ليس باسمي

null

محمد علي الأتاسي

استأنفت السلطات السورية أخيراً تنفيذ عقوبة الإعدام العلني، في حق مدانين ببعض جرائم القتل المروعة، من خلال تعليق أعواد المشانق في الساحات والأمكنة العامة في المدن والقرى التي ارتكبت فيها هذه الجرائم، وتنفيذ عقوبة الإعدام بالمدانين علانية في الحيز العام وعلى مرأى ومسمع من آلاف البشر، ناهيك بنشر الصور على الصفحات الأولى من الجرائد. نريد في هذه المقالة، بمعزل عن هول الجرائم المرتكبة في مثل هذه الحالات، أو بالرغم عنها، مناقشة معنى العودة إلى تنفيذ هذا النوع من العقوبات، وبهذه الطريقة العلنية، في سوريا. وسيكون مرجعنا الأساسي في هذه المناقشة وضع شرعة حقوق الإنسان، ليس فقط في جانبها السياسي والقانوني، ولكن أيضاً في الجانب الإنساني المتعلق باحترام قدسية الحياة البشرية والكرامة الإنسانية، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع ككل.

يوم الإثنين الواقع فيه 9/7/2007، وبعد انقطاع سنوات عديدة، تم تنفيذ عقوبة الإعدام العلني شنقاً بمصطفى الشمالي (من مواليد 1980) في ساحة بلدة النشابية الواقعة في ريف دمشق، بعدما أدانته محكمة الجنايات بخطف الطفلة رويدة (أربع سنوات) من البلدة واغتصابها وقتلها والتمثيل بجثتها، في حضور مئات المواطنين، إلى قائد شرطة المحافظة ومديري المنطقة والقضاة. وجاء تنفيذ الحكم بهذه الطريقة ايذاناً بعودة الإعدامات العلنية إلى سوريا.

بعد أقل من شهر على تنفيذ الإعدام العلني في بلدة النشابية، تم مجدداً، في 4/8/2007، تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت في حق علي محمود الأحمد (من مواليد 1977) في الساحة العامة بمدينة مصياف وسط سوريا في حضور مئات المواطنيين وقائد المنطقة الوسطى وممثل النيابة العامة وقائد الشرطة العسكرية ومدير منطقة مصياف، وجاء التنفيذ بعدما أصدرت المحكمة العسكرية الميدانية حكماً مبرماً بإعدام القاتل لاقدامه بتاريخ 22/5/2007 على اغتصاب الطفل عمار (من مواليد 1999) بعدما استدرجه الى مكان مخفي، ومن ثم أقدم على ضربه على رأسه بقصد قتله خوفاً من افتضاح جريمته. وقد نقل الطفل الى أحد المشافي لكنه توفي متأثراً بإصابته الخطيرة في رأسه مما أدى الى نزف دماغي. وجرت محاكمة القاتل وإعدامه في فترة قياسية لم تتجاوز الشهرين ونصف الشهر بين ارتكاب الجريمة وتنفيذ الحكم!

لم تمض ثلاثة أشهر على ذلك، حتى كان نصيب مدينة حلب، عاصمة الشمال السورية، استعراضاً مشهديا لعملية إعدام جماعية في ساحة باب الفرج في وسط المدينة حيث نُفِّذ حكم الإعدام بعصابتين من الشباب تورطوا في أعمال السرقة والقتل، ومن هؤلاء: رضوان حسن محمد (من مواليد 1987) ، خيرو خليف الفارس (من مواليد 1984) بعد إدانتهما في محكمة الميدان العسكرية، برغم أنهما مدنيان، الأول بجناية القتل المشدد الواقع على أكثر من شخص (8 أشخاص) تمهيداً لجناية السلب بالعنف، والثاني بجرم التدخل في القتل قصداً والواقع على أكثر من شخص (4 أشخاص)، أما شريكهما الثالث نايف محمد النايف (من مواليد 1991) فنجا من المحكمة العسكرية وستتم محاكمته أمام محكمة الأحداث المختصة. هؤلاء الثلاثة ارتكبوا منذ بداية شهر حزيران وخلال فترة أسبوعين سلسلة من أعمال السلب في حلب وريفها، بدأت بالتهديد بالسلاح وانتهى بعضها لاحقاً إلى سقوط جرحى وقتلى، قبل أن تنجح قوات الأمن في توقيفهم مستخدمةً المروحيات. أما الثلاثة الآخرون الذين جرى إعدامهم على المنصة نفسها، وهم عبد الحي عبد الحي (من مواليد 1987) وصالح يوسف محمود وحسن أحمد خلوف (18 عاماً)، فأدانتهم المحكمة العسكرية الميدانية بالإعدام، الأول لارتكابه جرم قتل سائق تاكسي (منير اللولو 62 عاماً) بخنجر بغرض سلبه، ورفيقاه للتدخل في القتل ومساعدة الأول في ارتكاب جريمته. ونُفّذ حكم الإعدام شنقاً بالشبان الخمسة في الصباح المبكر في واحدة من أكثر ساحات حلب مركزية، في حضور ممثلي الجهات الرسمية في الدولة كقائد المنطقة الشمالية وقائد شرطة المحافظة ورئيس فرع الشرطة العسكرية والنيابة العامة العسكرية والنيابة العامة ورئيس فرع الأمن الجنائي بالإضافة إلى مئات المواطنين الذين صفّقوا، بحسب بعض مواقع الأخبار الإلكترونية التي غطّت الحدث، وهتفوا اثر تنفيذ الحكم “الله أكبر” و”بالروح بالدم نفديك يا بشار“.

لا للإعدام

قد يظن البعض أن الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام في بلد كثير المشاكل والهموم مثل سوريا، نوع من أنواع الترف الفكري. لكن هؤلاء يتناسون أن أحد آباء الاستقلال السوري، الرئيس شكري القوتلي، الذي حكم البلد في فترتين رئاسيتين من 1943 إلى 1949، ومن 1954 إلى 1958، والذي صدر في حقه غيابياً الحكم بالإعدام ابان الثورة السورية في العام 1925، ظل يرفض من حيث المبدأ توقيع عقوبة الإعدام في حق أي مدان مهما بلغت فداحة جريمته. الطريف أن الذاكرة الشعبية احتفظت للقوتلي بهذا الفضل، ونسبته إلى واحد من أكثر الجوانب إنسانية في شخصية الكائن البشري، ألا وهي عاطفة الأمومة. فالناس ظلوا يرددون أن القوتلي رفض توقيع أي مرسوم إعدام، استجابة لوعد قطعه لوالدته حرصاً على رضاها، وهي التي أصرت أن لا يقترن اسم ابنها بإعدام أي إنسان، وأن لا تعاني أي أم من الذي قاسته هي غداة الحكم الغيابي على ابنها في العام 1925.

لكن بعيداً من هذه الحادثة المعبرة، يظل من المؤسف والمؤلم أن تعود عقوبة الإعدام إلى شوارع المدن والقرى السورية، من دون أن يكون المجتمع السوري قادراً على التفكير بصوت عالٍ، حول هذه الممارسة التي ترعاها دولته وتتم باسمه ويروح ضحيتها بعض أفراده. السطور اللاحقة تبغي إثارة بعض الأسئلة على الضمائر السورية الحرة، علها تساهم في فتح باب النقاش في هذا الموضوع المهم. السؤال المركزي في مواجهة عقوبة الإعدام، يظل مرتبطاً بقدسية الحياة البشرية وبالإيمان بأن الحق في الحياة هو أحد الحقوق المؤسسة لإنسانية الإنسان ولشرعة حقوقه. من هنا تنبع أهمية عدم إعطاء الصلاحية، أيّ كان وتحت أي مسبب، في نزع الحياة من الإنسان، التي وهبها الله له وهو الوحيد القادر على انتزاعها منه. وإذا كان البعض يتحجج في إعطاء الدولة حق إنزال عقوبة الإعدام بالمجرمين الخطرين، بضرورة استتباب السلم الأهلي وردع أصحاب النفوس الضعيفة من الإقدام على ارتكاب بعض الجرائم الفادحة، فلا شيء يثبت البتة أن إعدام المجرمين الخطرين، في أي بلد من البلدان، ساهم في خفض معدلات الجريمة وحال دون تفشيها. فالمدخل الرئيسي الذي يمكن من خلاله مقاربة الجريمة كظاهرة اجتماعية، يظل مرتبطاً بمعايير من مثل معدلات الفقر ونسبة البطالة والتفاوت الاجتماعي ومدى تفكك النسيج العائلي والاجتماعي، بالإضافة إلى هيبة جهازي الشرطة والقضاء. وتالياً فإن أي معالجة تستهدف خفض معدلات الجريمة، لا يمكنها أن تركز فقط على الجانب الردعي، ولا بد لها أن تأخذ في الاعتبار المعايير الأخرى التي أتينا على ذكرها.

يفترض بعض مؤيدي عقوبة الإعدام، أن الأساس فيها هو الاقتصاص من القاتل بالمثل، وفقاً لمبدأ السن بالسن والعين بالعين. والسؤال: هل من المنطقي أن يتم الرد على العنف بالعنف؟ ولماذا لا تلجأ الدولة إذاً، عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل، إلى اغتصاب المغتصب، وسرقة السارق، وحرق منزل مفتعل الحرائق؟ أليس الأساس في صون هيبة القانون وفاعليته هو في إنزاله القصاص بحق من يستحقه وفقاً لمنطق العدالة وبعيداً من منطق الثأر؟

استعراض الموت

في وقت ألغت دول كثيرة عقوبة الإعدام من دساتيرها أو جمدت تطبيق هذه العقوبة في الممارسة، بحيث وصل عددها إلى 130 دولة، قررت السلطات السورية ليس فقط تفعيلها، ولكن نقلها إلى الحيز العام وتطبيقها في الشوارع والساحات، معلنة عودتها إلى ممارسة قروسطية لم يعد يطبقها في عالم اليوم إلا بضع دول من بينها إيران والسعودية. وإذا كان تبرير هذه الممارسة، ارتبط في الماضي بمفهوم معين لفرض هيبة القوانين وإظهار قدرة الدولة على البطش بمن ينتهك هذه القوانين، فإن تطبيقها في عصرنا الراهن، إنما هو اعتراف مضمر من الدولة المعنية بضعفها وعجزها عن مواجهة المسببات الفعلية التي تقف وراء تفشي ظواهر السلب والقتل العمد في طول البلاد وعرضها. يزيد الطين بلة، أن السلطات في سعيها إلى اصدار حكم الإعدام وتنفيذه بالسرعة القصوى، قدمت بعض المتهمين إلى المحاكم الميدانية العسكرية في مخالفة واضحة للدستور السوري، كون المتهمين ليسوا من العسكريين وكون جرائمهم لم ترتكب في حق أفراد الجيش أو معسكراته، وتالياً فإنه كان يجب محاكمة المتهمين أمام محكمة الجنايات ووفقاً لقانون العقوبات السوري، وذلك مهما طالت مدة المحاكمة ومهما تطلبت من دفاع واستئناف ونقض وفقاً للقوانين المرعية.

أما المريع في بعض النقاشات الصحافية التي ترافقت مع تنفيذ العقوبات، فتمثل في التبرير الذي ساقه بعضها للمطالبة بمنع تنفيذها العلني، وهو الخوف من صدم مشاعر السياح، والإساءة الى صورة البلد في عيونهم والتأثير على موسم السياحة فيه، في حين لم يكترث أحد بمشاعر المواطنين السوريين، وبمقدار العنف والغرائزية والخوف الذي تولد في دواخلهم وهم يشاهدون الإعدامات الجماعية هذه.

أذكر أننا، في نهاية السبعينات من القرن المنصرم، في دمشق، كنا تلامذة صغاراً يقلنا الباص كل صباح إلى المدرسة، إلى أن وقعت الواقعة وانكسر شيء في طفولتنا عندما مرّ الباص في ساحة العباسيين لتقع أعيننا على جسد مدلّى من حبل مشنقة. من المستحيل هنا أن أصف الصمت الذي ساد فجأة صفوف الأولاد أو الفراغ الذي ملأ أعينهم، لكن الأكيد أن أي قاضٍ أو مسؤول لو كان معنا في ذلك اليوم، سيتردد ألف مرة ليس فقط في توقيع عقوبة الإعدام العلني، بل في توقيع هذه العقوبة من أساسها.

في جميع حالات الإعدام السابقة التي أتينا على ذكرها في المقدمة، تم عصب أعين المحكومين ولفّ أجسادهم بغطاء أبيض علِّقت عليه خلاصات وقائع الجرائم والأحكام الصادرة، والتي تبدأ بالعبارة المعهودة وبالخط العريض “باسم الشعب العربي في سوريا”. كأحد أبناء هذا الشعب السوري، وكمواطن له الحق في التعبير الحر عن رأيه، وفي امتلاك قراره الحر، وفي انتظار أن يتم تعديل الدستور السوري وأن تلغى عقوبة الإعدام منه، فإن أضعف الإيمان اليوم هو أن أسحب اسمي من لائحة أحكام الإعدام الصادرة باسم الشعب السوري. نعم، ليس باسمي ولا باسم أطفال الباص الذي مر ذات يوم من أمام أعواد المشانق في ساحة العباسيين، ولا باسم أي طفل صادف مروره في الساحة العامة في النشابية أو مصياف أو حلب، ولا باسم أي مواطن حريص على أن لا تفقد سوريا جزءاً من إنسانيتها


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.