صفحات الحوارهالة العبدالله

هالة العبدالله: فيلمي عن نساء يرغبن بقول الالم والحزن لكن حيواتهن اليومية لا تسمح لهن

null
عملها انا التي تحمل الزهور الي قبرها عرض في لندن ضمن مهرجان سينما المرأة وحاز علي جوائز مهرجانات عديدة

قدمت هالة العبدالله فيلمها انا التي تحمل الزهور الي قبرها ضمن مهرجان سينما المرأة: من طنجة الي طهران بلندن. الفيلم اخراج مشترك لهالة وعمار البيك وقد لقي قبولا كبيرا في اغلب المهرجانات السينمائية التي شارك فيها، فنال جوائز في مهرجانات البندقية وروتردام ودبي.

الفيلم قراءة شخصية عميقة في حيوات ثلاث نساء متقاربات في العمر ومتشابهات في المصائر مع اختلاف في التفاصيل. تقول هالة ان الفيلم كان انجازا لأفلام عديدة فكرت واشتغلت عليها، وانها اكتشفت مسارا خاصا أخذها لم تكن تتوقعه. عنوان الفيلم مستمد من قصيدة للشاعرة السورية الراحلة دعد حداد. الفيلم يحفر بعمق في تفاصيل شخصياته، واقوالهم ووجوههم، لنكتشف روابط عميقة بين المتناقضات والزوايا الحادة التي تستكشفها كاميرا التصوير، من السؤال المتفحص لشخص يعمل علي اعادة الايقونات الي حالتها الاولي فيبين عرق الذهب ، الي عاملة تبغ لا نستطيع رؤية وجهها ولا نفهم سبب حزنها، الي عودة المنفيّ الي بلاده، مرورا بقصة صبيّ ظلّ وحيدا علي جزيرة وامرأة اختبأت في عباءة شخص فأنقذها من ابادة تعرض لها كل أهلها.

رثاء للنفس واحتفال متكابر بها. حزن علي سنين ضائعة وتطلّع الي مستقبل اجمل. توق جنوني ومالينخوليا. عناصر تؤرق وتشغل النفس وتلمس روح المشاهد.

التقيت بهالة العبدالله في لندن وتساءلت معها عن عملها:

لماذا اخترت الابيض والاسود كألوان لفيلمك؟

خيار الابيض والاسود كان اقتراحا من عمار البيك اثناء المونتاج. كان حلا لمشاكل لها علاقة بتنوع لحظات التصوير لأنه لم ينتج في شروط تصوير مثالية بالنسبة للكاميرا او لأماكن التصوير او لغير ذلك.

اختبار الابيض والاسود له علاقة بالضوء والكاميرا ويعطي نتائج مختلفة ضوئيا ولونيا. لقد وجدنا بصريا مواد مصورة بشروط تقنية او روحية مختلفة. كانت الفكرة هي توحيد كل هذه الاختلافات وعندما نفذنا الفكرة وجدناها قد خدمت روح الفيلم من الناحية الدرامية واضافت عنصرا ايجابيا عليه.

هناك مصطلحات متنافرة يقوم عليها عنوان فيلمك: الزهور والقبر والمسافة بينهما. ما هي الدلالة التي اردت نسجها من هذه العلاقة الاولية في العنوان، ام ان ذلك مجرد رغبة في استخدام هذا الجو الشعري من القصيدة ومن حياة وموت من كتبتها؟

المشروع كان له عنوان آخر: استطلاع الحب والموت، والاستطلاع هو كلمة تقنية مرتبطة بالعمل السينمائي يقصد منه البحث عن امكنة للتصوير. كان هناك رغبة بتثبيت طبيعة الفيلم وهي البحث عن اماكن للتصوير من خلال عنوانه. بعد ذلك صار لدي احساس بانني اريد ان اقوم بمحاولة متواضعة لتكريم دعد حداد، فأحسست انني اعطيها بهذه القصيدة موقع الملكة في الفيلم، احسست انني اعطيها تاجا لأضعه في فيلمي. هذا كان الشعور الاول: ان اتوج الفيلم بهذا المقطع.

كانت لدي رغبة ان تكون دعد تاج الفيلم، وقد احسست ان هذا العنوان فيه نوع من التحدي والمفاجأة للمتفرج لأنه ليس عنوانا سهلا او قصيرا. عنوان فيه مجازفة. المتفرج قد يملّ قبل ان ينتهي منه، وممكن ان يثير فضوله لأن فيه استفزاز وتحد في العمق. الجملة غنية بشكل غير محدود ـ كما يقول نزيه ابو عفش ـ في الفيلم فبقدر ما يحاول المرء ان يحكي عن هذا السطر الشعري بقدر ما يستعصي عليه استيعاب معانيه. انه يشبه كثيرا ما اردت قوله في الفيلم عن العلاقة بين الموت والحياة والالم والفرح والبياض والسواد وكل هذا الشيء يرتبط بهذا الانسان الذي لديه اقدام علي الحياة رغم الموت. وجدت هذا موجودا في الفيلم والشخصيات الواقفة علي حد ناعم بين الاسود والابيض بين الالم الذي قد يؤدي للموت والرغبة في الحياة والمشي رغم ان المشي قد يؤدي الي القبر.

هل تعتقدين ان العمل علي الفيلم كان موجها بطريقة لاشعورية رغم محاولة الوعي بالتفاصيل من خلال التركيب والمونتاج وترتيب اللقطات لتؤلف وحدة مكتملة؟

تشكل لدي احساس مع نهاية الفيلم. احساس غريب جدا وكما يقولون ميتافيزيقي . احسست كأن الفيلم كان موجودا وكنت انا اكتفي باللحاق به. كان هناك شيء مركّب داخلي او خارجي وكنت انا فقط يُملي عليّ ما افعله! من ذلك مجريات حضور عمار البيك ويوسف عبدلكي في الفيلم.

الفكرة كانت جمع عدد من الافلام التي لم انجزها في فيلم واحد. لم اكن افكر بشيء عن يوسف، لكن عندما بدأ عمار البيك بالعمل علي فيلم يتحدث عن يوسف بدأت انا، ودون وعي مني ودون نوايا مسبقة بتحريضه علي تصوير لقطات دخلت فيلمي مثل لقطة عودة يوسف الي سورية، وعندما بدأ عمار بالعمل علي يوسف واقترح دمج ما انجزه عن يوسف في فيلمي بدأت احس ان هناك طاقة غريبة ترسم الخط الداخلي للفيلم ونحن مشغولون فقط بملاحقتها.

كان هناك اشياء كثيرة غير مكتوبة وجدناها كأنها من صلب الموضوع وهي وجدت بطريقة عفوية ولا ارادية.

العمل الفني موجود داخلك وانت تساعده علي الولادة. اشياء تتراكم داخلك مثل جيب صغير ثم تفتحه فيخرج منه العمل الفني.

هناك لقطة في معمل للتبغ بمدينة اللاذقية عن المرأة التي لا نري وجهها ولا نسمع صوتها جعلتني اربط الحالة بدعد حداد، كما يجمعها شيء بالنساء اللاتي شاركن في الفيلم فرغم انهن حكين ورأينا وجوههن، فهل عاملة التبغ هي انت ايضا التي تحدثت باصوات غيرك ثم تجرأت وحكيت؟

هناك كثيرون لم يحبوا لقطات معينة في الفيلم وهذا طبيعي، كما يجدون اشياء يعتبرونها غريبة او نشازا، ومقطع عاملة التبغ هو اكثر المقاطع التي علقت الناس عليه واعتبروه نشازا. اللقطات هي احد الافلام التي اردت عملها. انا لم اره نشازا فأنا اري نفسي في هذه المرأة التي كانت تحرك شفاهها ولم نسمع صوتها بسبب ضجيج المعمل.

انا هي وهي كل نساء المنطقة ونساء العالم اللاتي اري ان لديهن رغبة بقول الالم والحزن لكن حيواتهن اليومية لا تسمح لهن.

تطرقت ايضا لفكرة السماح لنفسي بالحديث عبر الآخرين. انا كان عندي شيء من الحياء وافتقاد العادة علي الحكي عن مشاعري. انسحاب الانا لدي جاء من التربية المنزلية المتقشفة التي عشتها، كما انني كنت صغيرة عندما التزمت سياسيا وكان بندا اساسيا في التفكير الحزبي ان تكون مع الجماعة وان تنسي فرديتك وهذا كان نموذجا سائدا، وكنت اطبقه بعلاقتي مع نفسي لذلك لجأت للحكي عن المي من خلال الآخرين وذلك ضمن كادر اساسي هو اننا جميعا مررنا بنفس المشاكل والتحديات وبالتالي لم اختلف عن الاخريات، كما اننا نكمل بعضنا بعضا في الطرق المختلفة للتعبير وردود الفعل. نحن متكاملات ونعمل كصوت واحد. انا هن وهن انا.

الحوار بيني كل واحدة منهن وبيني كان قائما علي كادر ضيق حين العين بالعين مما يخلق احساسا فيزيولوجيـا بنوع من الاندماج وكنت لا اعرف ان كنت انا اسألها وهي تجيبني ام هي تسألني واجيب بحيث صرنا عجينة واحدة وصوتا واحدا، وهذا له علاقة باحساس المشاركات الذي اعطاني ثقة حيث شاركن بالحوار رغم غموض النتيجة وطبيعة العمل بحيث تحول لمونولوج لشخصين.

اعود لمسألة الابيض والاسود التي اعتبرتها اقتراحا من شريكك في الاخراج لحل مشاكل تقنية، مع ذلك فقد تشكّل لديّ اعتقاد ان هناك خيطا واصلا بين فيلمك وكونك زوجة ليوسف عبدلكي، باعتباره فنانا تشكيليا محترفا، فالكثير من لقطات الفيلم تحمل عناصر تشكيلية مثل اللقطات الطويلة التي تكاد تجمّد الصورة وفي زاوية الكاميرا وتنقّلاتها وفي تفحّص الوجوه والاشكال واعادة تشكيلها (لقطة تظهرك علي المرآة ثم تظهرك بشكل آخر) الي آخر ما يمكن لعين المشاهد ان تلتقطه من تشابهات، ما رأيك بذلك، وهل اضافت علاقتك الزوجية تأثرا تشكيليا انعكس في فيلمك؟

هناك نقطتان لمقاربة هذا الموضوع: بمرور 03 سنة من هذه العشرة مع فنان تشكيلي من المؤكد انه صارت لدي فرصة كي تصير العلاقة مع اللوحة جزء من حياتي اليومية. بالنسبة لشخص آخر يمكن ان تكون زوجة لفنان ولا تتأثر. انا كنت معنية بتجربة عبدلكي بالمتابعة الروحية والدرامية للعمل اضافة لوجودنا بباريس الذي سمح لنا بمتابعة نشاطات تشكيلية بشكل مستمر. كان هناك تفضيل دائما لزيارة المعارض والمتاحف اكثر من فعاليات ثقافية اخري كالمسرح، ومن الناحية العملية التنفيذية هذا يسمح لك ان تتابع وتشاهد مما يؤدي لتراكم باطني او سري لا تستطيع ان تترجمه بطريقة تشكيلية لانني لا ارسم بل اشاهد. هذا يهذب العين ويجعل طبقات لديك ترتبط بالكادر ويهذب العين ويربيها بطريقة ما.

من الناحية الثانية، من ناحية المواضيع، اي موضوع اريد ان اشتغل عليه يستحيل الا يتقاطع مع شغل يوسف لأننا مرميان في نفس البئر. نعيش في الغربة ويشغلنا نفس الاهتمام بالبلد ومصير الناس، ولدينا تاريخ مشترك له علاقة بتجربة النضال السياسي والسجن. مواضيع تجمعنا وعندما نعبر عن هذه المواضيع نعبر بطريقة مختلفة لكن هناك قرابة.

فكرة الابيض والاسود توحي، للوهلة الاولي، بتأثير ليوسف، لكنها اقتراح من عمار. عمار اشتغل علي عدة افلام ابيض واسود. لم اكن اعي هذا الموضوع عندما بدأت بتصوير الفيلم. هناك شيء باللاوعي يؤدي لانجذاب غير مفهوم نحو حلول معينة. عمار شاب صغير وقادم من سياق مختلف، لكننا وجدنا اشياء مشتركة في العمق فقد انجذب الي شغل يوسف وكان يريد عمل فيلم عنه. هناك تقاطعات لكنها غير مدروسة.

هناك عناصر تتجادل وتتنافر في الفيلم بداية بالبياض والسواد، الصمت والحكي، القبر والزهور، سكون الكاميرا وحركتها، القلق الداخلي والسكينة.. هل تقصدت هذه التنافرات لخلق تأثير درامي ام لخلق حدود بين الاشياء والالوان والمشاعر.. ام بالعكس لكسر هذه الحدود؟

سؤالك يخلق سعادة عندي لأن الفيلم يطرح سؤالا يشبه الشعر، لأنه بنفس الوقت فيه صور وشعر، فيه حياة. أسعد عندما أسمع بحصول هذه الانطباعات. هو حدود وكسر حدود، محاولة بناء ومحاولة هدم، اخلاص لكل ما تعلمته خلال 52 سنة سينما وركل لكل ما تعلمته. انصات وصراخ. هو تماما هكذا، هو سباحة في الحياة، لست اخترع شيئا بل ارمي نفسي بالحياة بكل محبة وبكل رغبة ان افتح صدري لتخرج كل هذه المشاعر في هذا الخليط العجيب. اضافة لهذه الاشياء المتنافرة والمتقابلة فيلمي شخصي جدا وبنفس الوقت معمول من قبل شخصين. شخصي اي ذاتي. انه عن نساء وعن علاقتي بالحياة ولكنني صنعته مع شاب. هو شيء له علاقة بطريقة سرد رغبت فيها تتناقض تقنيا مع كل ما يمتلكه عمار، وبشخصيته وعلاقته بالعمل الفني. الذي لا يعرفنا لا يعلم اننا متناقضات كثيرا في الحياة. انا مثلا اضغط اناي الي الوراء اما هو فأناه متقدمة. هناك غليان من الاشياء المتناقضة والمتنافرة. بالنسبة لي التحدي الجميل والممتع والسباحة في يم الحياة. شيء بين الغرق وبين الولادة.

هل يمكن اعتبار غيابك 02 عن انتاج اول فيلم خاص بك نوعا من الظلم لحق بك نتيجة عقلية التضحية وارجاع الانا الي الخلف في الوقت الذي كان فيه زوجك ينتج ويعبّر عن نفسه فنيا؟

اشتغلت كل هذه السنوات مع آخرين. كنت اساهم مساهمات سطحية او سريعة او عميقة او جذرية او تستمر سنوات من عمري. الناظر لي من الخارج قد يفكر قائلا: يا حرام. امرأة مظلومة اعطت عمرها للآخرين. ليس لديّ هذا الاحساس. كانت عندي دائما طريقة خاصة بالعمل. لا استطيع الشغل بشكل عابر مهما كان المشروع بسيطا. يتحوّل المشروع الذي اعمل عليه الي مشروع حياتي. هذا ليس ظلما او هدرا للطاقة. بالنسبة لي كانت تلك متعة لا نهائية وكانت مدرسة كبيرة فيها عطاء واخذ مستمرين.

نفس الامر مع يوسف. ليس سهلا ان تكون مع فنان لفنه اولوية قصوي في حياته وموجود في الغربة فاذا كنت حريصة علي فنه وعلي هذا الانتاج وعيشة بشروط نسبيا معقولة كانت عليّ مهمة ان اكون سندا له ومتفهمة لحاجته وتفرغه لفنه. هذا ليس فيه ظلم. هذا شيء اقدمه لهذا الشخص بمحبة وهو شيء ايجابي.

من ناحية اخري فان يوسف ليست لديه نوايا سيئة ولا يعتقد ان المرأة يجب ان تكون اقل من الرجل. صحيح ان عمله يأكل الاخضر واليابس لكن هذا برضاي وقناعتي ولست نادمة عليه.

اقتراب الكاميرا الشديد من الاشخاص في الفيلم يبدو محاولة للالتصاق والتجزيء ولكنه قد يعني محاولة للمحو ايضا، ما هو تفسيرك لاستخدامك هذا للتصوير؟

لم افكر بالمحو. يمكن ان تكون الفكرة صحيحة ضمن معادلة الايجابي والسلبي. الشيء ونقيضه. افسر ذلك برغبتي بالاندماج بهؤلاء النساء بحيث نصير شخصا واحدا وصوتا واحدا او مونولوجا واحدا.

كان عندي ايمان بان الكادر الضيق هو تماما كما الدخول بتجاعيد الآخر تحاول ان تشمه وتلغي المسافة معه.

الهواء الذي بيننا يقلّ لنصل الي مساحة اكبر من الاندغام. يمكنني ان اعتبر المحو هنا محوا للخارج والغرق بالداخل وكذلك محاولة محو ما هو عام واقتراب من الذات اكثر. محاولة لمحو الضجيج الخارجي وانصات للصمت الداخلي.

التقاها: حسام الدين محمد

06/03/2008


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى