صفحات ثقافيةفرج بيرقدار

عمتَ معلِّماً يقظاً آمناً متجدِّداً. آمين*

null

فرج بيرقدار

ثمة رجالات ملء ثيابهم كما تقول أمي، وملء تاريخهم كما تقول الوقائع الكبيرة، وهي تغض طرفاً عن التفاصيل.

وثمة رجالات تفيض ظلالهم وتتناءى إلى ما هو أعلى وأبعد من هذه المقاسات والمقامات.

أجل.. هناك مَنْ إذا اختلفت معهم أو عنهم حاربوك، وإذا اختلفوا معك أو عنك حاربوك، وهناك مَنْ يغتنون بك وتغتني بهم، ولا سيَّما في ميداني الخلاف والاختلاف.

وقد كنت ولا أزال على قناعة مخضَّبة بالورد والندى، كما بالدم والدمع، بأن غسان تويني واحد من هؤلاء.

ظروفي الحجرية لم تتح لي سابقاً، وحتى الآن، الالتقاء بهذا الرجل، وإن كنت أعرفه كما يعرف الطائر كيف يستقرئ جناحيه وسبيله إلى الفضاء.

ربما ذهبت في شبابي بعيداً إلى يساره، وها أنذا في كهولتي أراني معه، وربما إلى يمينه.

قد يتلكأ قلمه الحُرَّ النازف الدؤوب، وقد يتلجلج هنا وهناك، ولكنه يندر أن يضل الطريق إلى نجوم الأقطاب.

غسان تويني يقول غالباً كل شيء، ونادراً ما يقول ما يعنيه شخصياً.

ألأنه غير ِشخصيٍّ، رغم شخوصه السياسي والإعلامي والاجتماعي؟!

سبحان مدبِّر الدهور، وغسان دهر بذاته، فما الذي يعلو به غسان، وما الذي تدنو به الأقدار؟!

لستُ مسيحياً وإن كنتُ لست بعيداً.

لستُ عقلانياً وإن كنتُ أتمنى ذلك.

ولستُ إسلامياً إلا بمقدار ما علَّمني أهلي واطلاعي على الفقه المتعدِّد.

مع ذلك، وقبله وبعده، أرى أني وغسان دينان يميل كل منهما إلى الآخر.

غسان تويني يمشي وهو يجرَُّ خلفه ويدفع أمامه ما يقارب ستين عاماً تنويرياً في ظلامنا العربي البليغ.

هو إحدى العلامات الفارقة البيضاء، من غير سوء، في تاريخ الإعلام اللبناني والعربي، كما في حقول أخرى متعددة.

فيروز ليست وحدها أخت لبنان التوأم.

غسان تويني هو أيضاً كذلك.

في الحقيقة كلاهما وأمثالهما يستطيعون الذهاب إلى آخر الشوط، وبطبيعة الحال إلى آخر لبنان، الذي ما زال، على ما فيه من حرائق الأرز والأهل والروح، يتسع لأشقائه الحقيقيين من عرب الحب والحرية والإبداع والأمل.

ما أكثر من هم بحاجة إلى التكريم وهم جديرون به، في لبنان وغيره، إلا أن غسان تويني ليس بحاجة إلى التكريم، وإن كان جديراً به، فقد كرَّمته نفسه وحكمته بما يكفي، كما كرَّمته “نهارات” وليالي حبره بما يصعب أن يكون فيه زيادة حتى لمستزيد.

هل أحمِّل غسان تويني أكثر مما يستطيع؟

هل عليَّ أن أترفق بشيخوخته وما تعاورها من هدآت وعواصف شخصية ووطنية وكونية؟

لا والله..

أليس هو من علَّمنا ممكنات المستحيل؟!

أليس هو من علَّمنا مواجهة الغضب بالحِلم؟!

ومواجهة الكراهية بالحب والتسامح؟!

ومواجهة المواجهة بعدم مواجهتها؟!

علَّمنا ذلك وواصل طموحه إلى ما يريد، وليس إلى ما يرغب.

هكذا هو يعلِّم نفسه ويتعلم من غيره ولا يألو تواضعاً.

أنا لا أستطيع إنصافه، ولكنه يستطيع إنصافي وإنصاف غيري.

أيَُّ معادلة سوريا.. ليَّة هذه يا كبير؟!

كثيراً ما أخطأ غسان في قراءة الواقع، وكثيراً ما أصاب، شأنَ الحكماء الكبار جميعاً.

كم تمنيت لو انه أعطى الصحافة جُلَّ ما تقتضيه، وأحجم قليلاً أو كثيراً عما تبتغيه السياسة. قناعتي تميل إلى أن الصحافي أهم من السياسي، ليس فقط في بلادنا المهتوكة العرض والطول، وإنما كذلك أيضاً في أي مكان من عالمنا الراهن والمرتهن لمافيات يأكل ليلها حتى نجومه.

هي أمنية بلا ملامة، وإلا كان علي أن ألوم نفسي أيضاً، وأنا لست بحاجة إلى مزيد.

ولكن على الرغم من انشغالات غسان تويني المتعددة، فإن ما أنجزه على الصعيد الإعلامي، كان أكبر مما استطاعت أنظمة وحكومات عربية كثيرة.

حقاً “إن الكرام قليلُ”.

السياسي يناور ويحاور ولكنه لا يجاور. ونحن وأنت يا غسان أهل وجيران.

أتحدث عن أمثالي من السوريين، وأنت تفهمني حتماً، مثلما أفهم أن نظامنا “تاريخياً” علينا وعليك، أعني على سوريا وعلى لبنان.

هدى الله النظام السوري وأبعده عن كزازة لؤمه ومراميه، فإن لم يفعل، فلتهدِهِ الأبالسة، وليسلم غسان.

مَنْ لي باثنين وعشرين غسان تويني، لأطمئن على صباحاتنا من المحيط الذي لم يعد هادراً، إلى الخليج الذي لم يعد ثائراً؟

من لي باثنتين وعشرين جريدة نهار وملاحقها، لأشيِّعَ بالبرق هذا الظلام العربي “المجيد”؟

من لي ببضع أرزات إضافية أستفيء إليها من هاجرة الطغيان، الذي وُلِدتُ في حُمَّى مستنقعاته وتوابيته وزنازينه ومراميه؟

أحببت لو ان غسان تويني كان صديقي أو أخي أو جاري أو عمي.

هي أمنية أيضاً، وما أكثر الأمنيات التي تتبعنا هازجة ومصفِّقة، لتصبَّ ما عندها وما لها وما عليها، في بحر لا يأس له ولا ندامة ولا قرار.

لم أستطع زيارة لبنان منذ سنوات، أو على وجه التحديد، منذ المقابلة التي أجرتها معي جيزيل خوري في برنامجها الشهير “بالعربي”، ولا أدري إن كانت متاحة لي زيارته الآن، إذ أعيش في السويد لا في سوريا.

غير أني واثق من شرعية أحلامي، التي قد تأخذني، ذات مصادفة أو مصالحة أو مقاولة أو مطاعنة، إلى لبنان، لأرى غسان تويني، ورعيلاً ضالعاً في الإقامة والهجرات، وهو لا يزال يقبض على دين نفسه وأهله والعالمين، كما يليق به.

غسان تويني يبكي سراً، كما أدّعي، ولن أكفكف دموعه أبداً. سأترك له حق البكاء في السر.

غسان تويني لا يقبل التنازل عن الحلم ولا عن الواقع، فهل أدعوه إلى التنازل عن أحدهما؟!

غسان يرعى الحياة، وأخجل أن أطالبه بغير ذلك.

ولكن يا مُحِبُّ ويا محبوب.. أعطِ نفسك حقها.

الجميل القوي الضعيف الشرس الشابّ العجوز الغزال حمار الوحش مالك الحزين نورس الأمنيات عواء الذؤبان وهديل الحمام غسان تويني..

حاول أن تنام كما ينبغي، وأن تستيقظ كما ينبغي؟

هل يتناقض هذا مع حراستك لتلك الجثة المتمدِّدة ما بين المحيط والخليج؟!

هل يتناقض هذا مع ملكوت أرضك وأهليك/ أهلينا؟!

من الطبيعي أن يرث الأبناء ما جنى الآباء من أجلهم مادياً ومعنوياً.

أما غسان تويني فقد ورث ابنه جبران بكامل تركته الثقيلة اجتماعياً وسياسياً وإعلامياً، ولكن الفاجعة الأكثر مرارة أنه ورِث دمه أيضاً.

ربما كان ينوي غسان أن يستريح قليلاً، ويتكئ على جبران، فاتكأ جبران عليه ودمه يقول:

ما من خيار لك يا أبي. ينبغي أن تستطيع ما لم تمهلني فيه الظروف.

لا أشكُّ في أن غسان استطاع ويستطيع.

ولكن أيُّ تراجيديا إغريقية لبنانية هذه؟!

أيُّ حزنٍ يا أمير الكلام؟!.

معلِّمنا غسان.. إخوتك وأبناؤك وأحفادك أكثر مما تتوقَّع بكثير.

ماضيك وحاضرك، وربما مستقبلك أيضاً، أكثر مما تتوقع بكثير.

نحتاجك اليوم أكثر من أي وقت مضى، وآمل أنك لن تخذلنا حتى في التفاصيل.

عمتَ معلِّماً يقظاً آمناً متجدِّداً. آمين.

* مشاركتي في الملف الذي أصدرته صحيفة “الجزيرة” السعودية، في ملحقها الثقافي ليومي 3 و4 آذار 2008

، احتفاء بغسان تويني.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى