صفحات ثقافية

مقدمة الطبعة الجديدة لمسرحية “في انتظار جودو” بالعربية

null
بول شاوول
هل يبقى شيء لم يُقل في بيكيت أو في المسرح الجديد أو الطليعي أو “اللامعقول”؟ مئات ألوف الصفحات حبرت أطنان، من الكلام والمناقشات، منذ منتصف الخمسينات حتى الآن. ألوف الصفحات هطلت على أعمال ونصوص مسرحية (وغير مسرحية) حتى كادت تغرقها. كلام يغرق كلاماً حتى كادت تطمرها تحت وابلها. بيكيت، يونسكو، آداموف، جورج شحادة، فوتييه، أرابال، جان جينيه… رواد المسرح الجديد، المغامرة الجديدة التي توازت ومغامرة الرواية الفرنسية الجديدة أيضاً. كل من هؤلاء طالع العالم بنص مختلف، بلغة مختلفة، بحساسية مختلفة، من حيث الرؤية، ومن حيث التقنية، ومن حيث النبرة ومن حيث المفارقات أيضاً. لكن، من ضمن فضاء “شبيه” فضاء جامع هؤلاء. يونسكو مختلف عن شحادة وجينيه، وكذلك بيكيت عن يونسكو وأداموف ولكن كلهم رفاق في اختلافهم أولاً، وفي لقائهم اللامعقول ثانياً، وربما في علاقتهم بالإرث السوريالي (شحادة، يونسكو) وفي الرواية الجديدة آنئذ (بيكيت)، انسحاباً الى رواد لها كجيمس جويس وكافكا.
لكن اليوم وبعد مرور نحو أكثر من نصف قرن على هذه المغامرة المشتركة ـ المفترقة، ماذا تبقى؟ هل بقي شيء؟ النضارة؟ الجدة؟ الإدهاش؟ التحفير في الورثة؟ هل كانت هذه التجارب إلتماعاً مبرقاً للمسرح، حيث الهاجس والرؤية والمجازفة، والمناخ، خصوصاً في باريس ثم الى خبو وذبول وتذكارات! ماذا يعني أن تعاود قراءة بيكيت، اليوم، مثلاً، “موللوي” أو نصوص للاشيء، أو الكارثة (كنصوص) أو في انتظار جودو، “نهاية اللعبة”، آه، الأيام السعيدة “الشريط الأخير”… أو أن تعاود قراءة يونسكو: “الملك يموت” “الكراسي” “المغنية الصلعاء”، أو جورج شحادة، “سهرة الأمثال”، و”السفر” و”البنفسجات”.. “حكاية فاسكو..” و”السيد بوبل”، أو أداموف “المناورة الكبرى”، و”المناورة الصغرى” و”بنغ بونغ”، أو أرابال، “قرافة السيارات”، “الشجرة المقدسة” و”فاندرليز”…،…. أو ما زالت تمسه في بداية هذا القرن، بعدما سقطت أيديولوجيات وأنظمة ومعكسرات وأفكار وبعدما برزت أو عادت الى البروز ارتدادات وحروب ومجازر؟
هل كان يكفي أن يلتقي هؤلاء كل من زاويته (ومن صحرائه) على لا معقولية هذا العالم وعلى عبثيته، ولا جدواه، اتصالاً بجوانب من الفلسفة الوجودية و(سارتر) والعبثية (ألبير كامو) وقبلهما السوريالية والدادائية، كي يكتسب ما قدمه هؤلاء صفة الصادم، والمدهش، والمغاير. هل كان يكفي أن تجمع معظم هؤلاء (وسواهم) ردود الفعل القاسية على الحضارة الغربية بالذات التي صنعت الحروب والمآسي والخرافات أيضاً، وأوقعت العالم في الاستهلاك والموت الداخلي واليأس؟ ألا نجد مثل هذه الهواجس والكوابيس عند شكسبير مثلاً (رائحة ملوك شكسبير تفوح في “الملك يموت” (يونسكو) وفي شخصية هام “نهاية اللعبة” (بيكيت)…، وحتى عند ألفريد جاري في “يوبو ملكا”)..؟
إذا كان صحيحاً أن الإنسان يأخذ ما بوسعه أن يأخذ فالصحيح أيضاً أنه يأخذ مما لا يزال موجوداً، أو بالأحرى مما تبقى، وإذا لم يعد في وسعنا أن نأخذ “كل السوريالية” مثلاً، لأنها لم يتبق منها الكثير، فإنه من الصعب أن نأخذ كل مسرح اللامعقول، لأنه لم يتبق منه الكثير لأنه قبل كل شيء ليس مسرحاً مطلقاً، بمعنى أنه يرتبط بمرحلة، وبتاريخ. في هذا الإطار يبدو هذا المسرح “تاريخياً” يسجل حساسية ما، وإرهافاً ما، انقرض، أو هو في طريقه الى الانقراض. هذا، إذا أخذنا في الاعتبار (ونتمنى أن نكون على حق)، التحولات الكبيرة التي أصابت العالم من الخمسينات وحتى الآن، لكن في المقابل، تبدو المادة الجوهرية، التي صنعت هذا المسرح (وصنعها) لا تزال موجودة، كأسئلة لم تلق أجوبة نهائية وشافية، أو بالأحرى كأجوبة ناقصة، مكسورة محفرة، ومشققة. من هذه الأسئلة أو بالأحرى من شقوق الأجوبة يمكن أن نداخل هذا المسرح، لا من حيث تفاصيله ولا تقنياته فحسب وغنما من حيث المقلب الآخر الذي لا يزال يسقط منه كل يوم، حتى ولو صار في الملفات الأكاديمية، وفي الأذواق المعتادة، وفي الأنماط “البورجوازية” نفسها. إنه، في هذا مسرح الكسور، ومسرح “اللحظات السائبة” في عدمية لا تريد عموماً أن تبحث عن “أيديولوجية” تبررها (السورياليون وقعوا في هذا البحث العقيم)، ولا عن فلسفات ولا عن مناهج ولا عن تذهين، ولا عن مرجعية. هنا، في المقلب، وفي الكسور، أي في نقطة الصفر “الأبدية” نبدو على تفتح مع هذا المسرح، هاجساً ولغة، أي على رصيف الصعلكة، نبدو على تشرد مع شخصيات وجنون وعبث هؤلاء. أي حيث تشرع كل الأبواب على بعضها وتتداخل كل الرياح وتتقاسم الملامح والمواصفات والأمزجة والتواريخ نفسها، كما يتقاسم الهواء الهواء حيث لا حدود بين الرغبة والانتظار، بين اللحظات الأخيرة وبين الحنين والتذكارات، بين السقوط والموتى، بين الخير والشر، بين الواقع واللاواقع، بين الطفولة والشيخوخة، بين الزمن واللازمن، بين المكان واللامكان، بين الصمت واللاصمت، بين الكلام واللاكلام، بين التاريخ والفراغ، بين العبث والتراجيديا، بين المأساة والتهريج.
هذه الرياح الشاسعة التي تتنفس فيها كل هذه الأمزجة والعناصر والموتى والأحياء والكلام لا تزال على هبوبها، عند يونسكو، وعند بيكيت وجورج شحادة.
[ لا تتحرك
من هذه النافذة الشاسعة التي لا تطل على شيء، وقد تطل على كل شيء، يمكن أن نلتقي صمويل بيكيت، منذ بداياته وحتى آخر ما كتب، رواية، ونصاً، ومسرحاً… وإلى حد ما شعراً (ترجمت له قصائد عديدة نشرت في كتابي “مختارات من الشعر العالمي”). ونصوصه خصوصاً المسرحية، لا تنتهي كي تبدأ، أو بالأحرى لا تبدأ كي تنتهي، وإذا بدأت فنهايتها فيها، وإذا انتهت فبدايتها “منقرضة”.. لهذا بالذات لا تتحرك مسرحياته (أو نصوصه) من مكان الى مكان، أو من زمن الى زمن (تماماً كالقصيدة)، إنها لا تتحرك كي تصل، ولا تصل كي تستشرف وصولاً آخر، تراوح مكانها وزمانها، ثم لا تصل، لكن “تبتكر” أو “تختلق” مسافة ما، أو بالأحرى حيزاً زمانياً أو مكانياً ما، كذريعة، لتكثير هذه اللحظة المغلقة الى أعداد من اللحظات المغلقة. مسرح بيكيت في النهاية، مسرح لحظات، لأنه مسرح نهايات، وفي مسرح النهايات تختلط الأشياء والأزمنة والتواريخ ببعضها وكلها محكومة “بقدرية” اللاحركة، لا شيء يأتي، ولا شيء يرحل، ولا أحد، ولا نفس، ولا من يقول، (إذا كان القول لغة التواصل)، ولا أحد يمشي. هذه المسافة “المختلقة” تجعل ذريعة للانتظار. كما في “انتظار جودو” و”لعبة النهاية”. لكن الانتظار أيضاً لعبة زمنية رهيبة، لأنه يبرر هذه المسافة الملغاة أصلاً أو هذا الزمن المنفي. فالانتظار، في جوهره، زمن، أو بالأحرى إنه الزمن. سواء كان الموت، أو الليل، أو لا أحد. عندما لا تنتظر أحداً، يعني أنك تنتظر اللاأحد… لكن بيكيت، من باب رفع التناقضات إزاء بعضها، “يختلق” الانتظار ـ المسافة، ويختلق الكلام، الذي لا يذهب الى شيء ولا الى أحد. (لعبة)، ويختلق “اكسسوارات” جسدية معطوبة، تساعد الكلام على ألا يصل الى شيء ولا الى أحد، ولا يكتسب كل شيء معاني الالتباس (الالتباس أحياناً هو معنى اللامعنى، أو لا معنى المعنى)، الأسماء ذرائع (مسرحية)، يتم تبادلها وتغييرها.
الأمكنة هي اللامكان، الشخصيات بلا هويات، وبلا ملامح، وإذا كانت ذات هويات كـ”بوزو” وحتى “هام” فإن هذه الهويات تتساقط في التباساتها الداخلية وفي “اللعبة” المسرحية نفسها. من هذه المفارقات تطلع “حقيقة” المسرح البيكيتي، أو “لا حقيقته”، ومنها وباعتبارها “مختلقات” أصلاً، تتشابه كل مسرحيات بيكيت، حتى نكاد نقول إنه كتب مسرحية واحدة، بل، أكاد أقول إنه كتب مونودراما واحدة بأصوات عديدة طالعة من بعضها ومفوفة، ومجوفة الى بعضها.
لكن الاختلاف، بين عمل وعمل، ليس في التطور (بيكيت ينفي الزمن، إذ ينفي التطور) وليس في الطبيعة، إنما في الدرجة، أي في حدود المسافة المختلفة إزاء اللحظات الأخيرة، من “جودو”، الى “هام” الى “كراب”، اللحظة واحدة. في جودو، الحيز أوسع، واللحظات أوسع، أقصد لحظات البداية/ النهاية، وفي “نهاية اللعبة” يضيق الحيز، وفي “كراب” يضيق أكثر، حتى يصل في “لست أنا” الى كلام، ويضيق معه المكان “جودو” في طريق ريفية أي في الهواء الطلق، حيث العدم يتسع كما تتسع الصحراء، في “نهاية اللعبة” غرفة بنافذتين. أو بالأحرى بكوتين. في “كوميديا” يصير المكان جرة، تماماً كما في “نهاية اللعبة” “صندوقي قمامة”.
وكلما ضاق المكان ـ الزمان (اللحظات الأخيرة) يضيق الكلام. من الكلام الى الصرخة، من الصرخة الى الصوت، من الصوت الى صداه، من صداه الى احتمالات صمته. ويضيق الجسد، من جسد محكوم بمكان (في انتظار جودو) ومضروب بالعاهة (بوزو يصير أعمى ولاكي أبكم في الفصل الثاني من المسرحية)، وإلى جسد يضيق فيه المكان، ومحكوم بالعاهة (هام أعمى وغير قادر على المشي، كلوف غير قادر على الجلوس، وناج ونيل في صندوقي القمامة)، الى “بانيتي” مطمور جسدها بالتراب، الى أجساد النساء في “الكوميديا” “في الجرار”… ويضيق الجسد ـ المكان (المكان يشبه الجسد عند بيكيت) الى ضيق الكلام، أو الى اختزاله الى إلغائه… هذه الحركة المراوحة (أو اللاحركة المراوحة) هي حركة اختزال الزمن والمكان والأجساد، تقبع كلها أمام عدميتها الأخيرة، أو رعبها الأخير. ولا نظن أن بيكيت يتبع كما جاء في العديد من الدراسات خطاً انحدارياً، لأن الخط الانحداري تلزمه مسافة كي تفعل فعلها فيه. ولا نظن أن هذا الخط الانحداري يتمثل بتساقط الجسد والزمن والكلام. الخط الانحداري نراه تكثيفاً للعدم وللانتظار (الذريعة) وتحفيراً في البداية كأنه تكثيف المسافة وتكثيف الجسد، وتكثيف اللغة، وهذا، من احتمالاته، أنه يجسد العجز المطلق، للانتظار، وتالياً لقدرية اللاانتظار. ولهذا، ربما تطلع شخصيات بيكيت من بعضها وتنبثق “أحداثه” من بعضها، وتخرج كلماته من بعضها أيضاً “بوزو” لا يختلف كثيراً عن “هام” و”كلوف” لا يختلف عن “بوزو” و”نيل” و”تاج” نراهما مقاطع في “كراب”. فلماذا البحث عن أحداث جديدة أو عن شخصيات جديدة أو عن كلام أكثر، ما دامت المواصفات والأزمنة والأمكنة متشابهة، بل ما دامت الأشياء تتنفس في عدميتها النهائية. هذه العدمية النهائية كأنها القدرية الطائشة الملتبسة، التي تفقد الانسان إمكانية أن يقرر أو يختار أو أن يلتزم حرية أو درباً جديداً، انه اليأس! ربما. العجز! ربما. الشروط الإنسانية الفاسدة في جواهرها! ربما. وعندما يموت الآخر كمعطى على أمل قابل للتفتح وللمرافقة، وعندما يموت المنقذ، وعندما تموت الأفكار، وتبتئس العواطف (معظم العواطف عند بيكيت تذكارات). فأية حركة تجدي، وأي جسد يجدي،وأي كلام يجدي، الوحدة؟ في أقصى دركاتها، في أسفل دهاليز. ولهذا فمسرح بيكيت هو مسرح الوحدة، وحدة الإنسان إزاء مصيره وقدريته، وإزاء عالم فقده فردوس يتفقد موته باستمرار كل شخصيات بيكيت وحيدة تعيش في مونولج أبدي، حتى الحوار عندها يُفضي الى المونولوج. الى الصمت. والرفقة ذاتها تعبير من الوحدة، أكثر مما هي تعبير عن اللقاء. كأن شقاء الانسان كفرد ربما، يحتاج أحياناً الى شاهد. ولا معقولية الوجود، تحتاج أحياناً الى شاهد ولهذا فاسترجون وفلاديمير شاهدان على وحدة كل منهما، ورفقة بوزو ولاكي تشهد على سوء التفاهم المطلق بينهما، وكذلك رفقة هام وكلوف.. إنها رفقة ملتبسة (وكأنها مفروضة) وفي الوقت ذاته عارضة. مهددة باستمرار.. كلوف يهدد هام منذ بداية المسرحية بالرحيل، واسترجون على أهبة الرحيل “سأذهب” “هيا نرحل” أو “أنا سأرحل”… كلوف يرحل في نهاية اللعبة “ورفيقا” الانتظار استرجون وفلاديمير يبقيان في التباسهما. بوزو ولاكي علاقتهما نابعة من “الحاجة”: السيد والمسود، لكن بيكيت يستغني شيئاً فشيئاً عن “هذه الرفقة”.
هذه الوحدة تطول أيضاً الى العلاقات “التاريخية” فهام بين أمه نيل وأبيه ناج وحيد، لا يصل اليهما ولا يصلان اليه، كأنما الرفقة “الطبيعية ملتبسة أيضاً وبلا جدوى! رفقة أسرى، ورهائن. كل مرتهن بالآخر، كل مأسور بالآخر، وكل وحده بمعزل عن الآخر. وإذا كانت العلاقات الإنسانية “شراً لا بد منه” عملاً بمقولة سارتر “الآخرون هم الجحيم” فإن هذا الشر يطول الى عمق الجواهير الغيبية، وإذا كان الأمل في قدرة كونية تنجد الانسان في وحدته، معدوماً، فكيف يمكن أن ينجد الانسان “أخاه” الانسان. بيكيت بقي في حدود الالتباس النهائي، والعجز النهائي، سارتر وجد حلاً في “الإلتزام” كاموا وجد الآخر “الايجابي” في “الطاعون” مقابل غريبه “المستوحد المقتلع”، الرافض والمرفوض. غابرييل مارسيل وجد حلاً في الدين. وكلها حلول غيبية واجتماعية، خلط الوجودي بالفكري بالاجتماعي بالغيبي، خلط المتناقضات. وعند شحادة في المواربة من خلال “السذاجة” لأن شحادة وبيكيت ومعهما يونسكو، لم يطرحا هذا الالتباس كإشكالية. أو بالأحرى كجدلية وجدالية، سارتر بقي “ديكارتياً” حتى في أوج وجوديته، وبقي “إغريقياً) (في مسرحه) حتى في عز لحظاته “العدمية” (ما عدا، مسرحيته “جلسة سرية”). أي من “الغيب” الديني الى “الغيب الأيديولوجي”. من الكوجيتو الديكارتي الى الثنائية “الذهنية” ومثله غابرييل مارسيل، ومثله، الى حد ما ماكامو.. وجدوا كلهم “الجسر” الفكري والاجتماعي، المبرر في “المنطق” وفي الإلتزام. أما بيكيت، كما سبق وقلنا، فإنه لم يطرح الالتباس هذا كإشكظالية فلسفية ولا كإشكالية سياسية ولا كإشكالية دينية. كأنما الهروب من منطق “الإشكالية”، اعتراف بعجز الفكر والمنطق عن مواجهة هذا الالتباس أو اعتراف بعدم صلاحية هذه الأدوات للتعامل معه.
[ العجز والحرية
وكم يبدو العجز هنا حرية، أو على الأقل مسافة للحرية وكذلك اليأس. الأمل أحياناً، يبدو مقيداً بشروط الواقع وأدواته. أحياناً من اليأس تطلع الحرية، العجز صنع اليأس وكلاهما صنع الحرية، لأنهما، وخصوصاً عند بيكيت، يتقدمان عاريين أعزلين، حتى من الكلام أحياناً، حتى في الحضور، كأنهما من مواصفات الغياب، الغياب الذي يحتل الأشياء والناس والمسالك والعناصر. أي حضور يمكن أن يكون واقعياً على اللحظات الأخيرة؟ بل أي حضور يمكن أن يعطي لهذه اللحظات “الرمادية” معاني وتعابير. وكلما اشتدت هذه اللحظات وتلامست المواجهة معها، قوي الغياب، الحضور ـ الغياب، أو الحضور المفرغ من أوهام الواقع، أي المُغيّب في عمق العدم, التشوش والخراب، وتالياً البؤس الانساني في دركه السفلي، حيث للغياب معنى السكون، والتنصت الاجوف، والكلام المبهم، الكاسر غرائز غامضة، والمكسور في غرائز غامضة، تنشف وتجف مع الجسد والحواس، والأفكار والحياة. وعندما تنضب الغرائز “الكبرى” في ينابيعها الاولى، أي معنى يبقى للمجاري وللأنهار وللأمطار وللحيويات. بل أي معنى يكون، لحياة فقدت رغباتها وشهواتها في نقاطها الأولى. وعندما يبرز بيكيت ملامح “غريزة” ما وخصوصاً “في انتظار جودو” مع بوزو خصوصاً والى حد ما مع استرجون وفلاديمير، غريزة التسلط، أو “التمتع” بالحياة، فإن هذا الإبراز سرعان ما يلبث أن يتراجع، بتشوه الغريزة في مادتها الأولى، في مادتها الحيوية. كأنما الغريزة الوحيدة المنتصرة هي غريزة الغياب وغريزة القبول بالغياب حتى الأمحاء الشامل، حتى حطام الحضور، ورماده، وكفنه، حتى التشكيك بالعناصر وبتجلياتها. وهنا قمة البؤس الانساني والعجز الانساني والفشل الانساني. وعلى هذا بالذات ينبني “العالم البيكيتي” من معرفته أن فنه تأسس على ما يعتبره من علامات سقوطه وفشله، والفوضى والفراغ، والتفاهة، والعجز.
لهذا البؤس، عند بيكيت “سلاح” يكاد يكون وحيداً وهو “الفكاهة”، البؤس والفكاهة متصلات اتصالاً “مصيرياً” وكما يقول بيكيت لا شيء يثير الضحك والسخرية أكثر من البؤس. مادة عبث وفكاهة، هذه الفكاهة أساسية في الكتابة البيكيتية شكلاً ومضموناً، في الكلمة، والعبارة، والفكرة. وهي تفضي الى ما يعبر عنه أيضاً، بيكيت “لا شيء أكثر واقعية من اللاشيء” ولا شيء جوهرياً كاللاجوهري. فمواجهة (إذا صحت الكلمة) هذا “اللاشيء” تتم، بشكل أساسي بالفكاهة. اللاشيء “الوجودي”، هو وجود الانسان البائس، وفي قمة هذا البؤس الفكاهة بعناصرها “اللازبة”. وإذا حاولنا فصل نتاج بيكيت عن هذه الخلفيات، جردناها من ديناميتها “المدمرة” فالفكاهة، عند بيكيت، كما هي عند السورياليين عنصر “احتجاج” وعنصر تخريب، وعنصر تدمير وعنصر رفض، وهي مواصفات الفكاهة أصلاً خصوصاً الفكاهة السوداء، والشخصيات التي تشبه المهرجين (مهرجي السيرك، والسينما أيضاً) وتشبه “الصعاليك” وتأخذ مواصفات كثيرة (شكلاً وكلمات وتعابير) من هؤلاء: بوزو يحمل سوطاً، ويقيّد لاكي بحبل والأربعة في انتظار جودو، يعتمرون قبعات، وحركاتهم وتحركاتهم (كما يشير بيكيت) مستعار بعضها من حركات وتحركات مهرجي السيرك، والتهريج نفسه أداة أساسية عند بيكيت لكن لا يمكن وضع بيكيت في خانة هذا التهريج، كما لا يمكن وضعه في خانة المعبرين فحسب عن بؤس العالم ومظهره المضحك، كأنه نقل المهرجين والصعاليك من السيرك ومن أزقة المدن وأرصفتها الى الأمكنة الغامضة، حيث تشحذ الوحدة و(التشرد) أسلحة المواجهة. غرف مغلقة. آنية فخارية… في الأمكنة التي يستسلم فيها الانسان “للحظات” انقراضه، وبقدر ما كانت تضيق الأمكنة عنده، ويضيق الكلام، وكذلك الحضور الانساني، تضيق الفكاهة، وتتراجع، أو بالأحرى تستبدل شكلها ولغتها.
من هنا، يمكن القول بتحفظ، إن بيكيت يراوح في “تطوره” من المواجهة (السلبية) بالفكاهة في بداياته خصوصاً، الى الاستسلام من خلال تأصل هذه الوحدة، شيئاً فشيئاً وتراجع “اليومي” والتفصيلي كعنصري كتابة، الى ما هو مبهم ومنقطع وحاد، الى مجزىء، كأن اللحظة “الأخيرة” تتناثر في جزيئياتها، أو كأنه يستبقي من تلك اللحظات واحدة في شطور، أو في فتات، أو صوت.. وجه، صرخة.. ضوء.. وهذا يفسر انغلاقاً يعتم على ذاته، حيث للظلمة الكابية الداخلية، والصمت، ظلالهما المعدنية، ونبراتهما الموحية. بل كأن المسرح يتحول الى نبر، مجرد نبر، الى نبر مصوت، والى نبر متحرك، كي لا أقول ايقاع. الايقاع هو الاختزال الأخير، والاختزال الصافي لجوهر الأشياء، وهو دلالة (من ناحية أخرى) على عجز متناه، وخالص، للغة في حد ذاتها، وانسحاب “درامي” بل تراجيدي الى الكواليس، كواليس الموتى والأحياء، والصمت والتذكارات المبتورة والتهيؤات الغامضة، انه اعدام أخير للغة، وكذلك اعدام أخير للآخر، الآخر في مجمل تجلياته ومستوياته وأشكاله فصعلوك العدم، أو مهرج العبث، عاد لا يستعير من لغة “الواقع”، من ابتذالها وطرافتها وبقاياها ونكاتها وظرفها وتناقضها، وحركاتها، ما يساعد على إنهاء الدور أو الوصلة، في السيرك أو في الشارع الخلفي أو في بقعة نائية أو غرفة مغلقة… وفي قبعاته وسوطه وحباله وقهقهاته وحبوبه المسكنة وقلنسوته، ومنديله، وحذائه وبنطلونه كي يقصر أو يلغي مسافة المواجهة أو الاستسلام. اتحدت المسافة بالحركة، اتحدت المسافة بالكلام الباقي، وكأنها المقولة الديكارتية المشهورة “أنا أفكر، إذن أنا موجود” والتي رفضها، واستبدلها بـ”أنا أتكلم، إذن أنا موجود”، فأنا أتكلم، إذن أنا موجود “صارت” أنا لا أتكلم إذن أنا غير موجود” أنا أصمت أو أستخرج رذاذ مأساة من الصمت، فأنا غير موجود. هذه هي الرمال الساكنة التي لم يتحرك فيها بيكيت وهو ينطمر شيئاً فشيئاً تحت رمل الصمت والعدم والسكون.
عندما كتب بيكيت “في انتظار جودو” (1948)، (حسب ما يروي أصدقاء الكاتب، وحسب ما تستشف من كتاباته)، كان في الثانية والأربعين من عمره. (مواليد 1906). وباكورته المسرحية هذه “المتأخرة” زمنياً، (إن صحت هذه المقاييس)، تجيء بعد ممارسة طويلة قام بها الكاتب مع الرواية والنقد والبحث والقصة القصيرة. إذن جاء بيكيت من الكتابة الروائية الى المسرح. ويروى أن “في انتظار جودو” كانت في الأصل “مقاطع كتابية تتخللها مادة حوارية”، حولها الكاتب الى مسرحية من فصلين ومن خمس شخصيات بعدما وجد فيها أصدقاء له “يعملون في المسرح” مادة غزيرة للمسرح وإذا عدنا الى المناخ السائد في نهاية الأربعينات وما قبلها وامتداداً الى مطلع القرن، وفي تضاعيفه، نجد أن بيكيت، عاصر صديقه الروائي الإيرلندي الكبير جيمس جويس وتجاربه “اللغوية” في مجال الكتابة الروائية، وأطلع جيداً على كافكا وأجوائه “الداخلية” وسارتر و”غثيانه” وكامو و”غريبه” و”كالوغيلا”، وقبل هؤلاء الفريد جاري و”أوبو” وحواليه أداموف في “المناورة الكبرى والمناورة الصغرى”، ومن قبل أرتو و”مسرح القسوة”، ومن ثم يونسكو و”المغنية الصلعاء” و”الدرس”،… إلخ! من دون أن ننسى السينما وتطورها من الفيلم الصامت “الإيمائي”، الى الفيلم الناطق، بالنماذج الثنائية التي قدمتها منذ شارلي شابلين وحتى ذلك التاريخ، وكذلك مناخات الرواية الجديدة خصوصاً في فرنسا مع ناتالي ساروت وآلان روب غرييه وميشال بوتور.
في هذه المناخات “الثقافية” في فرنسا وأوروبا ظهرت “جودو”.. ولا يمكن فصلها. وإذا كان بيكيت “انفصل” كتابياً عن جيمس جويس من خلال تأكيده عن عجز اللغة، في مقابل إيمان جويس بقوة إمكاناتها اللامحدودة، وإذا كان التقى أو تقاطع والرواية الفرنسية من خلال مقاربات، فإنه الى ذلك شكل مع جماعة المسرح الجديد أداموف كرائد ويونسكو وجان جينيه وجورج شحادة كوكبة ما سمي المسرح الجديد أو المسرح الطليعي، أو مسرح العبث واللامعقول… خصوصاً وأن بيكيت كان أصلاً بدأ يكتب الفرنسية، شأنه في ذلك شأن أداموف (أرمني روسي) ويونسكو (روماني) وجورج شحادة (لبناني).. المسرح الجديد الذي كتب بالفرنسية وفي فرنسا كان رواده من غير الفرنسيين (بالطبع ما عدا ـ جينيه وفوتييه).
على هذا الأساس ويمكن القول أن ريادة بيكيت لم تكن منفصلة عن المناخات والريادات التي سبقت (منذ السوريالية) ومع كافكا أو السائدة وإذا تذكرنا ملامح وإن مبسطة من عبثية كامو في “الغريب” وكتاباته الفكرية، وكذلك عند سارتر نجد أن بيكيت تقاطع بعمق مع ما طرحه كامو وسارتر حول الوجودية والعبثية ولامعقولية الحياة ولا معناها.
“في انتظار غودو”، تتحرك أو تراوح من هذا العبث الذي يلف الكون، من هذا السكون. من هذا السكون. من هذا اللامعنى في اختلاط الواقع بالحلم بالذكرى بالنسيان بالزمن المنفي، بالتكرار الساكن، أي باللازمن.. بكسور الأشياء وببقاياها، إذا كان العالم بلا أسئلة وبلا أجوبة، وبلا منقذ، ولا إرادة شاملة ولا هدفية، يسير محملاً بالمصادفة وبالقدرية اللتين لا تُفضيان إلا الى صدفة وقدرية، يأتي الانتظار من باب الاستسلام للزمن، أو بالأحرى من باب جعل هذا الزمن الخاوي قابلاً لأن يعاش أو يسكن. فهذا الانتظار “في انتظار جودو” ذريعة لشيء آخر هو كيف نمرر الزمن عندما يحاصرنا اللامعنى، اللاتاريخ، وعندما نكون عاجزين حتى عن الانتحار (يفشل فلاديمير واسترجون في الانتحار). قبول الحياة هو قبول لافحواها، وقبول عجزنا ووحدتنا العميقة وخلاصنا المفقود، ولكن من ينقذ من؟ لا أحد قادر على إنقاذ أحد. ومم ننقذ بعضنا. من الموت؟ من العدم؟ من المفارقة؟ من القدرية؟ من العجز؟ كلنا محكومون بشروط “لازبة”، وعلينا أن نتدبر أمورنا.. بتمرير الزمن، حيث يصبح الانتظار “قناعاً” للاانتظار، لـ”موت الروح”، أو “لحطامها” أو بالأحرى “مسرحاً” لهذه المهزلة الأرضية حيث تصبح الحياة نفسها نوعاً من دونكيشوتية العبث، هذا اللاانتظار، أو الانتظار كقناع وكمسرح أو كذريعة كأنه الصيغة الفضلى للكشف عن خراب هذا الوجود، وكما يقول بيكيت نفسه “في فعل الانتظار نجرب مرور الزمن في شكله الأنقى” وهنا يأتي دور الكلام: فإزاء العبث الكوني بكل شروخه الإنسانية واللاإنسانية، يصبح الكلام جسراً “وهمياً” لعبور الزمن.
لكن أي كلام؟ ليس كلام الملتزمين والأيديولوجيين والحكماء و”الأدباء” والمصلحين والأخلاقيين الذين يرون في “الكلام” فعلاً وتعبيراً عن صيرورة وعن زمن وعن تطور وعن أهداف وعن علاقات وعن فلسفة وتفلسف ومواعظ، لا ليس هذا الكلام، إنه كلام المتفائلين و”المتشائمين” ضمن حدود “معقولة” و”مفهومة” ومدركة “كلام بيكيت هو اللاكلام”. “تتكلم لاكي تقول شيئاً كي يتدفق الفراغ، في “الانتظار” الذي لا يأتي، ونعرف أنه لا يأتي، ونستمر فيه. هاجس زمني غامض، ينبع أولاً وأخيراً من “لامعقولية” العالم فهو ليس زمناً “داخلياً” أو حتى “خارجياً” باعتبار أن الإثنين “يستمران” وفي استمرارهما “حضور” إنه زمن يمشي ولا يمشي. يتحرك ولا يتحرك، يفعل فعله فينا. نهرم، نأكل، نشرب، تسقط شعورنا، أضراسنا، نعجز، لكنه في الوقت ذاته “غائب” يحول في سكونه في تحفيره، الى الانقراض الى “المجهول”، الى الانعطاب. فلاديمير واسترجون على موعد يوم السبت “لكن أي سبت؟ وهل نحن اليوم في يوم السبت” كأن كل لحظة حاضرة منفية في الذاكرة ولكن أي ذاكرة وأي ذكرى. ومسرح بيكيت عموماً كأنه مسرح الذكرى ومسرح الذاكرة لأنه مسرح الإنقراض والمنقرضين أو الذين في طريقهم الى الانقراض، مسرح ما قبل النهايات مسرح الحافات الأخيرة، لكن أي ذكرى؟ غموض وتقاطع وتداخل. استرجون ترك أو أعتقد أنه ترك حذاء أسود وفي اليوم التالي (أو هكذا افترض) وجد حذاء أصفر “جئنا البارحة” يقول استرجون ويجيب فلاديمير “آه، كلا!..” بوزو تثور ثائرته في الفصل الثاني بعدما صار أعمى عندما يلح في سؤاله عن متى صار أعمى، ومتى صار لاكي أخرس “ألم تكفا عن تسميمي بكلامكما عن الزمن. ذات يوم، ذات يوم كسائر الأيام صار أخرس، وأنا ذات يوم صرت أعمى وذات يوم نصبح طرشاً، ذات يوم ولدنا، ذات يوم سنموت، اليوم ذاته، اللحظة ذاتها”. وفي نهاية المسرحية يقول فلاديمير “غداً عندما أتخيل أني أفقت. ماذا عساني أقول عن هذا اليوم؟ بأنني انتظرت جودو مع استرجون وأن بوزو مر بلا شك. لكن مع كل ذلك ما الذي سيكون حقيقياً؟” هذه التساؤلات تعكس، بالطبع، قلقاً. أو بالأحرى تعكس في العمق “قلقاً” ميتافيزيقياً وهناك من يقول إن شخصيات بيكيت في هذه المسرحية “شخصيات” ميتافيزيقية ويعتبر هذا البعض أنها مسرحية “دينية” في عمقها، تعبر عن تساؤلات “لا مجدية” إزاء المصير الإنساني والكوني وعزلة هذا الإنسان في هذه الصحراء اللامحدودة من اللاشيء! هذا البعض يربط فكرة انتظار “جودو” بقلق غيبي.. و”جودو”، يعتبر البعض أنها كلمة مشتقة من GOD بالإنكليزية التي تعني الله. والبعض الآخر ينفي هذا الربط بالغيب ويربط كلمة “جودو” بـGodillot أو الحذاء الضخم (حذاء استرجون) في التفسير الأول يلتقي بيكيت “الفلسفة” النيتشوية عن الله، وكذلك الفلسفة الوجودية هيدغر، سارتر وكامو.. والتفسير الآخر، يتجه الى تجريد المسرحية من القول الذهني أو الفلسفي، وتالياً تجريدها من روائية القول، ورمزيته ودلالاته حتى الاجتماعية من خلال العلاقات القائمة بين بوزو ولاكي من جهة وبين استرجون وفلاديمير من جهة أخرى، بيكيت الذي كان “يرعبه” ربط مسرحيته بالأفكار والتآويل المحددة كان من الرأي الثاني.
وإذا كانت “في انتظار جودو” تتسع فضفاضة لكل من يريد أن يبحث عن “معان” وعن تفاسير، من فلاسفة وسوسيولوجيين ومفكرين ونقاد، فلأنها في عدم “قولها” شيئاً تقول “أشياء” كثيرة لكن، كما قلنا، من دون أسئلة “تقليدية ممنهجة” و”مقولبة” ومن دون أجوبة، خصوصاً من دون أجوبة وإن عشرات ألوف المقالات والدراسات والمقاربات التي راحت تتطرق الى “عمق” المسرحية والتي تلمس “مغاليقها” ومفاتيحها، وقع الكثير منها في التناقض. ويمكن أن تقرأ عشر مقالات لعشرة نقاد ومفكرين ومسرحيين لا تتقاطع إلا في القليل القليل هذه التعددية في القراءة، وهذه المستويات تنطبق على “في انتظار جودو”، وتنطبق على كل الأعمال الكبيرة “هاملت” “مكبث” “الملك لير” لشكبير “فاوست” لغوته “المغنية الصلعاء” و”الكراسي” و”الملك يموت”.. ليونسكو، و”المناورة الكبرى والمناورة الصغرى لآداموف، و”السفر” و”حكاية فاسكو” و”سهرة الأمثال”، لجورج شحادة، كما تنطبق على كل قصيدة أو رواية أو لوحة مهمة، فالعمل الذي لا يحتمل سوى قراءة واحدة، ومستوى واحد من القراءة اي العمل الذي بلا “عمق” ولا التباس (ابداعي ودلالي)، عمل لا يعيش ولا يبقى. ولعل هذا ما كان يخشاه بيكيت، اخضاع مسرحيته لتفاسير مقننة احادية نسجتها في “افكار” نقادها وأوهامهم.
ان هذا الالتباس، لا بد ان يميز “في انتظار جودو”، (سواء قبل بيكيت تفاسير أحادية أو متعددة او لم يقبل)، سواء في أحداثها او في شخصياتها، أو في “النكهة” الميتافيزيقية، التي يمكن ان تشف، أو حتى في اللغة والكلام والبعد الانساني والاجتماعي والنفسي والميتافيزيقي نفسه.
يبدأ ذلك “بأحداث” المسرحية التي يصعب ان تروى، فأية مسرحية تروى وهي من دون عقدة ولا مقدمة ولا قفلة (شأن المسرح المعهود). الستار يرفع. شجرة بلا ورق. ماء طريق ريفية. رجل قاعد على الأرض. يدخل رجل آخر المسرح، الرجلان يرتديان ملابس “غريبة”، قبعتين واسعتين، سترتين سوداوين، بنطلونين مقلمين، الرجل القاعد يحاول خلع حذاءيه (فلاديمير، ينادي ايضا ديدي ولاحقا البير) الآخر استرجون ينادي جوجو، نعرف ان الرجلين افترقا مساء البارحة، وأن استرجون قضى ليلته في حفرة، ثم ينخرطان في حوار ونعرف انهما ينتطران شخصا يدعى جودو، ثم يأتي بوزو ولاكي الأول سيد والآخر مسود وخادم، وينخرطون في حوارات متشعبة لكن من دون ان يحدث شيء سوى ان غلاما يأتي من قبل جودو ويبلغ استرجون وفلاديمير بأنه لن يتمكن من المجيء هذا المساء وبأنه “سيأتي بالتأكيد غداً”.
الفصل الثاني فصل انتظار ايضاً. أحداثه تكاد تكون اياها. نجد استرجون ثم فلاديمير، وفي حوار “يقطعانه” في انتظار جودو، الشجرة العارية اكتست بالأوراق، يأتي بوزو ولاكي لكن بوزو صار ضريراً ولاكي أطرش، الأول لا يرى والثاني لا يسمع ولا تتغير علاقتهما. عدا ذلك “الحس” التراجيدي عند بوزو ثم ينخرطان في حوار وفي “أحداث” وتفاصيل: سقوط ومحاولة نهوض فسقوط لكن لا يحدث شيء. يستأنف بوزو ولاكي رحلتهما، ويأتي الغلام نفسه ويبلغ استرجون وفلاديمير بأن جودو لن يتمكن من المجيء هذا المساء وأنه بالتأكيد سيأتي غداً، ثم يمضي الغلام، استرجون وفلاديمير يحاولان الانتحار، لكن الحبل كان اقصر من ان ينفذا العملية به، وفي النهاية لا شيء. لا احد يأتي، ولا ينتحران، ويزمعان على الرحيل، ويبقيان مكانهما.
من خلال هذه “الرواية” نجد ان الحدث بالمعنى المسرحي المعروف غير موجود، مجرد “ثرثرة” وأحاديث بين “الشخصيات” لا ازمة لا مقدمة. لا عقدة، لا حل. لا صراع شخصيات. أي لا تطور في الحديث. لا نمو. كما عهدنا في المسرح الكلاسيكي لا “رواية” هناك سكون في عمق الاشياء. سكون جمود تتخلله “فجوات” صمت. في هذا السكون لا نجد شيئاً يتغير. لا الأحداث. لا العلاقات بين الشخصيات. لا طبيعة الحوار. لا الطبائع لا الحالات. كأن المسرحية في حركة دائرية مغلقة على نفسها، بدايتها في نهايتها، نهايتها في بدايتها. “والحركة الممكنة” ليست اكثر من تكرار. و”الأحداث” (اذا صحت الكلمة) تكرار لبعضها.
ما حدث في الفصل الأول، هو، في عموميته، ما حدث في الفصل الثاني. اكتساء الشجرة بالأوراق بعمق التكرار ويضلل الايقاع الزمني. واصابة بوزو بالعماء ولاكي بالطرش لا تغير من جوهر علاقتهما. الكلام هو اياه. مع بعض التفصيل “الغامضة” التي تتعلق بجودو وبشقيق الغلام وبالغلام نفسه، انه مسرح التكرار. مسرح اللاحركة.. مسرح اللازمن كيف يمكن ان تتطور مسرحية بشخصياتها، وصراعاتها، اذا انتفى السياق الزمني. اذا نتفى “الاحساس بالزمن” انه الزمن المنفي. الملغي في سكونية ابدية، بهذا المعنى تبدو هذه السكونية من مواصفات القصيدة. (لا الشعر). القصيدة ذات حركة دائرة لا زمنية، تنتهي في بدايتها وتبدأ في نهايتها. حيث البداية والنهاية في نقطة غامضة، ساكنة، محفرة. وفي هذا تختلف عن الرواية (التقليدية) التي هي احساس بالزمن قبل كل شيء وخضوع لحركته ولإرهاصاته ولمتطلباته. كل رواية هي زمنية. كل قصيدة هي لازمنية.. بيكي في “انتظار جودو” وحتى في “نهاية اللعبة” و”الشريط الأخير”، و”آه! في الأيام الجميلة”.. يلعب هذه اللعبة اللازمنية. واذا راجعنا بعضاً من الأعمال الكلاسيكية. شكبير، كورناي راسين، فيكتور هيغو، كالدورين، غوته، شيللر، ومن ثم آنوي، جيرودو، كلوديل، اي الأعمال التي تنتمي الى كلاسيكيات المسرح نرى انها اعمال ذات مواضيع كبيرة واساسية، فلسفية، أو نفسية، أو سياسية أو اجتماعية. اي اعمال تدور حول مواضيع كبيرة، وبالطبع تصوغ شخصيات كبيرة في مستوى هذه المواضيع “في انتظار جودو” مسرحية تكاد تكون بلا “موضوع”، (سوى فكرة الانتظار الغامضة والتي تبدو كما قلنا كذريعة) اي بلا بؤرة تشحن شخصياتها بالمواقف والحالات “النافرة” والمميزة، اي بلا حالات ايضا، اي بلا ابطال. الموضوع الكبير يخلق البطل الكبير، يخلق الأسطورة، والأطر المطلقة، مسرحية بيكيت هذه تنفي “البطل” الذي صورته الذاكرة المسرحية وغير المسرحية مكبث او هاملت او رودريك أو شيمين او دانتون او روبسبيير، أو في مسرحنا العربي “كقمبيز” و”كليوباترا” و”انطونيو” أو “قيس وليلى” أحمد شوقي، أو “قدموسي” أو “بنت يفتاح” عند سعيد عقيل، او الحلاج عند صلاح عبد الصبور.. وتنفي التقاسيم “النهائية”، والأمزجة، والطباع التي تقسم هذه الشخصيات في مواقع ومواقف وصراعات. ولهذا، يبدو وللوهلة الأولى اننا في مناخ “سيرك” يقدم في “الهواء الطلق”، على طريق ريفية، وفي جوار شجرة، ثم الفراغ. “في انتظار جودو”، تحمل مواصفات أساسية من العاب السيرك، ومن “مواضيع” السيرك، ومن تركيبة الوصلات في السيرك، على كل، هذا ما اشارت اليه الشخصيات في غير مكان من المسرحية. في وصلات السيرك، لا موضوع محدد، لا بؤرة لا “حكاية” وتاليا لا ابطال، هناك الملابس اولا، وهي ملابس “مهرجي” السيرك فضفاضة، قبعات، حذاء ضخم (حذاء استرجون) ثم رباط يشبه ربطة العنق ثم الحبل. انها ملابس واشياء “بالية” من سقط المتاع، ترتدى للتهريج، اي ملابس تنكرية تنفي “هوية” محددة عن الشخصيات. ثم تأتي الحركات التي يركز بيكيت على تتبعها: رفع رجل، ثم رفع رجل أخرى، لعبة القبعات الثلاث بين استرجون وفلاديمير، الايماء، أكل الجزرة. الرقص. انهم مهرجون “اكثر ما هم شخصيات وهم “ابطال” المسرحية. المهرج في السيرك هو البطل وفي المسرح هو “الكومبارس” وان بدا أحيانا ذا حكمة كما نجد عند شكسبير احياناً، كما هي في “الملك لير” مثلاً.
وعندما نذكر المهرج لا يعني اننا نؤكد على وجوده في “السيرك، وننفيه في المسرح، لكنه هنا “البطل” (عند بيكيت) وفي المسرح التقليدي كومبارس. وهنا لا يمكن ان ننسى كوميديا دي لارتي القائمة على “التهريج” اصلا، ولا بعض شخصيات موليير. كما لا ننسى هنا بالذات السينما الصامتة والناطقة والتي قدمت نماذج ثنائية وغير ثنائية من الصعاليك، والمهرجين والهامشيين اهمها مثلا شارلي شابلن ولوريل وهاردي و”الاخوة ماكس”.. كما لا ننسى المسارح المتجولة التي تحولت الى ظواهر منذ قرون عيدة والتي كانت تقترب كثيراً، في بعض توجهاتها مما يقدم في السيرك. من هنا من الصعب ان نتكلم على شخصيات في “في انتظار جودو” انها تتبادل احيانا كثيرة الأدوار والحوار والمواقع وتغيرها ولا تتحد فيها (كمهرجي السيرك). والتقاء كذلك والفلسفة الوجودية التي نفت “الصفات” الثابتة في الانسان، اي الثنائية المطلقة (ذات الاصل الديني ومن ثم الايديولوجي)، خير، شر، قبح، جمال، اسود، أبيض، هذه الفلسفة تنطلق من فكرة ان الانسان هو مزيج من خير وشر وقبح وجمال واسود وابيض. (وهذا ما نستشفه عميقاً في شعر بودلير الذي تأثر في هذا المنحى بإدغار ألن بو). بل وأكاد اقول انهم اذا اعتبرنا ان الانتظار هو ذريعة، ممثلون، مجرد ممثلين، مهرجون، اكثر مما هم شخصيات. يكتسون ملامح و”مزايا” لتمضية الوقت في هذا الانتظار الملتبس، يلعبون لعبة الزمن، انهم يتنكرون بأدوارهم ويتقنعون بكلامهم.
استرجون وفلاديمير يحاولان أن يقلدا مثلاً بوزو ولاكي. بوزو يتكلم وكأنه امام جمهور، وينتظر ان يقيّم. لاكي يلقى خطاباً طويلاً عريضاً عندما يطلب منه ذلك. استرجون عندما يغادر الخشبة يطلب من فلاديمير ان “يحفظ له مكانه” (وكأنهم في صالة مسرح) حتى يمكن القول إن استرجون “ذريعة” مسرحية تستخدم لابقاء الحوار أو الكلام جارياً هل هذا يعني ان المسرحية لا تقول شيئاً، وان الشخصيات “دمى” مهرجة تلعب في سيرك ريفي! هل هذا يعني ان لا ملمح في الشخصيات وتالياً “لا علاقات”؟
على الرغم مما قلنا، (وقد لا ينفي ما قلنا)، رأي نقاد ومفكرين ومسرحيين بالمئات، ان لهذه الشخصيات “تقاسيم” ما وترتبط كذلك بمرجعيات ما، وهي تفاسير واجتهادات ضرورية منها ان شخصية استرجون، هي شخصية غريزية مادية، جشعة، تتراوح بين الحاجات المباشرة كالأكل والنوم وكذلك النسيان وبين التفاصيل. انها من “الحثالة” التي ترى كل شيء من خلال حاجاتها الغريزية، وفلاديمير الوجه الآخر المثالية، الحكمة، رصد الانتظار، التذكر، والتمسك بالحوار والحركة.
ومن هذه الاجتهادات ان بوزو يمثل السلطة الغاشمة، الظالمة، اللاانسانية، الحسية، الاقطاعية، ولاكي هو المسود والخادم، والمطيع والنعجة والخروف اي الذي يلعب لعبة الخادم بأصولها ومتطلباتها والبعض رأى ان جودو انمسخ في صورة بورنو مع كل ما يريد ما يرمز اليه (وقد اشرنا الى ذلك).
لكن هذه المواصفات، على دقة بعضها، تبقى هي أيضاً ملتبسة، ففلاديمير المثالي الذي يؤنب بوزو على معاملته السيئة للاكي ويقول “هذا عارّ” يعود ويؤنب لاكي (الخادم الصامت، المطيع) لأنه ” لا يعذب سيده” ينتقل في لحظة من “الموقف الانساني” “الشهم” الى الموقف المتواطئ، استرجون نفسه، رغم الخانة التي وضع فيها يربطه فلاديمير عامل “مشترك” هو “الانتظار” انتظار شيء او ذريعة الانتظار، او الانخراط بلعبة معابثة الزمن، بوزو، المادي، الجائر، اللانساني، يبدو في لحظات “شاعراً” يصف الشفق وتدرجات الوانه بحس جمالي بليغ وفي الفصل الثاني يتكلم عن الزمن بنبرة غاضبة ورثائية، انه متسلط وحكيم وشاعر.. لاكي، رمز الخادم الملغى، يتحول فجأة الى “متكلم” وان طغت الآلية على كلامه، وكلامه المبعثر والمتقطع لا يخلو من انتقاد للعلماء، ولا يخلو من ثقافة متبحرة…
من هنا اننا لا نجد شخصيات “نموذجية مطلقة” بقدر ما نجد “حطام” شخصيات ملمومة، او مجموعة في علاقات تتحكم بها الضرورة والحاجة والظرف والمكان اكثر مما تتحكم فيها عوامل الثبات، كأنها في النهاية، شخصيات طلعت الى “المسرح” السيرك، لتتكلم لتعبئ الفراغ الزمني بالكلام. انها شخصيات كلامية.
ونظن ان الشخصية الرئيسية والبطل في “انتظار جودو” هو الكلام. الكلام هو الحدث الرئيسي. وهو السياق الذي يتبع مجراه، لكن اي كلام؟ اي قول اي نبر؟ اي تصويت؟ اي صمت؟ (الصمت جزء اساسي من الكلام، تماماً كما ان الايماء جزء من هذا الكلام، وبيكيت كان عاشق الايماء وكذلك الصمت).
قلنا ان في “انتظار جودو” لا يحدث شيء، الفصلان تكرار للعدم، تكرار للسكون يعني ان لا يحدث أي شيء، وان تكرار السكون بلا تقدم يشير الى انه لن يحدث شيء.. ان لا يحدث شيء، وأن يتكرر العدم، يعني ان لا تقول الشخصيات في النهاية شيئاً، في دورانها حول ذاتها، وحول الفراغ والكلام هنا كالحدث لا يفضي الى شيء، ولا يقول شيئاً، “نتكلم كي لا نقول شيئاً؟!
ماذا يمكن ان نقول امام العدم. نكرر العدم بالعدم. امام العجز والشقاء والبؤس والوحدة والفراغ اي امام التفاهة اللامعة في الشرط الانساني اي ازاء البلية الكونية. و”شر البلية ما يضحك” وهنا جوهر الفكاهة البيكيتية في هذه المسرحية، اكثر مدعاة للضحك هو الشقاء انه مادة “غزيرة” لا تنقذ… من هنا يأخذ “التهريج” ككل، ومنه الكلام، سواده ولامعقوليته ولاعدميته. لا يقول شيئاً؟ نعم، ربما. ولكن ما يقوله كله ظريف حي ومدمر ايضاً، فالضحكة هنا جزء من العدم والفكاهة السوداء (أو البيضاء) جزء من هذا العدم، اي من هذا الخراب المعمم، اي جزء من هذه المفارقات التي تبدو ظاهرياً، ربما، وكأنها من المفارقات اليومية والقريبة والتفاصيل الا انها كذلك جزء من المفارقات الكونية التي تسم الوضع الانساني ككل.
تضحك او تبتسم، كأنها الضحكة التي تصلك بالهاوية، بالسكون الأبدي الذي تتوهم انك تتحرك اليه او يتحرك اليك ولا خلاص حتى الانتحار مستحيل، حتى المغادرة مستحيلة، حتى الحركة مستحيلة، حتى التفكير (احياناً) مستحيل، ما دمنا عاجزين عن التحكم بأبسط المور وبأعظمها من هذه التفاصيل واليوميات والمظاهر والملابس والكلام والحوار والحركات القائمة على المفارقات، يؤسس بيكيت الضحكة العدمية، تلك التي تفتح فجوة على العدم، وعلى الفراغ وعلى الموت الداخلي.
صدرت عن “منشورات الجمل” بغداد ـ بيروت الطبعة الثانية من “في انتظار جودو” التي ترجمها بول شاوول ووضع لها المقدمة.
ويذكر أن الطبعة الأولى صدرت عن سلسلة “المسرح العالمي” الكويتية قبل نحو خمسة عشرة عاماً.
هنا مقدمة هذه الترجمة:

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى