلى فيها هذه المرة مزارعو الشوندر السكري بعد أن وزعت لهم الحكومة بذوراً سيئة أدت إلى انخفاض إنتاجهم من حيث الكمية و النوعية , فقد بلغ إنتاج الدونم الواحد 300 كغ بعد أن كان 2 طن و من حيث درجة الحلاوة التي تراجعت من 14% إلى 8 % .
و كانت الضربة الأشد إيلاما بالنسبة للإنتاج الزراعي هي زيادة أسعار الأسمدة الناجمة عن تحريرها و تسليمها للتجار فقد قفز سعر طن سماد البوتاس من 12,000 ل.س إلى 57,200 ل.س و سعر طن سماد اليوريا من 9,800 ل.س إلى 18,000ل.س و سعر طن سماد السوبر من 9,80 إلى 23,900 ل.س ……..الخ .
بالإضافة للأسمدة فقد ارتفعت أسعار بعض المواد الأخرى بشكل كارثي مثل البذار فقد زاد

سعر طن بذار القطن مثلا من 1000 ل.س إلى 15,000 ل.س و هكذا .
و قد ارتفعت نتيجة هذه الزيادات تكلفة زراعة الدونم المروي الواحد 1350 ل.س إذا كانت تروى من النهر أو من أقنية الري , أما إذا كانت تروى من الآبار فإن خسارة المزارع أضعاف مضاعفة لم يعمل في الحد منها الانخفاض البسيط لسعر المازوت الذي أقرته الدولة .
و إذا علمنا أن فروق الأسعار المرتفعة تذهب للتجار بعد تحرير أسعار الأسمدة و غيرها و أن انخفاض سعر المازوت تدفعه خزينة الدولة نستنتج بسرعة أن الأرباح تذهب جميعها إلى الطفيليين من التجار و أن الخاسر الأكبر هم الفلاحون المنتجون و خزينة الدولة و هذه الخسارة ناجمة عن سياسة الدولة , و أن كارثة كبرى ستصيب الإنتاج الزراعي الوطني وأن أعداداً كبيرة من الفلاحين و أسرهم سيدفعون إلى البطالة و إلى هوامش المدن للعمل كعمال خدمات و أن مساحات واسعة من الأراضي ستخرج من عملية الإنتاج الزراعي.
و لم ينج الشق الحيواني من الكارثة , فقد انخفض عدد قطيع الأغنام من 22,8 مليون رأس غنم عام 2007 إلى 15,9 مليون رأس عام 2008 بخسارة 6,9 مليون رأس في عام واحد حسب المنشور في الصحف , و لم تستطع الدولة ؛ و لم تبذل الجهد الكافي لحماية القطيع و الحفاظ عليه فخسر المربون قطيعهم و ارتفعت أسعار اللحوم بشكل منع ذوي الدخل المحدود و المتوسط من الحصول على الحد الأدنى اللازم من هذه المادة الغذائية الرئيسية. وخسرنا في الفترة نفسها 500 ألف رأس من ذكور الماعز و الأبقار و تناقض هذا التراجع في الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي و الحيواني مع حاجة سورية المتزايدة للغذاء و الناجم عن الزيادة المطردة في عدد السكان .
و بالتزامن مع تنفيذ السياسات الاقتصادية بدأت تظهر بعض التشريعات التي تؤمن و تقونن الانطلاق نحو سياسة السوق و الإجهاز على كل المكتسبات السابقة ومن التشريعات التي اعتمدت :
-افتتاح سوق الأوراق المالية .
-صدور مراسيم تسمح لملاكي العقارات الزراعية و السكنية بإبعاد المستأجرين و المستثمرين مقابل تعويض 40%….
و هكذا فقد شرد و تشرد عشرات ألوف الأسر من الأراضي و المساكن في ظروف الأزمة الاقتصادية الخانقة و في ظروف تراجع الإنتاج الزراعي و في ظروف تدني الأجور بالنسبة للأسعار و في ظروف زيادة عدد العاطلين عن العمل
– صدر مؤخرا مرسوم يحدد نسب الضرائب المطلوب تسديدها لكل شريحة اجتماعية . وقد وفر هذا المرسوم مبلغ 50 ل.س شهريا على العاملين بأجر محدود ، ووفر من 50 ألف إلى 100 ألف ليرة سوري على الشرائح العليا من دافعي الضرائب
– تعمل الدولة على إصدار قانون العمل الجديد الخاص بعمال القطاع الخاص و الذي سيلغي -إذا صدر- كافة المكاسب التي حققها العمال خلال نضالهم الطويل و سيكون إذا صدر بنسخته الحالية سوطاً على العمال يستخدمه أرباب العمل .
-تتم مناقشة تعديل قانون التأمينات الاجتماعية بحيث يضطر العامل أن يغذي صندوق التأمينات 40 عاما بدل من 30 حتى يحصل على نفس نسبة الراتب التقاعدي الحالي أي 75%من الراتب مع الحفاظ على سن التقاعد أي 60 عام أي لن يحصل أحد على سقف الراتب التقاعدي و خصوصا من المختصين و الجامعيين . هذه بعض الخطوات الإدارية التي تثبت التوجهات الجديدة وقوننتها . و في المجال السياسي تابعنا عقد ندوات سياسية تعيد النظر بمفهوم “الاشتراكي” و تسوّق مفاهيم جديدة على شاكلة “اقتصاد السوق الاجتماعي” مما يؤمن الغطاء الأيديولوجي القادر على تسهيل النشاط الجديد .
و هكذا فإن أقساما واسعة من السلطة تتجه بشكل كامل سياسي و قانوني و إداري نحو خدمة الطبقة الجديدة التي تشكلت .
النتائج الاجتماعية لهذه السياسة :
– 2,5 مليون عاطل عن العمل مع زيادة سنوية تقدر ب 300 ألف يد عاملة جديدة تدخل سوق العمل.
– تراجع اجتماعي خطير في القطاع الزراعي شمل كافة فئات الفلاحين ووضع الإنتاج الزراعي برمته على شفى الانهيار الكارثي.
– تدمير القطاع الإنشائي و تخسير القطاع الصناعي و تسليمه للقطاع الخاص.
– احتكار قطاع الاتصالات ( الخليوي)
– تفاوت كبير بين الأجور و الأسعار .
– هجوم على مكتسبات العمال و الفلاحين عن طريق تعديل الأنظمة و القوانين الناظمة لعملهم و الحامية لمكاسبهم .
– الضغط على القوى السياسية المعارضة لهذا التوجه أو احتواؤها بأشكال التحالفات القائمة.
– الهيمنة المطلقة على النقابات و منعها من أي تحرك يعرقل هذا التوجه.
ماذا بقي للكادحين من الوطن سوى حفنة تستثمر أبناءهم أو تدفعهم إلى البطالة أو إلى خارج الوطن بأ بخس الأثمان .
إننا نؤكد أن طبيعة البرجوازية الناشئة (التي نمت في حضن السلطة) و شكل تراكم الثروة يتناقضان مع انتشار الديمقراطية ولا يسهل نشرها كما يفترض البعض، لذلك فإننا نرى أن تصعيد النضال ضد شكل التراكم الرأسمالي حاليا و العودة لتأمين سياسات تنسجم و مصالح العمال و الفلاحين و الكادحين و المنتجين والفئات الوسطى والمثقفين هما في صلب النشاط الديمقراطي . و أن النضال الموجه ضد الفساد و ضد النهب هو نضال ديمقراطي بطبيعته .
إننا مطالبون و كافة القوى السياسية الوطنية و الفئات المتضررة من هذه السياسة بالتكاتف و التعاون لإيقاف هذا التوجه الخطر على وطننا و مواطنينا عبر سلوك الأشكال السلمية القادرة على التأثير .
هيئة تحرير طريق اليسار
يصدرها تجمع اليسار الماركسي في سوريا / تيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى