صفحات ثقافية

حال المثقف النقدي الانشقاقي المترحل: كما هي عند إدوارد سعيد

null
يحيى بن الوليد
لا يمكن حصر ‘أداء المثقف’، وفي حال الأكاديمي الأمريكي والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد، في مستوى خطاب ما بعد الاستعمار فقط، ولا سيما في أثناء التصدي لأشكال القولبة والتخييل والتأويلات الخاطئة المتصاعدة… وغير ذلك من الأشكال التي يفرضها الاستشراق التقليدي والحديث. إذ يمكن لهذا الدور أن تقوم به أشكال أخرى عادة ما لا يتم الالتفات إليها، وذلك مثل الموسيقي. وعلى هذا المستوى الأخير يعطي إدوارد سعيد مثالا بعازف البيانو الكندي اللامع غْلين غولد (1932 ــ 1982) الذي كان موسيقيا فنانا، متعاقدا مع شركات كبرى لتسجيل موسيقاه؛ لكن ذلك، كما يواصل إدوارد سعيد، لم يمنعه من العمل على تحطيم مقدسات الموسيقى الكلاسيكية عبر إعادة تفسيرها وبالتعليق عليها، الأمر الذي كان له أبعد الأثر في كيفية التقديم والتقويم للأعمال الموسيقية (‘صور المثقف’، ص80). بل إن ما قام به إدوارد سعيد نفسه، وهو صاحب المقالات العديدة حول الموسيقى، مع عازف الأوركسترا اليهودي الأرجنتيني دانيال بارنبوم، ومن منطلق الوعي بأهمية الموسيقى على مستوى ‘التمثيل’، ومن منطلق الحرص على ‘الهوية المركبة’، دليل على دور المثقف الذي يجابه على صعيد الموسيقى من أجل تنمية التفاهم وترسيخ قيم الحرية والتسامح… بين الفلسطينيين والإسرائيليين. حتى وإن كان هذا لا يعني البتة أن الموسيقى يمكنها أن تحل مشاكل ‘الشرق الأوسط’ كما يقول دانيال بارنبوم نفسه في الكتاب المشترك مع إدوارد سعيد نفسه ‘نظائر ومفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع’ (الترجمة الفرنسية، صص 218-219).
وقد صاغ إدوارد سعيد تصوره للمثقف في كتابه ‘صور المثقف’ (1994) الذي ينطوي على أفكار ثاقبة بخصوص موضوع المثقف على الرغم من أنه عبارة عن محاضرات كانت قد بثتها الإذاعة البريطانية ضمن ‘محاضرات ريث’ التي كان قد افتتح سلسلتها العام 1948 واحد من أبرز مثقفي بريطانيا في القرن العشرين وهو برتراند راسل. الكتاب الذي سيواصل فيه إدوارد سعيد الحديث عن إحدى مهام المثقف المتمثلة في بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيرا من الفكر الإنساني والاتصال الفكري (ص12). ويظهر أن إدوارد سعيد يشترط شروطا عديدة تبدو ضابطة لما يمكن نعته بـ’أداء المثقف العصري’ في ‘تحركه’ في ‘الفضاء’ أو ‘العالم العام’ تبعا لتوصيفه (ص38). وأول هذه الشروط: ‘العالمية’، وثانيها ‘الاستقلالية’، وثالثها ‘المهنة الفكرية’، ورابعها ‘المنفى’.
وقد لا تخفى الصعوبة الملازمة لتعريف المثقف، وكما قال محمود درويش، في حوار من حواراته، يمكن أن نعثر على تعريف لـ’الملائكة’ في حين يتعذر العثور على تعريف لـ’المثقفين’. وهي الصعوبة ذاتها التي استشعرها إدوارد سعيد، مما جعله يقول: ‘ففي معظم المكتبات الراقية في الغرب، التابعة للجامعات أو المخصصة للأبحاث، يستطيع المرء اكتشاف آلاف العناوين عن مثقفين في بلدان مختلفة، يستدعي فهم كل مجموعة منها فهما كاملا سنوات عديدة’ (ص40). غير أن خلفية ‘العالمية’، التي تحركه، هي ما جعله يحرص على إعطاء صورة عالمية للمثقف. وهو ما تؤكده النماذج التي يستشهد بها والتي يقع في مقدمها نوام تشومسكي الذي اشترك معه في أكثر من كتاب وبرتراند راسل الذي أشرنا إليه قبل قليل وجان بول سارتر الذي يحيل عليه إدوارد سعيد في أكثر من موضع… وقد اعتمد هؤلاء ‘لغة عالمية’ ‘مصممة كي تكون لكل بلدان العالم وأعرافه أو لا تكون لأحد منها’ (صص40-41). هذا لكي لا نشير إلى أنطونيو غرامشي أو نقيضه جوليان بندا وسواهما من المنظرين والمبشرين والمخبرين الذين استند إليهم إدوارد سعيد في صياغة تصوره النظري لـ’المثقف النقدي’ أو ‘المثقف الجدلي الاعتراضي’.
ويتأكد الحضور المستقل للمثقف من خلال ما ينعته سعيد، وفي أكثر من موضع من الكتاب، بـ’المثقف الفرد’ الذي هو مدار اهتمامه. وتتحدد هذه الاستقلالية تجاه المؤسسات الثقافية والشركات العالمية والحكومات السياسية التي ينجم عن الارتباط بها ‘امتهان’ المثقف و’تبعيته’ وبيعه لخبرته، مما يفقده صوته النقدي المخصوص الذي هو مركز تمثيلاته ومركز تصديه للأعراف السائدة. وكما تجدر الإشارة إلى أن إدوارد سعيد يفكر في استقلالية أخرى تجاه ‘اللغة القومية’ التي يكتب بها وفيها ولها المثقف، وهي عملية صعبة ذلك أن ‘كل إنسان [وقبل المثقف] يسيطر عليه مجتمع ما، مهما كان المجتمع حرا ومنفتحا، ومهما كان المرء بوهيميا’ (ص77). وعلاوة على إكراهات ‘الولاء’ التي لا تحول دون مزاولة المثقف لمهام ‘النقد’ يجترح إدوارد سعيد ‘هامشا’ للمثقف بموجبه ينازع هذا الأخير ‘المعايير السائدة’ المرتبطة بـ’الأمة’ (ص48).غير أن هذا الدور لا يفضي إلى أي نوع من ‘التدمير العدمي’، لأن المثقفين، وتبعا لتوصيف غرامشي الذي يحيل عليه سعيد، يظلون ‘المحور’ لأعمال المجتمع العصري (ص27) جنبا إلى جنب التعريف الأشهر للثقافة، ومن قبل غرامشي نفسه، باعتبارها ‘إسمنتا اجتماعيا’.
ولا يبدو غريبا أن تفضي بنا ‘الاستقلالية’ إلى شرط ‘المهنة الفكرية’ أو ‘المثقف الهاوي’ الذي يخصص له سعيد حيزا مهما في الكتاب. ويتمظهر المثقف الهاوي من خارج دائرة ‘الاحترافية’ التي ينتقدها إدوارد سعيد، وبشدة، وخصوصا في أمريكا التي صارت فيها ‘سياسات التخصص تكتسح كل شيء’ (نص الحوار/ الكرمل، العدد 78، 2004، ص130). هذا بالإضافة إلى أن كلمة ‘مثقف’ ذاتها في أمريكا، أو ‘السياق الأمريكي’، أقل استخداما وتداولا مقارنةً مع كلمة ‘محترف’ أو ‘متخصص’ التي شكلت المعيار الأساس للإنتاج النقدي والفكري خلافا للساحة الفرنسية والانكليزية وحتى العربية. وقد ارتبط المثقف، في أمريكا، بـ’جاذبية غير عادية’ لـ’مراكز القوى’ التي تكافئ، لكن شريطة إسهامه في ‘صناعة الرأي’ المحكومة من أساسها بـ’تضليلات مؤرخي السياسة ومقالب وسائل الإعلام’ كما ينعتها روجيه غارودي في ‘الأصوليات المعاصرة’ (ص131).
ويلخص إدوارد سعيد التعارض القائم بين ‘المثقف الهاوي’ و’المثقف المحترف’ قائلا: ‘إن المحترف يدّعي حق الاكتراث بداعي المهنة، ويتظاهر بالموضوعية، في حين أن ما يحرك الهاوي ليس المكافآت ولا إنجاح التخطيط العاجل لمهنة العمر، وإنما ارتباط تعهدي بأفكار وقيم في المجال العام’ (ص112). وكما أن صاحب ‘الاستشراق’ عارض أن ‘يظل المثقف على الشاطئ، يستكشف بحذر درجة حرارة المياه من حين لآخر، ويظل معظم الوقت بعيدا عن البلل’ (ص112)، وضد ‘أن يعتلي المثقف المنبر…’ كما في التصور الرومانسي. فالمثقف مطالب بـ’التورط’، ومن منطلق مضاعفة الوعي، في القضايا اللاهبة، ومطالب بأن يكون أداؤه ‘محرجا’، وحتى لو جعله ذلك في غير ‘منجى من الأذى’ (ص77). فنموذج هذا المثقف أو المثقفين، وسعيد بدوره يستحضر صيغة الجمع، ‘إله’ من نوع آخر هو ‘برميثيوس ــ البطل’ الذي يشير إليه بول جونسون في الصفحات الأولى من كتابه ‘المثقفون’ (1989). غير أن ‘البروميثيوسية’ لا تحقق لهذا المثقف إلا ‘موقعا هامشيا’، لكنه جدير بأن يضمن له ‘قول الحق في وجه السلطة’.
وقد تجدر الإشارة، وفي أثناء الحديث عن تشكلات نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، إلى المنفي الذي كان من الأسباب الأساسية التي كانت وراء ظهور النظرية. المنفي الذي يندرج في صميم تشكل مفهوم الأمة بأمريكا التي تؤطر، وعلى مستوى الخلفيات الكبرى، معظم كتابات مؤسسي النظرية. وقد أخذ إدوارد سعيد يكتب عن موضوع المنفى منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ بل وخص الموضوع بثلاثة كتب أساسية، هي: ‘صور المثقف’ (1994)، ‘خارج المكان’ (1999)، و’تأملات حول المنفى’ (2000). هذا عدا العديد من المقالات التي يشير فيها إلى الموضوع. ويستهل فصل ‘المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون’، من كتاب ‘صور المثقف’، بالإشارة إلى المنفى باعتباره ‘أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة’ (ص17). ويضيف أن المنفى ساد في أزمنة ما قبل العصر الحديث، غير أنه تحول إلى ‘عقاب سياسي شرس’ لمجموعات وشعوب بأسرها في القرن العشرين ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية التي أفصحت عن ترسيم خرائطي جديد للعالم (عالم ما بعد الاستعمار).
ويهتم إدوارد سعيد بـ’المنفيين اللامستوعبين’ في الغرب ومن المثقفين الأفراد الذين لم ينزحوا من البلدان المستعمَرة إلى المراكز المتروبولية بدافع من الرغبة في ‘التماهي’ مع الثقافة والمواقف السياسية السائدة على نحو ما فعل ف. س. نايبول الذي صار ‘مرجعا’ في الموضوع. ومن هذه الناحية يمثل إدوارد سعيد موقفا مضادا لـ’المسايرة’ و’الاندماج’، وكان من البديهي أن يجلب له هذا الموقف متاعب عديدة. على أن المنفى، بالنسبة له، لا يكتسي، أبدا، صورة سياسية وشخصية قاتمة. وفي هذا السياق يمكن أن نلتقط من كتاباته المتفرقة إشاراته إلى ‘مسرات المنفى’ و’إنجازات المنفى’ و’فوائد المنفى’ و’شرف المنفى’… جنبا إلى جنب تصوراته حول ‘المنجز الأساسي في الثقافة الغربية الحديثة’ الذي ‘صنعه المنفيون والمهاجرون اللاجئون’ و’التفاعل بين القومية والمنفى’… ودون أن نتغافل عن تسمية جوليا كريستيفا ‘لذة المنفى’ التي يشير إليها هومي بهابها في كتابه ‘موقع الثقافة’ موازاة مع ‘لذائذ النفي الفردي وليس المفروض’ (ص267). وما لا يتكلم عنه أدورنو، الذي أفاد منه سعيد في موضوع المنفى، ومن حيث هي ‘وطن للكتابة’، هو ‘مسرات المنفى’ أي ــ وكما يشرح سعيد ــ ‘تلك التكيفات المختلفة للعيش وما يتيحه أحيانا من جوانب مدهشة، مما يفعم وظيفة المثقف بالحيوية، دونما أن يسكّن نهائيا على الأرجح كل قلق أو كل شعور بالعزلة المريرة’ (ص67). وعلاوة على ما سلف فالمنفى، وفي المنظور السعيدي دائما، يخلق معجزات في حالات التكيف (ص60). وإدوارد سعيد، وهو الأكاديمي الأمريكي والكاتب الفلسطيني، واحد من الذين أفادوا من المنفى الذي خوله مكانة ‘المثقف العالمي’.
والمنفى، بالنسبة لإدوارد سعيد، ‘حالة فعلية ومجازية’ في آن واحد (صص16-62). بل إن هذا المنفى، وفي النظر الأخير، ‘ميتافيزيقي’، أي ذلك النوع من المنفى الذي يعيشه المرء حتى داخل بلده الأصلي (‘المنفى الداخلي’). وفي هذا الصدد يمكن أن نفهم تشديده على تيودور أدرنو(1903 ــ 1969) (‘الضمير الإنساني لمنتصف القرن العشرين’ كما ينعته) الذي كان مهيئا ليصبح منفيا قبل ذهابه إلى أمريكا؛ بل إنه بعد عودته منها، عام 1949، ظل، وإلى وفاته، يعيش حال المنفي. ودون أن نتغافل، هنا، عن ‘أطروحة’ أدورنو نفسه حول ‘الأوطان مؤقتة باستمرار’ التي يشير إليها سعيد في ‘تأملات حول المنفى'(ص28). ودون أن نتغافل أيضا عن أطروحة ‘التسكع الأبدي’ لـ’مواطن’ أدورنو الناقد والفيلسوف اليهودي فالتر بنيامين الذي يحيل عليه إدوارد سعيد كثيرا في كتبه. إن إدوارد سعيد نفسه أقر، وفي أكثر من موضع وحوار، بعدم استعداده للعيش في وطنه ‘فلسطين’، بل إن فلسطين ذاتها ليست إلا ‘فكرة’: ‘لامكان فعلي’. إنه الوجه الآخر لـ’المثقف المنفي الدائم’ (ص65) الذي يجعل من الكتابة ‘وطنا’ والذي لا يملك أي سلاح من غير سلاح ‘السخرية’ داخل المنفى ذاته.
أجل يتصور إدوارد سعيد أن المنفى ‘بديل’ لا ‘امتياز’، غير أنه منح المثقف الذي يقيم في المتربول ‘امتيازا’ لم يمنحه للمثقف المقيم بين ‘الأهالي’ في بلده الأصلي. بل إن المسألة تتجاوز كل ذلك نحو ‘الحسم’ في مفهوم ‘المثقف’ ونحو ‘المساواة’ بين هذا الأخير والمنفي. ويلخص ستيفن هاو في مقال ‘إدوارد سعيد: المسافر والمنفى’ (ترجمة صبحي حديدي) هذه الفكرة قائلا: ‘وفي العديد من المرات تأمل سعيد محاسن، ومشاق، أن يكون المرء غريبا خارجيا، منفيا. وكان في العادة يشدد على المزايا الفكرية التي يمكن كسبها من تلك المواقع، وأعطى المنفيَّ أو النازح الفكري مكانة حاسمة في تكوين الثقافة المعاصرة. ولقد أوحى بأن وعيا ‘منفويا’، وعلاقة ظلت إشكالية مع ‘الوطن’ الضائع، شكلتا موقفه النقدي بأسره وأثرتا في طريقة تفكيره وكتابته، حتى في أعماله الأقل احتواء على السياسة’ (الكرمل، ص 23). هذا إذا ما لن نقل بأنه سوَّى، ومن نواح عديدة، بين ‘المثقف’ و’المنفي’.
تلك هي أطروحة المثقف النقدي الانشقاقي المترحّل، أو المثقف، وتبعا لمفردات الكتاب، كـ’منفي’ و’هامشي’ و’هاو’ و’خالق لغة تحاول قول الحق في وجه السلطة’، التي دافع عنها إدوارد سعيد في وضوح تام. غير أن ما لم يصرح به هذا الأخير، وهو يدافع عن أداء المثقف في الفضاء العام، هو ‘أطياف المثقف الرسولي’ الذي هو، ومن وجوه عديدة، صورة لإدوارد سعيد نفسه في كتاباته القائمة على ‘التحليل’ و’التشخيص’ و’السجال’ و’التسارر’. ذلك المثقف الموزع بدوره على الأرض والمنفى… ‘الدنيا’ والمدن الفاضلة في آن واحد كما قال فيصل دراج في مختتم دراسة مركزة لـ’صور المثقف’ عند إدوار سعيد (الكرمل، المرجع السابق).
ناقد وباحث من المغرب
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى