صفحات ثقافية

خالد المعالي: في معرض أربيل لا يعرفون سركون بولص.

null
اسكندر حبش
مشكلته هي أنه يستطيع أن ينشر كل ما يكتبه
بين الشعر والنشر والترجمة تتوزع نشاطات الشاعر العراقي خالد المعالي كما نشاطات داره «منشورات الجمل»، التي أصدرت حديثا مجموعة من الكتب المهمة التي تشكل حدثا حقيقيا في المكتبة العربية. حول جملة من الأمور كان هذا اللقاء.
كانت البداية مغامرة، إذ بدأت بنشر الكتب الأولى عن طريق «الفوتوكوبي»، لكن الأمور اليوم تطورت، إذ بعد هذه السنين، تبدو «منشورات الجمل» واحدة من أهم الدور العربية. هذا رأيي. كيف قررت – إذا جاز التعبير – الذهاب بعيدا في هذه المغامرة وحدك؟
في لحظة ما وجدت نفسي مجبرا على السير في هذا الطريق. فالخيار الآخر كان التوقف. وبما أمي كنت في الطريق فلم يكن بإمكاني التوقف، أي أنني أستطيع أن أقول بأنني استيقظت ذات يوم وإذا بي ناشر. فكل شيء بدأ كما تعرف أنت، بخطوات صغيرة. مجرد تبادل أفكار، أحيانا، يتحقق بعضها كتابة وترجمة وبالتالي نشرا، وهكذا دواليك، كتاب وراء كتاب، فكرة خلف أخرى، معرض تلو معرض وإذا بك في خضم العملية الثقافية في العالم العربي.
ولكن اللافت العناوين. لم ترغب في أن تكون رقما آخر، فعناوينك وترجماتك وكتب الدار هي التي ساهمت في هذه المكانة. كيف اخترت هذه الزاوية من الكتب؟
أتيت إلى النشر صدفة وأتيت من الشعر أي من عالم القراءة والكتابة ولم يكن بإمكاني أن أكون شيئا آخر ولولا الديون والكوارث الاقتصادية التي واجهتني وما زالت. لما تعلمت – بالقوة – وتحت قسوة الظروف حرفة النشر من مختلف نواحيها. فالكتاب الذي أنشره في معظمه هو الكتاب الذي يقتلني كقارئ، سواء كان نصا قديما، تأليفا حديثا أو ترجمة من لغات أو حتى هذه الطبعات النقدية التي أحاول نشرها اليوم للعديد من الكتاب العرب وأقصد أعمالهم الكاملة. ذهبت صغيرا إلى أوروبا في الثالثة والعشرين وعالمي كان الكتاب والكتابة وهناك تمتعت لسنوات طويلة بمعاينة الكتاب وصناعته في الغرب. هذا الأمر يعطيك إمكانية المقارنة وإمكانية التعلم.
لجنة بدون علمها
هل ثمة لجنة أو أصدقاء تعتمد على آرائهم، هل تسألهم عن هذا الكتاب أو ذاك؟
لا توجد لجنة بالمعنى الغربي المعروف. ولكن هناك مجموعة أصدقاء، وأنت منهم – لا يعرف بعضهم البعض. ولكنهم وأنا نشكل دون أن ندري لجنة تخوض نقاشات حول ما نشر وحول ما يجب أن ينشر، وهؤلاء بالطبع شخصيات مختلفة المشارب والأهواء. ولا أخفيك أنني آخذ برأيهم كثيرا بل وأفتقدهم جدا، على سبيل المثال د محمد حسين الأعرجي وهو باحث عراقي ومحقق مخطوطات تراثية ممتعة، فمجرد الجلوس إليه يمكنك أن تخرج بدار نشر تراثية كاملة، وقس على هذا المنوال في ما يخص المجالات الأخرى.
من كولونيا حيث البداية، نجد اليوم أنك افتتحت مؤخرا فرعا للجمل في بغداد. هل هذا الأمر، خطوة في بداية رحلة العودة إلى العراق؟
افتتح الفرع في بداية 2005 وبعد كل التطورات الأمنية سلبا وإيجابا، استطعت الآن أن أستقر في مكان جيد «باب المعظم» ببغداد، وقد تداخل الفرع هناك مع المحيط العراقي شمالا وجنوبا ووسطا وتم تطويره الآن بشكل أفضل بحيث يكون للكتاب الذي ننشره حضوره الدائم في أسواق العراق. وكما ترى فهذه ليست عودة بالمفهوم السائد فلا أنا ككاتب أستطيع أن أعود والأصح أن أبدأ من جديد هناك، ولا دار نشر كانت موجودة في ما سبق فهي ولدت في ألمانيا وهي تبدأ من جديد في العراق. ولأكن صريحا معك، خلال معرض أربيل الأخير للكتاب كنت أحاول أن أثير العديد من القراء للتعرف على كتاب عراقيين مثل سركون بولص لكن نتفاجأ بأن لا أحد يعرفه أو يعرفني. لدي فكرة غامضة عن هذا الوضع من خلال دراستي لعودة المنفيين الألمان.
تقصد أن ليس لديك أي أفكار مسبقة عن هذه العودة وبأنك تذهب إلى هناك لا كمنفي يعود إلى بلاده؟
منذ فترة طويلة، أي قبل سقوط نظام صدام كففت عن التفكير بنفسي كمنفي.
ماذا أنت الآن؟ ماذا تعتبر نفسك؟
أنا ما زلت أنا، سواء ككاتب أو مترجم أو ناشر ولكنني أعيش في كل الأماكن الممكنة. في أغلب البلدان التي أزورها الآن ثمة حنين يشدني إلى هذا المكان أو ذاك. سواء كان هذا في بيروت، مسقط، الرياض، بواتييه، باري، برلين، الدار البيضاء، الخ…
هل بهذا المعنى، تظن أنك خرجت من مفهوم الوطنية الضيق للذهاب إلى مواطنية أبعد؟
ربما نعم وربما لا لأنني أحيانا يقتلني الحنين من أجل أن أكون في قريتي الصغيرة حيث ولدت، قرب السماوة، والتي لم يكن لها اسم آنذاك والآن تسمى المعالي أو حتى أشتاق بقسوة إلى مكان في باريس حيث كنت ألتقي بأصدقاء، قسم منهم رحل والآخر ما زال على قيد الحياة. وما رأيك لو قلت لك إني أفتقد جدا «الشي أندريه» هذه الحانة البيروتية التي كانت جمهورية مستقلة ومكانا للفرح…
ولكنك تعود اليوم مرارا إلى العراق، كيف تسمي هذه العودة وأنت الذي كان يرفض ذلك؟
ربما هذا هو درس أشبه بالتمارين الرياضية للحبلى بعد الولادة. إنه شيء غامض لكنه يشكل أيضا حافزا لكي نستمر في الحلم.
أي حلم؟
الحلم الأساسي وهو القراءة والكتابة واكتشاف عوالم جديدة. في منتصف السبعينيات حينما كنا شبابا ونجول في شوارع بغداد ونتعرف إلى بعضنا البعض كنا نحلم بالاكتشاف، اكتشاف الذات واكتشاف الآخر، الآن أقوم بنشر العديد من أعمال هؤلاء الذين كانوا شبابا آنذاك وبعضهم مات فيما تاه الآخر أو جن. خلال هذه الأيام تصدر أعمال عقيل علي وصلاح فائق وعبد العظيم فنجان وجلال زنكبادي (وهذا نشر مرات عدة تحت اسم جلال حسين وردة في مجلة مواقف) وآخرين. وهؤلاء كما ترى عراقيون قد جمعتنا بغداد آنذاك. ناهيك عن أعمال سركون وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي.
ويجب أن نذكر أيضا أنك قررت إعادة إصدار مجلة عيون بعد توقف قسري؟
أفضل أن يكون الحديث عن هذه المجلة حينما تصدر في حلتها الجديدة، المختلفة جدا عن إصدارها الأول.
وأين الشعر، شعرك يا خالد بين ذلك كله؟
مشكلتي الأساسية في هذه القضية هي أني أستطيع أن أنشر كل شيء أكتبه وهذا شيء سيئ جدا، فالمفروض عادة ـ وهكذا تتطلب أخلاق المهنة ـ أن يقوم ناشر آخر مستقل بنشر كتبي. ولكن الناشرين العرب لا يقبلون نشر الشعر إلا بمقابل فماذا أفعل؟ هل أدفع لهم أم أدفع لنفسي؟ لديّ مجموعة جديدة وكتاب نثري وأوشكت أن أنجز مختاراتي الشاملة للشاعر هاينريتش هايني وللشاعرة النمساوية أنغبورغ باخمان أي أضع يدي على خدي متكئا مفكرا ومتسائلا مثل العم لينين الأصلع «ما العمل؟»
تغاضيت عن ذكر ما تترجمه من العربية إلى الألمانية؟ أين المشاريع الأخيرة؟
لم أتغاض عن هذا ولكن لا أحد يهتم بي وكأنني لم أعمل شيئا. فقط أذكر الانجازات أو المشاريع الأخيرة فقد صدرت لي في العام الماضي مختارات من شعر المرأة العربية في كتيب جميل جدا وفي طبعة تذكر بالأعمال الكلاسيكية القديمة وعن دار نشر مرموقة هي راندوم هاوس. يصدر أيضا خلال هذا العام مختاراتي الشاملة من شعر الحب العربي وهذا عمل اشتغلت عليه طويلا وضم مختارات من الشعر العربي من قبل الإسلام وحتى اليوم. وهناك ديوان شعر لي وهو العودة إلى الصحراء الذي صدر قبل 11 سنة عن دار النهار في بيروت. وأعمل الآن في مشروع أساسي وهو مختارات من الشعر اللبناني الجديد وقد سبقه مختارات من الشعر الفلسطيني والشعر العراقي ضمن سلسلة تهتم بها دار نشر في فرانكفورت وهي تقوم على نشر مزدوج اللغة.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى