صفحات سورية

الإنسان السوري والبلاء الأعظم…!؟.

null


نوري بريمو

يعاني غالبية مواطني بلدان معمورتنا المبتلية منها بأنظمة ديكتاتورية من صعوبات جمـّة ومشاكل عويصة وبلاوي كثيرة متعددة الأشكال والألوان والأوزان الخفيفة حيناً والثقيلة أحياناً…!؟، لكنّ الإنسان السوري بحكم مقهوريته الحالية ينفرد في معاناته لا بل إنه يتميّز بمعايير وأوزان كثيرة عن باقي أقرانه بمواجهته لطبائع إستبدادية فريدة من نوعها
على صعيد دول الجوار ومنطقتنا الشرق أوسطية والعالم…!؟، فهو يعاني من البلاء الأعظم الذي بات يشكـّل هاجس الرعب الأكبر لديه والذي يكمن بابتلائه بسلطة فوقية جائرة تستمد وجودها من خطاب دوغمائي وقوتها من مرتكزات بعثية تتمترس وراء سطوة أمنية قابعة على الصدور وحابسة للنفوس بموجب حالة الطوارئ والأحكام العرفية المفروضة على البلد منذ عقود عديدة متلاحقة…، أي منذ ذلك اليوم الانقلابي الذي أعلن فيه حزب البعث نفسه سيداً مطلقاً لا بل شِراكاً لا شريك له على مؤسسات الدولة والمجتمع السوري الذي أمسى مجمـَّعاً استهلاكيا بائس الحال وخائر القوى وفاقد الحيلة بين مخالب القبضة الأمنية الجائرة التي لم ولا ترحم أي معارض للنظام أو حتى مجرّد معترض على أية سياسية أو موقف أو هفوة قد يقع فيها أولي الأمر الذين لا يرأفون بأي مواطن قد يعلق بين أيديهم الطائلة التي بإمكانها أن تطول خلال برهة زمنية أي إنسان في أقاصي البلد أو أدانيه لمجرّد الاشتباه باهتمامه بالشأن العام أو بضلوعه في قراءة نشرة حزبية سريّة أو مشاركته في ندوة ثقافية أو حضوره لأمسية شعرية أو مناصرته لجمعية حقوقية أو تأييده لحزب سياسي يدعو للتغيير الديموقراطي…!؟، ما أدى ويؤدي إلى خلق أجواء مرعبة تهيمن بشكل إسطوريوي على مخيلة المواطن في يقظته المفقودة وأحلامه البساط رياحية التي تأخذه دونما أن يدري بذاته إلى غياهب وسكَرات قصص وحكايات أيام زمان التي كنا نسمعها عن الأغوال التي كانت جداتنا تحيكها وتحكيها لنا لتخيفنا بها كي يهدأ حراكنا وتنكسر شوكتنا لنتعقـّل ونلتحف بفراشنا ونركن إلى نومنا دون أي امتناع أو أية مشاغبة مزعجة للآخرين…!؟، وكما كانت الأغوال حينها توصَف لنا بأنها كائنات ضخمة وشرّيرة وذات أشكال مختلفة وألوان قاتمة وأسماء عديدة كالغول الأسود أو الأزرق أو الرمادي أو غير ذلك…، ومثلما كانت أشباحها تلاحق براءة طفولتنا ليلاً ونهاراً وخاصة لدى مرورنا بمقربة من الخرابات أو التـُرَبْ (أي المقابر) الكئيبة التي كانت تجعلنا نفزع ونسرع بخطانا أو نهرع ونركض هرباً من المخالب الخلّبية للغول الأسود اللعين الذي كان يتبادر لنا بأنه قد ينقض علينا وينهش لحمنا في حين غرّة غادرة…!؟.

وإذا تركنا الخيال جانباً وعدنا إلى وصف واقع حال الذي يعشه الإنسان السوري الفرد…!؟، وبعيداً عن منطق التجنيّ وبغض النظر عن مدى دقة التشبيه ما بين تلك الأغوال الأسطورية الخيالية التي لطالما حاصَرَت طفولتنا وقبضت على قلوبنا الصغيرة وأرعبت نفوسنا البريئة وبين هذه الأغوال البشرية الحقيقية التي تحاصرنا وترهبنا وتعكـّر صفوة حياتنا الآدمية كمواطنين يحق لهم التنعم بالعيش الحر في بلدهم…!؟، فإنّ أجهزة الأمن السورية قد باتت تشبه تماما تلك الأغوال…!؟، فأجهزة المخابرات الطاغية بشكل أخطبوطي على ربوع وأهل بلدنا هي ذات أنواع وأشكال وأساليب وأسماء تختلف مع اختلاف أدوارها وحسب الأمكنة السورية التي تغتصبها…!؟، وهي ذات إمكانيات سعوروية لا حصر لها كي يصبح بإمكانها أن تلاحق وتستدعي وتعتقل أي إنسان أينما كان وحيثما حلّ وكيفما فكر وقام وقعد أو مرّ بالقرب من مقراتها المنتشرة في كل ركن أو زاوية في المدينة أو الحي أو القرية أو في البيت الذي يُعتبَر أصغر خلية مجتمعية قد لا تخلو في سوريا من شوائب أمنية تسعى لتغزوها من ثقوب أبوابها ونوافذها بدون أي إذن أو دستور وبلا أي إحترام لأية حرمة عينية أو معنوية…!؟.

ولما كانت الأحوال تسير وفق هكذا منحى مقلق…!؟، فإنّ من حقّ الآباء والأمهات في بلدنا أنْ يجدوا أنفسهم مجبَرين على أن ينصحوا أطفالهم بعدم النطق بأي كلمة خارج نطاق الخطاب الموالاتي المسموح به…!؟، والأطفال بدورهم يسمعون من معلميهم مراراً ومن زملائهم تكراراً مقولة باتت مشهورة للغاية وهي: احذروا الجدران لأنّ لها آذان…!؟، ما يعني أنّ أي مكان جماعي (أسرة، مدرسة، معمل، دائرة، محكمة، ملعب، شارع، مشفى…) في البلد لا يخلو من وجود ثمة جواسيس ودسائس أمنية متربصة بكل شخص تراوده نفسه الإنسانية الطموحة نحو حياة أفضل بأنْ يبحث همومه وشجونه وعـوَزه مع الآخرين أو أنْ يبوح بسرّه أو يفشّ بقهره كما يُقال في الأوساط الشعبية التي باتت مرتعاً خصباً لدوريات الإستخبارات ولمفسديها الذين يعربدون وسطها ويرفعون تقاريرهم كما يرغبون وبمَنْ يشاءون دون أي رادع سماوي أو وضعي يُذكـَر.

وبهذا الصدد…، فإنّ مصداقية ما نكشفه من حقائق عما يجري في بلدنا من إنتهاكات فظـّة لحقوق الإنسان بشكل عام ولحقوق الشعب الكوردي بشكل خاص، تكمن في ما شهدته ماضياً وتشهده حالياً سجون سوريا من إجحافات ومظالم تقمَع يومياً حرية آلاف معتقـَلي الرأي والضمير على خلفية اهتمامهم بالشأن السياسي العام…!؟، ولعلّ الشاهد الأكثر دلالة على ما نقوله هو ما تقوم به الإستخبارات السورية حالياً من جرائم قتل وحملات ملاحقة وإعتقالات طالت وتطال المئات من مواطنينا الكورد والعشرات من قيادات إعلان دمشق المسالم الذي يمضي في مسيرة التغيير الديموقراطي رغم اصطدامه اليومي لا بل اللحظي بالسطوة الأمنية لا بل بالبلاء الأعظم.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى