الرئيسية » صفحات الثقافة » صفحات ثقافية » الثقافة الصينية: الأدب والرقابة

الثقافة الصينية: الأدب والرقابة

null
صوفي لوبوف
ترجمة: نبيل أبو صعب
انقضت عشرون عاما منذ أحداث ساحة تيان آن مين. وما زالت إمبراطورية الوسط تزدهر داخل شيوعيتها متصلّبة الجلد. وفي حين تُذّكر الألعاب الأوليمبية بغياب حرية التعبير وحقوق الإنسان فإنّ مجلة EVENEالفرنسية تناقش مسألة تكيّف الكتّاب الصينيين في مواجهة الرقابة.
لازال شبح الثورة الثقافية يحوم فوق الصين. فالرقابة، الحاضرة في كلّ مكان، تحّد من مجال حركة الكتّاب. وموضوعات تمسّ الحزب الشيوعيّ، والتيبت، واستقلال تايوان والجنس، والمخدّرات، والدّين مازالت مستبعدة تماما. ورغم هذه القائمة المحظورة فإنّ الكتاب الصينيين يتابعون تألّقهم داخل حدود بلادهم وخارجها. ومقابل عدم تفهم الغرب المستعدّ دائما للتلويح براية حرّية التعبير، فإنّ المثقفين الصينيين يتكيّفون مع هذا الوضع الذي ربما يكون أكثر قابلية للتطريق مما يبدو عليه .
الرقابة قبل كلّ شيء
عنيت السلطات الصينية والحزب الشيوعيّ دائما بتكميم أفواه المثقفين معتبرين الفنّ خطرا على عقيدتهم. فقد أهانت الثورة الثقافية، ذروة القمع، مثقّفي البلاد، وأبادت طموحاتهم. ومنذئذ، يضبط النظام الصينيّ كلّ شيء كي يتجنّب انفلات زمام الأمور من بين يديه.”فدرهم وقاية خير من قنطار علاج ” لذلك فإنّ الموضوعات الشائكة، السياسية والتاريخية ممنوعة في كلّ المطبوعات أيّا كان نوعها: كتب، مجلات، وسائل إعلام، انترنيت. فالسلطات تحلم دون شك بإعادة كتابة التاريخ: لذا يجب أن تصمت لكي تنسى. الكتاب إذن هو العدوّ رقم واحد في نظر النظام. لكن كيف يمكن منع الكتّاب من الكلام؟ عبر الرقابة بكلّ تأكيد.
تظهر هذه المطرقة البالية حاليا بطريقتين: عبر القاعدة الصارمة “بلا مشاكل”. فثمّة اتّفاق ضمنيّ يجري بين الكتاب والرقباء. فالحكومة تغمض عينيها، إذا لم يكن ثمّة هجوم مباشر، أو تشهير مباشر واسميّ، وتوافق على النشر، حتى لو تخطّى مضمون العمل شكله. إنه ميثاق مضمر، لكنّه معترف به. أما أين تكون الرقابة أشدّ تجذرا، فهو المجال الاقتصاديّ، ويشرح فيليب بيكييه صاحب دار نشر تحمل الاسم ذاته، متخصصة بنشر آداب الشرق الأقصى :” تمارس الدولة وصاية على دور النشر الحكومية، وقد احتكرت هذه الأخيرة حقوق أرقام النشر العالمية ISBNالتي تقوم ببيعها ثانية، وعبر هذا الاتّجار غير المشروع تتحكّم الدولة بما ينشر، ويضيف، كذلك تتحكم الدولة أيضا بالتوزيع الذي تمتلك أفضل نظام له”، خانقة بذلك دور النشر الصغيرة الخاصّة.
المدلول الخاطئ للأشياء
من حسن حظّ الكتاب الصينيين أنّ ثمّة حيلا تمكّن من إدانة وكشف بعض الأهوال التاريخية، ووصف مجتمع يعاني. إذ تضمن ” نظرية التجنب” كما يدعوها فيليب بيكييه، بعض الطمأنينة للكتاب. فهم يتمكّنون، عبر تجميل الواقع، من إدانة القمع، مستخدمين السخرية أو الترميز أو الواقعية الخيالية. وهكذا فإنّ مو يان  وكذلك يان ليانكه قد برعا في هذا الأسلوب مستخدمين ومفرطين في استعمال الاستعارة تحت سمع السلطات وبصرها. فهما ” عندما يشيران إلى الغيوم ليقصدا القمر” فإنهما يستخدمان القلم هناك في الموضع الذي يؤلم. وهو تقنية فعّالة في نهاية المطاف لأن لا أحد يخدع، فالكلّ يقرأ والكلّ يفهم. ويخلص فيليب بيكييه إلى القول:”حين يجري استخدام تقنية الالتفاف فإنّ الكلّ يخرج سالما “.بالتوازي مع ذلك فإنّ الكتاب الصينيين، ومنذ الثمانينات، يقومون بمراقبة أنفسهم بأنفسهم. فهم يعرفون الموضوعات التي يجب تجنّب الخوض فيها ولا يسعون إلى إظهار التحدّي بطباعة أي نصّ تحريضيّ. ونظرا لأنّ السلطات تقبل النقد المغطّى بكلام غير مباشر فقد تكيّفوا مع هذا الإجراء. يضاف إلى ذلك، فإنّ الكتّاب “الواصلين”، أي أولئك الذين باتوا معروفين الآن، يستطيعون الإفادة من شهرتهم. صحيح أنهم ليسوا بمنأى عن المسّ بهم، لكنه لا يجري إزعاجهم كثيرا فالغموض يكتنف العلاقات بين الكتاب والسلطات. فقد منع كتاب “خدمة الشعب” ليان ليانكه، العسكريّ السّابق، لأنه اعتبر مغاليا في نقده. ومع أنّ النسخ جميعها جرت مصادرتها، فإنّ الكاتب ظلّ يكتب وينشر شريطة أن يمتنع عن التحدّث في الشأن العامّ. وإذا ما سمح له بالحضور إلى فرنسا للتحدث عن كتابه، فإنه قد لن يتمكن من العودة إلى الأرض الصينية. لأنه إذا تكلم فإنه سيبوح، وإذا ما باح فإنه سوف يُدين صراحة. تحت ظاهر الهدوء يصبح النّفاق الحاكم بأمره في هذا النظام الاستبداديّ.
أنا أراك، وأنت تراني
لكن لماذا لا ينتفض المثقفون، المجبرون على الاكتفاء بأنماط محددة من النشر؟ ينبغي، مرة أخرى، وضع الأمور في إطارها. فمنذ سنوات طويلة، يفرض النظام الصينيّ تربية عقائدية على السكان بهدف الحفاظ على السيطرة المطلقة، ويشرح جان جاك أوجييه، المدير السابق لدار نشر balland et p.o.l.” إن ثقافتهم تشكّل حاجزا صلبا جدّا لا يستطيعون الخروج منه. يتمثل أحد الأسباب في أن الكونفوشية قد عززت هذا الحاجز: إنها “حكمة” تعلم المرء بأنّ على المرء أن يظلّ هادئا، وأن يحترم العائلة والسلطة، أي السلطة القائمة، إنها، باختصار، تعلّم المرء أن يكون خروفا لا أن يكون ذئبا ” لقد أوصل النظام الصينيّ المواطن إلى أن يحبّ وضعه، دون أن يحاول فهمه. إنه المثال الأكمل لمفهوم جان جاك روسو الذي يؤكد في كتابه ” عن العبودية” بأنه ينبغي تحرير العبد  لا من مضطهديه فقط وإنما من استلابه الخاص هو أيضا.
إنّ أساليب الاحتجاج، والتظاهر، الخاصة بالثقافة الغربية، لا تنطبق على الواقع هنا. وعلى أية حال فإنك ” ستخسر إذا هاجمت وجها لوجه ” يؤكد فيليب بيكييه. بينما يؤكد جان لوك دوميناك مدير البحث في مركز الدراسات والبحوث الدولية أن ” الكتّاب الديموقراطيين قد صفّحوا أنفسهم، فمذّاك قلّصوا طموحاتهم إلى الحدّ الأدنى”. ويتداخل الكتاب إذن مع مقاصدهم المضمرة الشعرية أو الخيالية. وغدت الكتابة راية انشقاقهم. وهكذا يواجهون الرقابة. ودون الأخذ في الحسبان أن الرقابة، المبعدة عن جوهرها، يمكن أن تروّج فنانا ما. ويحلم الكتاب الصينيون من الجيل الجديد جميعهم بأن يكونوا رامبو الجديد. وهم يكتبون أعمالا سوقية لكي يشهروا أنفسهم. ويفسر فيليب بيكييه هذا الاتّجاه قائلا:” أعتقد أنّ المنع يجري أحيانا وفق صيغة اتفاق مضمر مع السلطات. فحين يتمّ منع كاتب ما، فإنّ الخبر سينتشر، وعندئذ سيقبل الناس على الشراء.”
أما في الغرب من جديد ؟
ينبغي التأكيد أن ثمّة تحسينات تجري منذ عشرين عاما، إذ تنجح أحيانا بعض النصوص اللاذعة بالمرور عبر شباك الرقابة. لا بل يجري التداول حول قوانين جديدة “سوف تسمح بإدارة أقلّ تحكّما بشأن ISBN، وتسمح للشركات الخاصة بإقامة نظام توزيع مواز للنظام الذي تملكه الدولة ” كما يلاحظ فيليب بيكييه. وهناك مقدمات اقتصادية وتشريعية مطمئنة، بيد أنها لن تلغي الرقابة. وتؤكّد إيزابيل رابي، المختصّة بالشؤون الصينية في دار نشر Actes Sud:”تتقدم الأمور شيئا فشيئا، لكنه مازال مستحيلا بالنسبة للحظة الراهنة التحدّث بصراحة عما وقع عام 1989، بيد أنّ الصين تنفتح:” لدينا مع ذلك إحساس بالحرية، وليس هذا في بكين أو شانغهاى فقط، يؤكّد فيليب بيكييه. فنحن لم نعد في السنوات السوداء. والفرق واسع، فهناك عدد كبير من دور النشر الخاصة الصغيرة وأنظمة توزيع موازية والمجلات. كما يستطيع المرء التحدّث مع بعض الكتاب والتجوّل معهم في الشارع.” فلا يمكن مراقبة كلّ شيء إذن؟ مهما يكن من أمر، فإنّ الصين تتشبّع أيضا بالمبادئ الغربية. وتفسّر إيزابيل رابي:”فحركة الترجمة تتوسّع، ويترجم الصينيون من الأعمال الغربية أكثر بكثير مما يجري بالعكس .فبورديو وكلّ المفكرين الغربيين، وفلاسفة مدرسة فرانكفورت، ترجمت أعمالهم وباتوا في متناول الجميع، بل بات من التحذلق أن تورد اسمي فوكو ودريدا في حديثك.
عن دور الكاتب
في مواجهة هذا التوازن الوهميّ بين الأدب والرقابة، وهذه اللاتدخّلية المطلقة من المنشقين، فإنّ السؤال عن دور الكاتب في المجتمع يطرح نفسه. وتؤكد إيزابيل رابي، حول هذه النقطة، على أنّ الكاتب هو قبل كلّ شيء مؤلِّف حكايات :”فالكاتب ليس صحافيَّ تحقيقات، وليس من شأنه التحدّث عن آخر الفضائح.( ) في فرنسا جرى الدفاع، عبر عشرات السنين، عن فكرة الكاتب في مجاله الإبداعي، أما حين يجري الحديث عن الصين، فإننا نطلب من الكاتب أن يحدثنا عن الأحداث التاريخية ودون أن يخفي شيئا.” فماذا يبقى إذن من مرجعية الفنان وأكثر منه الكاتب كحامل لراية الحرية وفق صورة المقاربة الوجودية لسارتر المعروضة في كتابه “مسؤولية الكاتب”؟ تسمية الأشياء بأسمائها، بالنسبة للفيلسوف، تعني تبديلها، وتغييرها.”وهم يفعلون ذلك بشكل واسع تماما” تردّ إيزابيل رابي. ويبدو أنهم بذكرهم الأشياء ذكرا غير مباشر يستطيعون توضيح حادثة ما، وعصرا، وفكرة ما.وقد لا يكون ضروريا حضورك حادثة لكي تعرض وتنقل تاريخا ما، ثقافة ما، التزاما ما:”حين نقرأ أعمال يو هوا ندرك تماما ما الذي كانت الثورة الثقافية مثلا، فقد قيل كلّ شيء.وحتى لو كتب أنّ “ماو كان وغدا ” فما الذي سيضيفه هذا من وجهة نظر أدبية؟” تتساءل الناشرة.
وعليه، فإنّ الكتاب الصينيين أنفسهم يبدون متطابقين مع هذه الرؤية. ويشرح مو يان :” الأدب من وجهة نظري هو الحقيقة، لكن هذا لا يعني أن يكون نسخة طبق الأصل عن الحياة الواقعية. فهو يفيد في التعبير عن المشاعر سواء كانت مشاعر حبّ أم حقد. وإذا لم يتوّج الأدب الصينيّ بطرح عمل مضادّ للرقابة فإنه يدينها عبر شكله البسيط وفي الواقع يستنكر متحوّلا بذلك إلى أداة تفكير. مسؤولية الكاتب السارترية  إذن تظلّ بأشكال ما متحققة تقريبا.
وفي حين أنّ” يو هوا”، و”مو يان”، و”لي شي” و”يان ليانكي” و”جيانغ رونغ” لم يكونوا إلا بعض من جرؤوا على مسك القلم للتحدث عن القضايا الوطنية في سنوات 1980 فإنّ الكتاب الصينيين يبرزون أكثر فأكثر. ورغم  قواعد صارمة وتابوهات مازالت غير قابلة للخرق وأشكال تحكّم متعددة وضغط مستمر ومدى حرية محدود، فإنّ الأدب الصينيّ لا يسير نحو الزوال. ويظل الغرب إلى جانبه أرض الملاذ للمخطوطات الممنوعة. فالطريق إلى حرية التعبير تبدو طويلة في إمبراطورية الوسط ومع ذلك ،يؤكد جان لوك دوميناك أنّ :” المسؤولين الصينيين باتوا مدركين الآن أنّ الانتقال إلى الديمقراطية سيكون  الخاتمة التي لا يمكن تجنبها” فالصبر وطول من الوقت …..
عن مجلةeveneعدد تموز 2008
موقع الآوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.