صفحات سوريةنصر حسن

المعارضة السورية والحاجة إلى منهجية النقد !.

null
د.نصر حسن
إن صريح القول ومباشرته , يكشف حاجة موضوعية ملحة قوامها المصالحة مع مفهوم النقد على مستوى البنى الفكرية والسياسية السورية المعارضة , ناهيك عن أنه أصبح (أي النقد) مطلوباً على مستوى الحياة العامة في سورية بكل أشكالها ومفرداتها , وهو البوابة الرئيسة للإنتقال من واقع مريض إلى واقع معافى , واقع الأمان والتعايش والقيم الإنسانية والدخول على خط العصر والعيش فيه ,  حاجة ملحة بدايتها فتح نقاش وطني عريض وعميق لدراسة الأزمة التي تعيشها المعارضة السورية الممتدة أفقياً على كل فعالياتالمجتمع ,وشاقولياً لتطال أزمة السلطة والنظام السياسي الذي أوصل سورية إلى هذه الحالة الرثة وطنياً وفكرياً وسياسياً واقتصادياً وإنسانياً .
فليس خافياً دور النظام السوري  على إشاعة مفاهيم ” الطاعة ” والرضى والتصفيق لمنجزاته الواهية  التي أسسها الأسد الأب وورثها الابن وغاص فيها , ومارسها وكرسها في الحياة الوطنية وعممها على الشعب , ووقعت بعض أطراف المعارضة في سكونها وعطالتها ,ويبدو أنها تأقلمت مع مفرزات الديكتاتورية والفردية وغياب صيغ العمل الديمقراطي الجماعي الفاعلة والشفافة , مما طبع العمل السوري المعارض وعلى الأخص الخارجي منه بالضعف التنظيمي والسياسي والفكري ,الذي أنتج هذه الحالة الراكدة التي تطبع عملها ,والتي تفتقر إلى أبسط الصيغ المنهجية  المؤسسية في مقارباتها للخروج من الأزمة الخطيرة التي يعيشها الشعب وحيداً بين حدي قمع النظام المستشري وضعف العمل المعارض المتدهور باستمرار هو الآخر .

لكن ,ماهو مطلوباً بشدة هو الصراحة والجرأة والإرادة على التطوير , في ظل سيطرة الخوف وطغيان حالات السجال والفردية والمشاريع الشخصانية والمواربة ومحاربة الشفافية , وشيوع الرفض والقبول والانعزال والاصطفاف والقطع والتقطيع في أوصال المجتمع , ضمن ظروف إقليمية مخيفة بما أعطى الصورة الداخلية في سورية أبعاداً خطيرة , لازالت تسايرها بترهل بعض الأطراف التي تصدرت العمل في الإطار العام,  تغطي عجزها عن الفعل والعطاء وممارسة النقد والتطوير , بطبقة كثيفة من الشعارات والعموميات في إصرار غير مبرر على تعميم حالة العطالة السياسية , وإعاقة فتح أفق جديد في واقع الشعب المحاصر بكل مفردات حياته اليومية,  وفي كل آلامه المتزايدة وأحلامه المتلاشية ورغبته في الخلاص من مرارة حياته ,وتمتعه بالحد الأدنى من مقومات الحياة الحرة الكريمة  .
والحال بماهو عليه من مراوحة بعض أطراف المعارضة في عجزها وتفتتها أمام آلة قمعية متطورة ونشيطة تمثل النظام وتحدد وجوده واستمرار دوره على الساحة الوطنية والقومية والدولية , باتت الشجاعة الفكرية والسياسية امتحاناً للمصداقية الوطنية وأمراً ضرورياً على مستوى المعارضة قبل غيرها , وتمثل حاجة إسعافية إلى نقد بنيوي تنظيمي فكري سياسي لجملة هياكلها وبرامجها وآليات عملها وشعاراتها المرحلية والاستراتيجية , لتشخيص عوامل الخلل والفشل وتجاوزها للخروج من الأزمة المستحكمة ,  وتجاوز الاستعصاء والإرباك الحاليين اللذان يطغيان على ساحة العمل السوري المعارض .
فماهو السبب أو العائق الذي جمّد فعل أطراف المعارضة في عجزها ؟ وماذا تنتظر أطرافها في ظل التسارع والتدهور الدراماتيكي في حياة الشعب وسلوك النظام على المستوى الاقليمي والدولي ؟ وهل هناك من بوادر ما  لهز سكونها وتنشيط جريان  الدماء في عروقها من جديد ؟!.
لعل أقصر الطرق وأسرعها هوالإقرار بحاجة النقد و قول الحقيقة وممارسة  الشفافية ضمن خطورة الحالة التي يعيشها الشعب , والتوجه الجريئ والصريح إليه وإعادة تعريف العلاقة البينية بينه وبين  أطراف المعارضة لفهمها في سياقها الوطني الديمقراطي الحقوق إنساني , وأيضاً لفهمها عقلانياً يساعد على التحرر من سلطة الخوف والمواربة والازدواجية وانعدام الفعل والتأثير في الأحداث الداخلية , وهذا الاتجاه الذي يلخص تبني النقد البناء الجريئ البعيد عن التعجيز والتسطيح , والقريب من الشجاعة الفكرية والسياسية وتسمية الأشياء بأسمائها والخروج من بؤس الصمت السلبي ,وحده هو الذي يلبي حاجة الشعب ويقطع مع محرمات النظام وخطوطه التي انتقلت إلى بنى المعارضة وعقلياتها وآليات عملها , هذا التوجه وحده هو القادر على ضخ قيم وطنية حية جديدة في جسم المعارضة على طريق تكوين رأي عام فكري ثقافي سياسي حقوقي يشكل الحامل الموضوعي القادر على كسر الصيغ التي أربكت وكبلت العمل المعارض .
مرةً أخرى , ما الذي يفرض على سواد المفكرين والمثقفين والسياسيين هذا الصمت والسكون أمام مأساة شعب  يإن تحت سياط الجلاد وبسطاره ؟!.
فإذا كان مفهوماً وضع الشعب السوري ورموزه في الداخل ومعاناتهم  من قمع وسجن وتهميش وملاحقة وحصار وإذلال حتى لقمة العيش , لكن هذا لايبرر لأطراف المعارضة الخارجية هذه الحالة من النوم والسبات وعدم الفعل , فأطراف المعارضة الوطنية السورية  بعربها وكردها وكل شرائحها ,تملك تاريخاً وطنياً مشرفاً معروفاً يعطيها كامل الشرعية الوطنية للفعل والقيادة , أمام نظام هجين يفتقر إلى الشرعية الوطنية السياسية والديمقراطية , وحتى جدلاً فشل في تحصيل شرعية مكتسبة بأداء دور وطني ما !, أو التفاني في خدمة المصلحة العامة !, التي تعطيه بعض الصدقية الضرورية لكسب ثقة الشعب ومعها الثقة بالنفس والجرأة على مصارحة الشعب السوري وسماع رأيه في أمور خطيرة تخصه , من قرع طبول الحرب إلى عزف مزامير السلام!, وعلى الجانب  الآخر لازال الفعل المعارض في حالة مقيتة من الضمور والقصور , حالة لايفسرها سوى غياب النقد وعدم تقبله مفهومياً وسلوكياً , لأنه ( أي النقد ) لازال في وعي البعض منهم كما في وعي النظام  , أنه هجاء لرموز تعلمت على المدح والثناء , وكشفاً شفافاً لعورات تمرست على التمويه والاختفاء , وتوضيحاً لمواقف رموز تعلمت على الباطنية والتمثيل والتبجيل والإختباء.
واستطراداً , إن بقاء سواد المعارضين أسرى لشعورهم , بأنهم أعضاء شرف في هياكل معارضة شكلية تحرص على ظهور الصورة جميلة خارجياً ,وبالشكل الذي لايليق انتهاك حرمتها القيادية وجرح كبريائها الشخصي , , ويبطن الخوف من رهاب النقد وبالتالي التقوقع حول المصالح الفردية والذاتية , وعدم القدرة من الدخول إلى ساحة العمل العام بقيمه وأفكاره ومحدداته الوطنية الديمقراطية الشفافة الجريئة , الذي يعكس بدوره ضمور شعور الانتماء إلى بنى وطنية فكرية ثقافية سياسية تنظيمية حركية تمثل الواجهات  الحقيقية لمجتمع مدني سوري .
والحال كذلك يفرض على أطراف المعارضة تبني قول الحقيقة إلى الشعب والخروج من قوقعة النظام الفردي والتفكير الفردي ورغبة سماع ماتريد , إلى ساحة العمل العام بمايمليه من أخلاقية قول الحقيقة كما هي لاكما يريد الآخرون سماعها , ولعل غياب منهجية النقد هو أحد أهم الأسباب في تعميم حالة العطالة والفصام السياسي الذي جعل بعض أطراف المعارضة ومعها بعض النخب تمارس خطابين متناقضين سري وعلني , حقيقي ومستنسخ , يؤكد ذلك توقف تطور بنيتها التنظيمية وهشاشة فعلها السياسي ولبس علاقاتها البينية وضعف موقفها العام أمام النظام , باستثناء بعضها ومنهم شجاعة أطراف المعارضة الداخلية  متمثلة بإعلان دمشق ومعه الحراك المدني الديمقراطي , استثناءً في شفافيتها وعلانية وصراحة موقفها الوطني , وتحمل مسؤولية ذلك بجرأة أمام الشعب والنظام معاً.
إن شعور الواجب المنطلق من احترام كل جهد وطني ديمقراطي يصب في مصلحة الشعب , يملي على كل من يتصدر العمل العام نقلة نوعية في طريقة التفكير والتنظير ووعي الحاجة إلى خطاب وطني صريح , خطاب واقعي عقلاني جديد مؤسس على سياسة المراحل في الأهداف التي هي وبحكم التجربة أنجع السياسات وأقلها كلفة وأكثرها مصداقية , خطاب يعيد الشعور بالثقة لدى الشعب بمكاشفته بأن مصيره في يده , وفي أيدي وعقول وضمائر مسؤولة قادرة على العمل والنقد والتصحيح , واشتقاق خطط وبرامج سياسية عملية ممهورة  بفعل ملموس على طريق تنفيذ أهدافه , بدل المراوحة المملة في المطالبة الشكلية العاطفية بالتغيير , والألفة مع الجعجعة اللفظية ( الديمقراطية ) التي  لاطائل من ورائها , والتي تتغذى وتغذي الآمال والأحلام والأوهام , ولاتسفر عن فعل حقيقي ملموس في حيات الشعب اليومية  , ولاتساعده على التخلص من الاستبداد واسترجاع حقوقه وكرامته الإنسانية  والتأسيس لمستقبل جديد.
إن غياب النقد وافتقارالشجاعة السياسية لدى بعض أطرالمعارضة طال كثيراً وبدون مبررات موضوعية ,فكأنها نكثت وعودها , وأوقفت دورها وأخْلَََت مكانها للنظام وأدواته الأمنية التي تمارس بوقاحة أبشع صور الاضطهاد والتنكيل والاعتقال برموز الحياة المدنية الديمقراطية في سورية ,والتي قادت الشعب من فاجعة إلى أخرى و سورية من نكبة إلى أخرى.
الأمر لايتطلب إنتظار بطلاً مفقوداً …بل يقتضي الحضورالسريع من أطراف المعارضة الوطنية ورموزها في قلب المعادلة الداخلية والدولية ,وأن (يغامروا ) ببعض نرجسيتهم ومتعتهم ويتخلوا عن بعض فرديتهم بقبول النقد البناء ,وتبني خطاباً سياسياً جريئاً يضع أسساً وحلولاً  ولايضيف عللاً ومعلولاً…
والواجب الوطني يفرض على اللذين تصدروا العمل العام , والداعين إلى التغيير الوطني الديمقراطي السلمي  , واللذين وعدوا الشعب السوري الغارق بالظلم والظلام بإشعال شموع الحرية  , أن يتحلوا ببعض الاتساق الوطني ,وأن يتحركوا ويشفعوا أقوالهم أفعالا …فإن الذي يجري في سورية من انتهاك مروع للكرامات وكسر الإرادات ,وتفريط  مهين بالتاريخ والجغرافيا والإنسان, يحرك حتى الحجر..!.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى